قانون التجنيد الإلزامي بين هيبة الدولة و” هيبت” البرلماني

قانون التجنيد الإلزامي بين هيبة الدولة و هيبت البرلماني
يناقش النص ضعف ترسيخ حب الوطن في العراق بسبب فشل الأنظمة والضغوط الاجتماعية، مقابل بقاء روح التضامن الشعبي، محذراً من انفجار اجتماعي محتمل، ومقترحاً تعزيز دور الثقافة لبناء وعي وطني وتحقيق التغيير...

يبدأ حب الوطن بعلاقة انفعالية يعيشها المواطن تجاه وطنه بدوافع تساهم المصادفة في صناعتها وليست الضرورة ، فمن المصادفة ان يكون هذا المواطن عراقياً لأنه ولد في العراق لأبوين عراقيين ، في حين يكون ذاك المواطن أمريكياً لأنه ولد في أمريكا . ما لم تجد هذه العلاقة الانفعالية مستلزمات موضوعية واقعية لاستقرارها في النفس والقلب والتفكير ، فإنها تظل علاقة انفعالات تخضع درجة فاعليتها لظروف اللحظة الزمنية التي يمر بها المواطن ، فدرجة حبّه للوطن وقت الرخاء لا شك تختلف عنها وقت الشدّة ، خصوصاً عندما تتسب ظروف داخلية في اظهار هذه الشدّة ، وكثيراً ما تأتي هذه الظروف من جهة السلطة الحاكمة التي كثيراً ما كانت بعيدة جداً جداً عن فهمها لطبيعة شخصية المواطن ولطبيعة المجتمع .

يعيش مجتمعنا العراقي منذ وقت طويل ، ثنائية القلق والاستنفار ، بسبب سياسات الأنظمة الحاكمة . يظهر حب الوطن واضحاً جداً عند الناس ، عندما تتعرض البلاد لاعتداء خارجي كالاحتلال او تتعرض البلاد الى تهديد داخلي كالتطرف والإرهاب ، وقد قرأنا كثيراً عن بطولات عراقيين في زمن الاحتلال ، ورأينا بطولات كثيرة في محاربة داعش ، وقدمنا الاف الشهداء من أبناء البلد ، لكن لسوء حظ العراقيين لم يصل الى مراكز القرار أشخاص يتبنون توفير مستلزمات استقرار حب الوطن في نفوس الناس ، وفي عقولهم وقلوبهم ، فكل أنظمة الحكم إما كانت دكتاتورية ظالمة ، واما ديمقراطية فاشلة ، كما لم يظهر انموذج ثقافي او علمي اجتماعي للبطولة ، مثلما هو حاصل مع رجل الدين ، الأمر الذي جعل حب الوطن يرتبط بالإيمان من حيث هو مفوم ديني ، وليس من حيث هو مفهوم ثقافي ، لذا نجد الوعي الجمعي للناس يلتزم بفتوى رجل الدين ولا يلتزم بحكمة رجل العلم والثقافة .

بسبب فشل العقل السياسي العراقي لأكثر من عقدين من السنين في تبني مشروع وطني بالفهم الثقافي لمعنى الوطن ، فقد فقدَ الوطن فرصة التفات أبنائه اليه التفاتة جماعية بوعي عميق ، فالشباب يعيشون أحلام الهجرة والسفر في امنياتهم ، ويعيشون آلام الواقع في حياتهم . هذا القلق المزمن في شخصية المواطن العراقي ، مع حالة الاستنفار التي تضطرهم لها السياسات الفاشلة ، وحساسية الموقع الجغرافي للعراق ، واهمية ذلك في مشاريع النظام العالمي الجديد ، مضافاً اليها تأزم المشهد العالمي وتحديداً في ما يتعلق بالهجرة ، وما يكتنف هذا الامر من تعقيدات كبيرة جداً ترتبت على احداث داعش الإرهابي ، اضطر بعض الشباب الى تبني “مشروع وطن” فاشتغلوا عليه في محاولة لترجمة مفهوم الحب الى مشروع حياة حقيقي ، لكن هذا المشروع الذي انطلقت شرارته القوية في (ساحة التحرير) في بغداد في (انتفاضة تشرين ) سرعان ما تعطل بوجود قوى كبيرة فاعلة في تحريك المشهد الحياتي في العراق بعد 2003م .

على مدى عشرين عاماً من معايشة حياة الناس ، اجد من الشجاعة ما يكفيني لأختصر الحديث عن المجتمع العراقي بالقول : انه مجتمع نظيف.  فقد رأينا مواقف شعبية واجتماعية في ظروف ومواقف مختلفة ، كان أحدثها ما نقلته قناة ” الحدث عراق” عن مزارعي الناصرية الذين واجهوا غلاء سعر “الطماطم” في السوق بعرض محصولهم منها مجاناً للناس . وفي موقف مشرف سابق حصل في شهر رمضان حيث بادر اشخاص من أهالي قلعة سكر في الناصرية بتوفير كميات كبيرة من المواد الغذائية وتوزيعها على ارصفة الشوارع كي يتسنى للمحتاج ان يأخذ كفايته حفاظاً على ماء وجهه . وحين علم نفر من أهالي ذي قار ان احد جيرانهم يعرض بيته للبيع لحاجته الى المال لغرض العلاج من مرض السرطان الذي يواجهه ، واجهوه  بهوسة : ( شلون البيت تبيعه وانت بنص ذي قار) وهم يدخلون عليه بأكياس المال الذي جمعوه له . مواقف كثيرة تثبت ان الفرد العراقي والمجتمع العراقي يمتلك من الهمّة ما يكفي لتغيير الواقع ، لكن المشكلة في غياب الطريقة الأفضل ، فبرغم ما يمر بالناس من ظروف معاشية صعبة وما يشهدونه ويشاهدونه من شبهات الفساد وصفقة القرن ، تجد المواطن العراقي يستخدم عبارات : حبيبي – اغاتي – تاج راسي – عيوني .. اما حالات العنف الأسري والعنف المجتمعي وحالات الطلاق والانتحار والادمان والتجاوز على موظف حكومي في الشارع كما حصل بحق رجل المرور ، او بحق معلم في مدرسة ، او طبيب في مشفى ، فهي شواهد على حجم الضغط النفسي الضخم الذي يتعرض له المواطن ، والذي أخذ ينذر بانفجار عظيم يتوقع له ان يقع في أي وقت . انعكس هذا الوضع السيء على واقع الناس ، فصرنا نسمع عن طبيب بلا إنسانية ، وعن معلم بلا قيم ، وعن معمم بلا مبادئ وعن اكاديمي بلا اخلاق ، وكثرت اخبار الموظفين الفاسدين في مؤسسات الدولة ، وتهدّمت جسور الثقة بين المواطن والحكومة ، ولما ارادت الحكومة تدارك حالها ، اعادت انتاج فشلها بصيغ جديدة تتلاءم مع طبيعة العصر ، فقد تذرعت بالتقنية الرقمية من اجل تنصيب كاميرات مراقبة ذكية في الشوارع لرصد ملايين المخالفات المرورية التي سجلت ريعاً مالياً كبيراً لا يتناسب مع كثرة ( طسات ) الطرق التي تزهق أرواح عشرات العراقيين يومياً . وتذرعت بمواكبة دول العالم ، ففرضت تغيير لوحات ارقام السيارات الى اللغة الإنكليزية ، وهو مشروع جمعت ، ولا تزال تجمع منه مبالغ مالية كبيرة جداً ، في وقت تعاني فيه الطرق وخدمات المرور فقراً واضحاً كشفت عنه ارقام الحوادث وتكاليف تصليح السيارات ، ومضى الحال الى أسوأ من ذلك حين بررت الحكومة خروج المرأة العراقية بسبب ضنك المعيشة وفقدان معيلها ، الى العمل على ( بسطية ) أو ( جمبر ) في الشارع ، بأنه تطور وحرية لم تعهدها المرأة من قبل إذ صار بمقدورها ان تعمل في الشارع دون ان يتعرض لها أحد بأذى أو مضايقة !!! . وتوسعت منطقة التلوث لتصيب الثقافة حين ظهر المسؤول الفاشل والفاسد مؤلفاً وكاتباً ، وحين صارت ( الدولمة ) و ( السيلفي ) و ( أغاني الطشة ) علامات بارزة في شارع الثقافة ( شارع المتنبي) ، ويأتي اليوم مشروع ( الخدمة الإلزامية ) كلمة حق يراد بها باطل من اجل تشتيت همم الناس وتمرير الوقت عليهم . انها سياسة الترقيع التي لا تملك حكومة الفاشلين غيرها في زمن التفاهة ، لكن المجتمع لا يزال يمتلك القوة الأكبر والأكثر فاعلية ، فهي وان كانت كامنة لحد الآن ، الا انها تظل فاعلة وسيأتي الفعل الحكومي الذي يقابله رد فعل جماهيري يقضي على الفساد والفشل فتتعافى مفاصل الدولة مما ابتليت به لاكثر من عقدين من السنين . كنت قد اقترحت من بين الاقتراحات التي تشغل كثير من المثقفين والمفكرين لإنقاذ البلاد مما هي فيه ، ان يصار الى فصل الثقافة عن سياسة الدولة ، بحيث تغدو وزارة الثقافة وزارة مستقلة مثلها مثل القضاء ومثل مفوضية الانتخابات ، وهو باعتقادي بداية يمكن تحقيقها ، خصوصاً وان وزارة الثقافة ليست وزارة ذات ريع مالي كبير يسيل له لعاب السلطة ، لذا يمكنها ان تعطي الشعب الوزارة بتعديل دستوري يجعل منها وزارة معنية بتمكين المجتمع ثقافياً ، يحتاج الامر الى ضغط الشارع ، فلعلنا نتمكن بذلك من حماية البنيان الاجتماعي من التداعي الذي يتهدّده اليوم ، فمن خلال هذا المشروع وبوجود كفاءات وطنية مثقفة واعية نستطيع ان نقوّي شبكة العلاقات الاجتماعية ونعيد بناء التواصل الاجتماعي من اجل قاعدة عمل جماعي يقوم عليها مشروع التغيير الإيجابي الواعي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *