تشغل مسألة بناء وتنظيم المجتمع إهتمام العقل الإنساني الثقافي، وتصل الى درجة من الصعوبة تجعلها من أصعب مشكلات عصر التقنية اليوم، فمعطيات الواقع تفيد بأن التغييرات الإقتصادية والتطور التقني والتحولات الإجتماعية والميول الشخصية تتحرك بشكل أسرع من قدرة الثقافة على اللحاق بها. وتكمن مضار ذلك في أن تلك التغييرات قد تتمكن من التدخل في إعادة هيكلة البناء الإجتماعي بما يسمح بإدراج ثقافات جديدة تحددها التغييرات المتسارعة المحكومة بالسوق الإستهلاكية، وبالمشاريع السياسية العالمية، ومشاريع الاقتصاد الصناعي التقني، لذا أخذت بعض السلوكيات الغريبة والطارئة على المجتمع تنتشر بين الناس بسرعة اكبر اذا ما قورنت بسرعة انتشار فكرة هادفة، أو نظرة موضوعية.
عندما أتاحت وسائل التواصل الإجتماعي ومواقع الإنترنت في ظل المتغيرات العالمية ، حرية التعبير دون ضوابط ثقافية وأطر أخلاقية ومسارات أدبية للنشر، دخلت شركات استثمارية تقنية على خط الحرية الرقمية فوظفت المال لتنمية تلك الحريات ، مما حمل كثيرين على النزول بمحتويات سلبية تنوعت ما بين تافهة وهابطة وفاشلة ، ومحتويات إيجابية تنوعت ما بين نافعة وقيّمة وناجعة. وأعطت حق تقييمها لجمهور المتلقين عبر إعجاباتهم وكثرة مشاركاتهم وعديد مشاهداتهم من خلال وسائل التواصل الإجتماعي ، فكانت أعداد المتابعين معياراً لتزكية المحتوى حتى وان كان ذلك المحتوى بعيداً عن الضوابط الثقافية المتعارف عليها فكرياً ولغوياً وانسانياً وأدبياً وإجتماعياً . بسبب ذلك استطاع بعض منشئي المحتويات الرقمية فرض حضورهم على المشهد الإعلامي ثم الثقافي في المجتمع بقوة جمهورهم الداعم والمشجع والمتابع. وسواء أكان ذلك الجمهورعلى قدر كافي من الوعي بما يقوم به من مسؤولية في التقييم أم لا ، فإن النتيجة صارت لصالح كبسة زر يقوم بها هذا المستخدم وذلك المتابع ، دون الأخذ بنظر الإعتبار ما إذا كانت تلك الكبسة قد تمت بتأثير إنفعال عاطفي أو مرحلي أو تفاعل موضوعي. المهم ما يسجله عدّاد الشاشة الرقمية، لذلك لم يعد بوسع الثقافة ان تتطور ، بل هي في اعتقادي قد تأكل بعضها في السنوات القادمة وتتحول من مشروع رسالي الى نشاط جمالي يضفي على صاحبه بعض اللمسات الإجتماعية والتمظهر الحضاري أزمة الثقافة في عالمنا العربي في عصر التقنية المتطورة ومشاريع الذكاء الإصطناعي أكثر تعقيداً مما كانت عليه ثقافة الدول الصناعية في القرن التاسع عشر وهي تواجه صعوبة في التوفيق بين الجانب المادي المتمثل بالعلم المجرد والجانب الروحي المتمثل بالإبداع الثقافي . واذا كانت الثقافة قد احتاجت الى نصف قرن لكي تميل بالمجتمع الغربي الى الواقع المادي بعدما استطاع العلم ان يوفر اجوبة مقنعة لكثير من اسئلة الناس خصوصاً الشباب منهم فيما يتعلق بشؤون حياتهم التي كانت الكنيسة قد فرضت قوالب جامدة إزاءها خصوصاً ما تعلق منها بشؤون المرأة وغيرها . فإن ثقافة مجتمعنا العربي اليوم تواجه أزمة عميقة تتمثل في ان المجتمعات العربية لم تصنع تطورها العلمي والتقني، ولم تشهد مرحلة انتقالية تسمح لها بترتيب الأولويات ، فضلاً عن إن البعد الديني عند العربي يتمدد على خارطة حياته الشخصية والإجتماعية والثقافية والنفسية .
بالاضافة الى ان النظام السياسي العربي فشل في مختلف الظروف تقريباً في توفير أجواء آمنة لظهور ثقافة قادرة على فهم التغيير الذي يمر به المجتمع والمتعلق بالتغيير الحاصل في النظام العالمي ، لذا لم يتمكن المثقف لوحده من اللحاق بركب التطور المتسارع للتقنية ولم تتمكن انظمة الحكم المسؤولة عن بلدان العالم العربي من توفير مستلزمات ذلك اللحاق ، كما لا ننسى ان للعادات والتقاليد والأعراف العشائرية حضور أقوى من حضور الثقافة بمعناها المتمدن ، ومن شأن هذا ان يقيد الثقافة كرسالة تنمية في المجتمع ، فقد نجد كثيراً من المتعلمين والمثقفين وهم بمارسون انماطاً سلوكية لا تختلف كثيراً عن تلك التي يمارسها من هم أقل نصيباً منهم في التعليم والمعرفة والثقافة والمكانة الإجتماعية ، وقد نجد أستاذاً أكاديمياً وطبيباً ومهندساً ومعلماً في صف واحد مع الآخرين أمام سلطة العرف العشائري .
في القرن الثامن عشر ، قال الكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير ان بمقدوره إحداث ثورة كبرى في العقول في ظرف سنتين او ثلاث اذا وجد الى جانبه خمس أو ست فلاسفة ومطبعة . أما اليوم ونحن في القرن الحادي والعشرين ، عصر التقنية ومشاريع الذكاء الإصطناعي فيمكنني ان اقول ان بوسعنا احداث ثورة في العقول اذا تمكنا من فصل الثقافة عن سياسة الدولة ومنحها سلطة مستقلة كسلطة القضاء .


