التّغريبة الإيزيديّة شعرا

التّغريبة الإيزيديّة شعرا
تعرّضت الطّائفة الإيزيديّة في العراق على مدى التّاريخ إلى أربع وسبعين إبادة جماعيّة آخرها كانت على يد تنظيم داعش الإرهابيّ.

تعرّضت الطّائفة الإيزيديّة في العراق على مدى التّاريخ إلى أربع وسبعين إبادة جماعيّة آخرها كانت على يد تنظيم داعش الإرهابيّ. لكنّ هذا الشّعب ظلّ مقاوما وصامدا، فلم يستسلم رغم ما تعرّض له من تقتيل وتنكيل وسبي وتشريد، وبيع للفتيات والنّساء في سوق النّخاسة. إضافة إلى التّجويع وحرق القرى ومحاولات طمس هويّته وتاريخه. ولقد حاول تنظيم داعش عندما أقام دولة الخلافة في العراق والشّام واحتل مدينة سنجار  (شنكال) أن يوهم الرّأي العامّ بأنّ الإيزيديّن كفرة وعبدة شيطان وما إلى ذلك من حملات التّشويه.

لكنّ إرادة الشّعوب لا تقهر. فكانت المقاومة بالسّلاح وبالثّقافة. برز خلال الحرب وبعدها شعراء إيزيديّون وهبوا أقلامهم لأجل الدّفاع عن طائفتهم وإنسانيتهم. فتميّز شعرهم بالألم وفظائع الحرب والإبادة والتّمسّك بالهويّة التّاريخيّة، فضلا عن الانتصار للحبّ والسّلام والحياة. اخترتُ نماذج ثلاثة فحسب لشعراء إيزيدّين تتميّز نصوصهم بالحداثة وصدق التّجربة وكتابة الألم في إطار ما يمكن أن نطلق عليه بشعريّة الحرب. تلخّص الشّاعرة ‘خنافة أيّوب’ معاناة الإيزيديّين فتقول:

” أنا أزيديّة/ في حيواتي السّابقة/ كنت أزيديّة/ تعمّدت في لالش ثلاثا وسبعين مرّة/ ومازال جسدي طاهرا حتّى الآن/ وضعت شال أمّي الإيزيديّة على رأسي/ ثلاثةً وسبعين عمرا/ ومازال اللّافندر ينبت في شعري حتّى الآن/ حملت نار شنكال المقدّسة بيدي/ صلّيت ثلاثا وسبعين حياة/ وبقيتْ أناملي شموعا حتّى الآن/ وكلّما انطفأ الضّوء في هذه المدينة/ اشتعلتْ شموعي/ لأرى الإيزيديّات اللّواتي أصبحن سبايا / يطُفن في هذه المدينة / يطرُقن الأبواب/ يبحثنَ عن الرّجال/ لكن لا رجل هنا/ في حيواتي السّابقة كنت إيزيديّة/ ثلاثا وسبعين مجزرة/ رأيتُ/ وفي المرّة الرّابعة والسّبعين / كنت سأكون أيضا إيزيديّة/ لولا أنّ أمّي نزعتني من رحمها/ ورمتني خارج شنكال/ بعد أن لفّتْ رأسي بدموع الإيزيديّات/ مقطّع رأسي حتّى الآن بحدّة دموعنا القديمة/ مقطّع رأسي بصدى صرخات أمّهاتي وهنّ يُغتصبن/ مقطّع رأسي/ أربع وسبعون إبادة قد مرّت على أجسادنا/ أجسادنا الّتي تقطّع ثمّ تجمّع نفسها / استعدادا لإبادة قادمة”.

أمّا ‘سرمد سليم’ فيعرض تفاصيل موغلة في الألم عمّا خلّفه تنظيم داعش من فظاعات فيقول: في نصّ موسوم بشنكال ( سنجار):

” لشنكال (سنجار) الّتي تخاف من الظّلام/ شمس آذار،/ وصلوات أبي وشرفدين/ لشنكال، تلك البلاد الجائعة/ خبز أمّي وقلبي ونهدا حبيبتي،/ لتلك الأرض العطشى/ يفتح اللّه أزرار عينيه / ويبكي بغزارة “.

 ويضيف في نصّ تساؤلات:

” من سرق القمر/ من سمائك المضاءة؟/ من قتل ضحكات الأطفال/ في شوارعك الغارقة بالغبار؟/ من سرق قمحك الأشقر؟/ وترك العصافير تموت جوعاً في الحقول؟/ من سرق أغنية “غريبو” وأنشودة “شرفدين”/ من حنجرة خضر فقير؟/ من الّذي محا القصائد على جدرانك/ وراح يكتب عليها الكراهيّة بالسّكاكين؟/ من الّذي أتى ليلا/ وأطلق الرّصاص على ظهرك؟/ من الّذي سبى البنات اللّواتي لم يزلن في ساحات اللّعب؟/ من الّذي أخذ قلبك/ إلى الوجع/ وجسدك الصّغير إلى القبر؟/ ومن ذاك الّذي غافلك؟ / من؟…”

هنا شعر ينتصر للحياة، ويقول المعاناة بشعريّة صادقة وتوهّج. لكأنّ الشّاعر يحمل كاميرا ويوثّق المشاهد التي خلّفتها الحرب في صور حسيّة صادمة. وهذا ما نلحظه لدى الشّاعر سعد شفّان حين يقول:

” الطّفل الّذي صادفتُه في المخيّم/ كان يلعبُ بيدٍ واحدةٍ/ أمّا الأخرى فكانت مقطوعة/ ألوان، ابتسامات، يجيدها بكلّ سذاجةٍ/ يرسمُ نصفَ قريته/ غير أنّها لا تكتمل إلّا بكلتا اليدين/ خلّفتْ له الحرب قريةً بعيدةً / لا يصل إليها أبدًا / وزّعوا الرّؤوسَ حسبَ أجسادها/ هذا من الجنوب/ والآخر أيضاً، هذا من الشّمال/ والآخر رأس جاره/ وهذا الصّغير لمن يعود…؟/ لم نجد له جسدًا./ أحمل الله على ظهري وأمشي:/ أنا ابن بائع/ قُتل قبل سنوات./ في حانوتٍ صغير/ زرعتُ يداً لي للكتابة وقدمين للمشي/ خرجتُ من رحم الورق/ كي أبكي على الموتى بكلمات/ وألعب بين السّطور/ كطفل قرويّ كثير الأحلام/ أنا ابن بائع/ تعرفني القرية كلّها/ والمقابر الّتي جلبتُ لها الحلوى يوم العيد/ منذ أن كنت صغيرًا / سكّين الوحدة يصل إلى عنقي/ إلّا أنّني أنجو كلّ مرّة/ كي أموت أكثر…. وأكثر/ لم أر طفولتي بوضوح/ لهذا ولدتُ شابّاً في العشرين أثناء الحرب/ فلم يعرفني أحد من نساء القرية/ رغم وسامتي ووجهي الحزين/ أنا ابن بائع/ لم يدْعُني أحد من أطفال شارعنا/ لألعب معه/ كان يجب أن أحمل أكياساً على ظهري،/ وأصرخ بحنجرتي الضّعيفة/ تحت شمس الظّهيرة/ عن بضاعتي أمام حانوتنا الصّغير/ بينما الجميع يغرقون في النّوم/ أمّا أنا… كان الله يحملني على ظهره ويبكي”.

اخترت أن أعرض النصّ بدل الكتابة عنه لضيق المساحة. فالنّصّ أبلغ من الكلام عنه لاسيّما إذا كنّا أمام نصوص ندرجها في شعر الحياة والمعاناة أو شعريّة الألم والحرب. شعر يقطع مع التّهويمات ويمعن في الصّورة البصريّة بلغة بسيطة مزدانة بأجمل الاستعارات. وهو في الختام شعر تجربة جاوز الألم والقبح وقدّمه وآثر تقديمهما على نحو جماليّ أخّاذ. ولي عودة إلى التّغريبيّة الإيزيديّة شعرا وسردا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *