يسعى ترامب إلى تخفيض أسعار النفط، وهذا واضح من خلال شعاره “الحفر، يا صغيري، الحفر” (Drill, Baby, Drill) ورؤيته لتحقيق “الهيمنة الطاقوية الأمريكية”. وهدفه المعلن هو خفض تكاليف الطاقة للمستهلكين الأمريكيين، حيث تعهد بخفض أسعار الطاقة إلى النصف خلال 12 شهرًا من توليه المنصب في ولايته الثانية، التي بدأت في يناير 2025. اذ يرى ترامب أن انخفاض أسعار النفط سيحفز الاقتصاد الأمريكي من خلال تقليل تكاليف المعيشة ودعم الصناعات التي تعتمد على الطاقة، كما يعتقد أن ذلك قد يضغط على دول مثل روسيا وإيران اللتين تعتمدان على إيرادات النفط لتمويل أنشطتهما.
وهنا نتساءل عن تأثير ذلك على شركات النفط الصخري الأمريكي وهي معقدة ويمكن أن يكون مزدوجًا، حيث تجمع بين الفرص والتحديات
- الفرص : اذ ان زيادة الإنتاج تدفع ترامب لتسهيل عمليات الحفر من خلال تقليص التنظيمات البيئية، وفتح المزيد من الأراضي الفيدرالية للتنقيب، وتسريع تصاريح تصدير الغاز الطبيعي المسال. وهذا قد يتيح لشركات النفط الصخري زيادة إنتاجها، ولاسيما في مناطق مثل حوض برميان في تكساس ونيو مكسيكو.
بالإضافة إلى الدعم السياسي الذي تقدمها الشركات الصخرية التي كانت من أبرز داعمي ترامب، فقد تستفيد من مناخ استثماري مواتٍ يشجع على التوسع في البنية التحتية للطاقة.
- التحديات : تكمن في نجاح سياسات ترامب لزيادة العرض الأمريكي من النفط بشكل كبير، مما يؤدي إلى انخفاض الأسعار العالمية للنفط، ولاسيما إذا لم يتماشى الطلب العالمي مع هذا العرض المتزايد.
اذ تعتمد شركات النفط الصخري على أسعار تتراوح بين 40-50 دولارًا للبرميل كحد أدنى لتغطية تكاليف الإنتاج (بما في ذلك التكاليف الكاملة للتطوير)، وان اي انخفاض دون هذا المستوى يجعل العديد من المشاريع غير مربحة .
وفي السنوات الأخيرة، تحولت شركات النفط الصخري نحو الانضباط المالي، مفضلةً توزيع الأرباح على المساهمين بدلاً من التوسع العشوائي في الإنتاج. حتى مع دعم ترامب، فإن هذه الشركات قد لا تستجيب بزيادة كبيرة في الحفر إذا لم تكن الأسعار مرتفعة بما يكفي لضمان عوائد جيدة، خاصة بعد تجارب سابقة مثل انهيار الأسعار في 2014-2016.
كذلك يتطلب النفط الصخري تقنيات مكلفة مثل التكسير الهيدروليكي، وعلى عكس المنتجين التقليديين (مثل السعودية والعراق)، فإن هامش الربحية ضيق. وإذا انخفضت الأسعار إلى مستويات مثل 30 دولارًا للبرميل، فقد تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة صعوبات مالية، بينما قد تتمكن العمالقة مثل إكسون موبيل وشيفرون من الصمود بفضل حجمها وتنوع مواردها.
وبين الفرص والتحديات فان ترامب يواجه معضلة ، فهو يريد أسعار نفط منخفضة للمستهلكين، لكن هذا قد يضر بقطاع النفط الصخري الذي يشكل جزءًا حيويًا من قاعدته السياسية والاقتصادية. في الماضي (مثل عام 2020)، تدخل ترامب للتفاوض مع السعودية وروسيا لخفض إنتاجهما عندما انهارت الأسعار، مما يشير إلى أنه قد لا يسمح بانخفاض مفرط يهدد الشركات الأمريكية. لكن في الوقت الحالي، مع إنتاج الولايات المتحدة عند مستويات قياسية (أكثر من 13 مليون برميل يوميًا)، فإن أي زيادة إضافية قد تؤدي إلى فائض في السوق، ولاسيما إذا لم يرتفع الطلب العالمي (مثل التباطؤ الاقتصادي في الصين).
ما اثر سياسة ترامب على العراق
ان تخفيض أسعار النفط كجزء من سياسة ترامب لزيادة الإنتاج الأمريكي وتحقيق “الهيمنة الطاقوية” سيكون له تأثيرات كبيرة على دول أوبك مثل العراق، وكذلك على إيران، وهي دول تعتمد بشكل كبير على إيرادات النفط لدعم اقتصاداتها.
فالأثر على العراق الذي يعتمد على النفط لنحو 90% من إيراداته الحكومية وأكثر من 50% من ناتجه المحلي الإجمالي ، ومن ثم أي انخفاض في أسعار النفط سيكون كارثيا وخصوصا على بنود الميزانية العامة .
فإذا انخفضت أسعار النفط إلى ما دون 70 دولارًا للبرميل وهو السعر المخطط في الموازنة العامة 2025 فسيواجه العراق عجزًا كبيرًا في الميزانية، مما قد يعيق دفع رواتب الموظفين العموميين (حوالي 7 ملايين شخص) وتمويل المشاريع الاستثمارية للحكومة .
ومن جانب آخر فإن العراق وهو ثاني أكبر منتج في أوبك (نحو 4.5 مليون برميل يوميًا)، قد يضطر لخفض الإنتاج إذا فرضت أوبك حصصًا لدعم الأسعار، بالتالي سيقلل إيراداته أكثر في ظل أسعار منخفضة.
ومن جانب ثالث فان الشركات الدولية (مثل BP وExxon) التي تعمل في حقول النفط العراقية قد تقلص استثماراتها إذا أصبحت الأسعار غير مجدية، مما يؤثر على الطاقة الإنتاجية طويلة الأمد.
بالنتيجة النهائية فالعراق في موقف ضعيف وهش ، اذ يعاني بالفعل من عدم الاستقرار السياسي والبنية التحتية الضعيفة وان انخفاض اسعار النفط يفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية .
علما بان العراق يحتاج إلى نقطة تعادل نحو 120 دولار للبرميل مع تصدير نحو 3.5 يوميا حتى تكون الموازنة العامة متوازنة لعام 2025 والتي من المتوقع ان تبلغ اكثر من 130 مليار دولار وهذا بعيد جدا عن الواقع وبالتالي فان العراق سيشهد عجزا كبيرا لو حدث التخفيض في اسعار النفط وتقليص الانتاج من قبل اوبك والذي سيمول من الدين الداخلي وهذا يفضي إلى تبعات وآثار سلبية على الاقتصاد العراقي .
اما اثر سياسة ترامب على إيران والتي تعتمد على النفط لنحو 40-50% من إيراداتها الحكومية، لكن العقوبات الأمريكية قلصت صادراتها بشكل كبير (من 2.5 مليون برميل يوميًا قبل 2018 إلى أقل من 1 مليون حاليًا، معظمها إلى الصين).
وان ترامب، المعروف بسياسة “الضغط الأقصى” على إيران، قد يرى في انخفاض أسعار النفط أداة لخنق اقتصادها أكثر. فإذا انخفضت الأسعار إلى 30-40 دولارًا للبرميل، فإن إيرادات إيران ستتقلص بشكل كبير، خاصة أنها تبيع النفط بخصومات كبيرة بسبب العقوبات.
وبالمقابل فقد طورت ايران وأصبح اقتصادًا مقاومًا للصدمات الاقتصادية والجيوسياسية ، اذ يعتمد على التجارة غير الرسمية نتيجة العقوبات الاقتصادية ، لكن هذا لن يكون كافيًا لتعويض الخسائر إذا استمر انخفاض الأسعار لفترة طويلة.
ونجد بأن بقاء اسعار النفط مرتفعة نسبيا في حال بقي التصعيد في اليمن وعودة الحرب في غزة
بالنتيجة النهائية فان ايران ستتأثر سلبًا، لكن قدرتها على تحمل الصدمات قد تجعلها تبحث عن حلول غير تقليدية بدلاً من الاستسلام للضغوط.
مما ورد نجد بأن سياسة ترامب قد تكون بمثابة سلاح ذو حدين ، فهي تضعف خصومه الجيوسياسيين (إيران وروسيا) لكنها تضع حلفاء مثل العراق في موقف صعب فضلا عن شركات النفط الصخري الداعمة له ، مما قد يعقد التوازنات في الشرق الأوسط وداخل الولايات المتحدة وعالميًا.


