مقدمة
تشكل استضافة العراق لقمة جامعة الدول العربية في بغداد بتاريخ 17 أيار/مايو 2025 محطة مفصلية في مساعيه لإعادة تعريف دوره وصورته في العالم العربي. وتُعدّ هذه القمة الأولى التي يستضيفها العراق منذ عام 2012، وتأتي في سياق تحولات جيوسياسية معقدة تشهدها المنطقة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. يسعى العراق من خلال هذه المناسبة إلى ترسيخ مكانته كلاعب مستقل ومتوازن في المعادلات الإقليمية، وذلك بعد عقدين من الحروب والاضطرابات، وهو الآن في طور إعادة البناء السياسي والاقتصادي.
الأهمية الاستراتيجية للقمة بالنسبة للعراق
- تعزيز المكانة الدبلوماسية للعراق
تمثل استضافة القمة فرصة للعراق لإحياء دوره كأحد المؤسسين لجامعة الدول العربية. إن حضور قادة الدول العربية في بغداد يُعدّ إشارة واضحة إلى عودة العراق إلى مركز التفاعلات العربية؛ ومن شأن هذه التفاعلات أن تمهد الطريق لتوقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات سياسية واقتصادية؛ ووفقاً لتقارير وزارة الخارجية العراقية، تم التخطيط لما لا يقل عن 12 لقاء ثنائياً على هامش القمة، تُركّز في الغالب على مجالات التعاون الاقتصادي والطاقة، مما يسهم في تعزيز صورة العراق ومكانته الدبلوماسية في المنطقة.
- ترسيخ سياسة خارجية متوازنة
تحاول حكومة محمد شياع السوداني لإيجاد الاعتماد في السياسة الخارجية المتوازنة التي تلعب من خلالها دور الجسر بين إيران والدول العربية ضمن لعبة التوازنات في الشرق الأوسط. وتُقدّر صادرات العراق غير النفطية إلى إيران ودول الخليج بأكثر من 11 مليار دولار في عام 2024، ما يعكس متانة العلاقات الاقتصادية إلى جانب السياسية. وتُعدّ القمة إطاراً مناسباً لتوسيع التعاون الاقتصادي، لا سيما في مجالات الطاقة، والنقل، والتكنولوجيا.
- جذب الاستثمارات والتنمية الاقتصادية
يمتلك العراق أكثر من 145 مليار برميل من الاحتياطات النفطية المؤكدة، مما يجعله خامس أكبر دولة مصدّرة للنفط عالمياً. إلا أنه لا يزال يعاني من معدل بطالة يزيد عن 14%، ونسبة فقر تقارب 25% من السكان. يُعتبر مشروع “طريق التنمية” الذي تُقدّر قيمته بـ17 مليار دولار، من أبرز المبادرات الاقتصادية التي تسعى لجعل العراق مركزاً لوجستياً إقليمياً. وعلى هامش القمة، سيتمّ تقديم هذا المشروع، إلى جانب مشاريع تطوير الموانئ مثل ميناء الفاو الكبير، إلى الوفود الاقتصادية العربية. ووفقاً لتقرير البنك المركزي العراقي، لم تتجاوز قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العراق خلال عام 2023، ثلاثة مليارات دولار، وهذا رقم ضئيل مقارنةً بالإمكانات المتاحة. لذلك، قد تساهم القمة في استقطاب ثقة المستثمرين العرب والدوليين.
التحديات والجدل المرافق للقمة
- دعوة أحمد الشرع (الجولاني)
جاءت دعوة أحمد الشرع، رئيس الحكومة المؤقتة السورية، في إطار تعزيز الحوار العربي وفتح أبواب الدبلوماسية، لكنها قد تُلحق ضرراً بالعلاقات العراقية مع دمشق وحلفائها كإيران. تُعد سوريا ممرّاً حيوياً لصادرات الكهرباء والمشتقات النفطية العراقية، وأي توتر مع دمشق قد يؤدي إلى تبعات اقتصادية، منها ارتفاع تكاليف النقل وتهديد المشاريع الإقليمية. علاوة على ذلك، فإن المحكمة الاتحادية العراقية قد أصدرت منذ سنوات مذكرة توقيف بحق الجولاني بتهم تتعلق بأعمال إرهابية، ودعوته تشكل إهانة للسلطة القضائية وقد تؤدي إلى أزمة التوازن الداخلي في العراق.
- تكاليف الاستضافة والانتقادات الداخلية
رغم عدم إعلان التكلفة الدقيقة للقمة، إلا أن وسائل الإعلام العراقية قدّرت أن إجمالي التكاليف الأمنية والبنية التحتية يتجاوز 350 مليون دولار. وبحسب بلدية بغداد، تم تنفيذ 84 مشروعاً عمرانياً استعداداً للقمة، شملت إعادة تأهيل 60 كيلومتراً من الطرق، إنارة 200 شارع، وتحديث المنشآت الفندقية والمطار. إلا أن هذه التكاليف أثارت انتقادات واسعة في بلد يعيش فيه أكثر من 3.2 مليون شخص تحت خط الفقر، واعتبرها البعض مثالاً على التوزيع غير العادل للموارد.
- التهديدات الأمنية المحتملة
شهد العراق خلال عام 2024 انخفاضاً بنسبة 30% في عدد الهجمات الإرهابية مقارنة بالعام السابق، إلا أن التهديدات لا تزال قائمة. وقد تم نشر أكثر من 30 ألف عنصر أمني لحماية فعاليات القمّة، وتمّ تقسيم بغداد إلى خمس مناطق أمنية. وقدّرت تكاليف الإجراءات الأمنية وحدها بنحو 75 مليون دولار. وتأمل الحكومة أن يُسهم نجاح القمة في تعزيز الصورة الأمنية للعراق في المحافل الدولية.
الآثار المحتملة للقمة على العراق
- تعزيز العلاقات الإقليمية والدولية
يسعى العراق من خلال التعاون الإقليمي إلى تقليل اعتماده على صادرات النفط والتحول إلى شريك فاعل في سلاسل القيمة في المنطقة. ويمكن للمشاركة في مشاريع عربية مثل شبكات الربط الكهربائي، وخطوط الأنابيب، والمشاريع الزراعية أن ترفع من حصة العراق في التجارة العربية البينية، التي لا تتجاوز حالياً 5% من إجمالي تجارته الخارجية.
- جذب الاستثمارات وتسريع النمو الاقتصادي
تنوي وزارة التخطيط العراقية عرض حزمة من 45 مشروعاً استثمارياً بقيمة 10 مليار دولار خلال القمة، تركز على الطاقة المتجددة، وتكنولوجيا المعلومات، وإعادة إعمار المناطق المتضررة من النزاع. وفي حال تحقق جزء من هذه الاستثمارات، يمكن أن يرتفع معدل نمو الاقتصاد العراقي من 3.5% في عام 2024 إلى أكثر من 5% في المدى المتوسط.
-
تحسين صورة العراق دولياً
قد تُسهم استضافة القمة في أجواء مستقرة ومنظمة في تعزيز ثقة المستثمرين، وزيادة الجاذبية السياحية للعراق، واستقطاب الشركات متعددة الجنسيات. و علی سبیل المثال، أعلنت الحكومة العراقية عن نيتها دعوة علامات سياحية عربية للاستثمار في مدن مقدسة مثل النجف وكربلاء، وهي مناطق تدرّ أكثر من 200 مليون دولار سنوياً، مع إمكانات مضاعفة هذا الرقم.
خاتمة
تمثّل قمة جامعة الدول العربية في بغداد فرصة تاريخية للعراق لإعادة رسم دوره في المعادلات الإقليمية، وإثبات نفسه كفاعل مستقل ومؤثر في العالم العربي. إن نجاح العراق لا يقتصر على أبعاده السياسية، بل يمتدّ إلى مجالات الاقتصاد والبنية التحتية أيضاً. وإذا أديرت التحديات واستُخدمت الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية الفعّالة، فإن العراق قادر على أن يخطو خطوة كبيرة نحو الاستقرار والتنمية. ومع ذلك، فإن الجدل المرافق للقمة، خاصة فيما يتعلق بدعوة أحمد الشرع، قد يُشعل شرارة أزمة في التوازن السياسي الداخلي، لا سيما قبل أشهر قليلة من الانتخابات البرلمانية. ويبقى التساؤل: هل أقدم محمد شياع السوداني على مغامرة سياسية محفوفة بالمخاطر مع الدعوة الإستضافية لأحمد الشرع، أم أن التطورات ستأخذ مساراً مختلفاً؟


