حين فرغ خزّان رشّاشه وقف فوق الخراب العميم، وصفّق بيدين داميتين. أشعل سيجارة ثمّ تقيّأ عشرين قطرا عربيّا ونيفا. وحين اخترقت رصاصة العدوّ صدره ورأسه تهاوى وفي فمه غزّة. انتهت الحرب الّتي لا تنتهي. القطط في الشّوارع والكلاب السّائبة تنهش جثث القتلى. ثمّة أيضا أنين ضحايا تحت الرّكام. أشلاء لحم آدميّ مبثوثة هنا وهناك، وكثير من الذّباب يحوم… الجريمة معلّقة في الهواء تشهد على توحّش العالم الّذي يزعم المدنيّة والحريّة والدّيمقراطيّة. الجريمة واسعة تفتح شدقيها، وتضحك ضحكة سوداء. لا ماء، لا رغيف، لا كهرباء، لا دواء. ليس سوى الخواء والعراء. على صخرة سيزيفيّة المعنى، عبثيّة الأقدار يقف المقاتل الفلسطينيّ على قدميه الثّابتتين، رافعا يديه إلى السّماء، صارخا في العدم العديم. يرقص رقصة فلامنكو غجريّة الإيقاع. ينزل إلى السّهل، يضع سلاحه حذوه، ويغفو على أمل أن تنتهي الحرب الّتي لا تنتهي، وفي حلمه رغبات كثيرة: أن يفتح نافذة واحدة في أفق عربيّ موصد، أن يشيّد بيتا يأوي الزّوجة والأطفال، أن يزرع حديقة وقمحا في السّهول، أن يجني ثمار أشجار الزّيتون والبرتقال، وأن ينام، ولو ليلة في واحدة، في أمان. ويتمنّى المقاتل أن يقصف الطّيران الحربيّ العربيّ والإسلاميّ معاقل العدوّ، يتمنّى أن يستيقظ يوما سالما مرتاح البال على إيقاع صياح الدّيكة، ونباح الكلاب، وثغاء الخرفان، ونهيق الأحمرة المستعربة، أو أن يموت موتا صغيرا كريما على جناح فراشة.
لكنّ العالم ضدّه، وأمريكا تزوّد حوتها الصّهيونيّ بشتّى أنواع السّلاح لتغتال أجمل حلم في الرّأس الفلسطينيّ. أمريكا الّتي شرّدت الهنود الحمر، وارتكبت جرائم إبادات جماعيّة لتؤسّس امبراطوريّة الشّرّ في هذا العالم المتوحّش القميء.
‘انتهت الحرب’ ( الّتي لم تنته)، هكذا قال الشّاعر العراقيّ ‘خالد كاكي’:
للأمّهات والأرامل، الحرب لم تنته أبدا،/ للطّفلة الّتي فقدت أباها،/ وللأخت وللصّديق وللرّفيق، / ولكلّ من فقد حبيبا،/ الحرب باقية
حتّى وإن ردّدت الصّحيفة الوحيدة، / والمذيع الأخير المتبقّي في دار الإذاعة الوطنيّة / عكس ذلك”.
ينهض الشّهيد من غفوته، يتحسّس أعضاءه وجراحه الجوّانيّة النّازفة، يمضغ عشبة بريّة، يغسل يديه من آثام عربيّة، ويغنّي أغنية غجريّة حزينة:
” بداخلي بئر / ولكنّي لا أستطيع شرب الماء / فالحبل ليس طويلا بالقدر الكافي”.
ويضيف منشدا أغنية ‘ الكامينو’ لفرقة ملوك الغجر:
” أجد نفسي حزينا ووحيدا/ أبحث في الشّارع / عن الطّريق/ لأنّني متشرّد/ على الأرض، في العالم/ الطّريق طريقي / طريق الصّيف،
وأنا متشرّد/ أنا ذاهب عبر هذا العالم / قيتارتي بين يدي/ لألعب لإخوتي الطّريق./ المرأة التي أحبّها أكثر /هي من تجدني قاسيا
أحبّها كثيرا، كثيرا / ولأجلها أغنّي، أغنّي / قيتارتي بين يدي/ لألعب لإخوتي الطّريق.
تغريبة الفلسطينيّ منذ عقود صارت شبيهة بتغريبة شعب الغجر: تشريد وترحال وتهجير ومناف ومجازر وحروب وتمييز واضطهاد. ومن الألم والمأساة تنبثق الأغنية الفلسطينيّة/ الغجريّة معبّرة عن الوجع والفراق. أغان كصيحة وابتهال إلى اللّه وحده دون سواه، توق وشوق إلى الحريّة والتّحرّر واستعادة الهويّة والوطن السليب. تكاد التّراجيديا الفلسطينية تتلخّص في أغنية غجريّة حزينة عنوانها ألم كإيقاع المطرقة على السّندان. سيطلق المقاتل الغزّاويّ صيحته مردّدا كلمات الشّاعر السّوريّ رياض الصّالح الحسين:
لا ماء في البحر/ لا حياة في القبلة/ لا عدالة بين نابيْ أفعى/ ولا شمس ساطعة في قلبي/ قطيع من( العرب) الموتى في فمي/ والغسيل على الشّرفات”.


