المقدمة
في إطار طموح إصلاحي، أقرّ مجلس النواب العراقي في حزيران 2023 أول قانون موازنة ثلاثي السنوات (2023–2025)، بقيمة تجاوزت 197 تريليون دينار سنويًا (نفقات تخطيطية) ، مع وعود بترسيخ الاستقرار المالي وتبني نهج التخطيط متوسط الأجل. غير أن واقع التنفيذ كان مغايرًا، إذ لم ترسل وزارة المالية حتى نهاية تموز 2025 الجداول التفصيلية لموازنة العام الثالث (2025) إلى البرلمان، مما تسبب في فراغ مالي وإداري كبير.
وفي ظل ترجيحات واسعة بأن الحكومة القادمة بعد انتخابات خريف 2025 قد لا تتمكن من إعداد موازنة جديدة لعام 2026، فإن الاقتصاد العراقي بات على مشارف أزمة – موازنة مزدوجة – غياب الجداول التشغيلية للعام الجاري، وغياب موازنة أصلية للعام المقبل.
أولًا: الأبعاد القانونية والتشغيلية لعدم إرسال جداول 2025
الخلفية القانونية: نصّ قانون الموازنة الثلاثية (2023–2025) في المادة (2/ثانيًا) على التزام وزارة المالية بتقديم الجداول السنوية التفصيلية في بداية كل عام للمصادقة عليها من قبل البرلمان. وتشمل الجداول (التخصيصات التشغيلية والاستثمارية للوزارات، تنمية الأقاليم، برامج الرعاية، والإنفاق السيادي) . وفي ضوء ذلك نتساءل ما الذي حدث فعليًا؟
- مع نهاية تموز 2025، لم ترسل وزارة المالية أي جداول لموازنة عام 2025.
- رغم وجود قانون نافذ، لا يمكن للوزارات والمحافظات الإنفاق دون جداول معتمدة، ما تسبب في تجميد المشاريع وتأخير الرواتب والاستحقاقات.
ثانيًا: الآثار الاقتصادية المباشرة 2025–2026
1- تجميد الاستثمار العام في أكثر من 80% من المشاريع ، وكما مبينة في الجدول (1) .
| القطاع | عدد المشاريع المجمدة | الكلفة التقديرية (تريليون دينار) | نسبة الإنجاز السابقة |
| التربية والتعليم | 540 مشروعًا | 2.6 | 37% |
| الصحة | 214 مشروعًا | 1.1 | 44% |
| الطرق والجسور | 118 مشروعًا | 1.9 | 22% |
| الماء والصرف الصحي | 267 مشروعًا | 1.4 | 41% |
| الطاقة والكهرباء | 320 مشروعًا | 3.2 | 49% |
المصدر: وزارة التخطيط – تقرير الأداء المرحلي للمشاريع الاستثمارية 2024.
2- تعطّل تمويل المحافظات
- تنمية الأقاليم (بقيمة 4 تريليون دينار سنويًا) لم تُحول منها سوى 28% حتى منتصف تموز 2025.
- محافظات مثل البصرة والنجف وذي قار رفعت مذكرات احتجاج رسمي إلى مجلس الوزراء لغياب التمويل الكافي لتغطية نفقات الخدمات.
ثالثًا: التداعيات السياسية والمؤسسية حتى 2026
1- فقدان أداة السياسة المالية في التوجيه : وتتمثل على وجه التحديد – بغياب الجداول – يعني أن الحكومة تعمل بدون قدرة على تخصيص أولويات، مما يفرغ السياسة المالية من مضمونها ، كذلك توجد مشاريع الشراكة مع القطاع الخاص، أو صناديق التمكين، والتي لا يمكن تنفيذها فعليًا.
2- توقع دخول 2026 بلا موازنة جديدة : ان الانتخابات المقررة في تشرين الأول 2025، وتشكيل الحكومة قد يمتد حتى نيسان 2026 ، بالتالي امكانية اعادة تكرار تجربة 2022 ، حيث دخل العراق عامًا كاملًا بدون موازنة، والإنفاق تم وفق (قاعدة 1/12) الشهرية، مما تسبب بجمود اقتصادي كبير.
وان بذلت الحكومة القادمة جهدها ستكون ملزمة بموازنة سنوية ابتداءً من 2026، لكن ما يحدث الآن من غياب جداول 2025 يعني أن الحكومة الحالية لم تنفذ موازنتها بالكامل، في حين أن الحكومة القادمة قد لا تملك الوقت الكافي لإعداد واحدة جديدة. النتيجة؟ فراغ مزدوج في السياسة المالية للعامين 2025–2026، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ العراق المالي الحديث.
3- تفاقم العجز المالي : وفق أرقام وزارة المالية فان الإيرادات النفطية المتوقعة 2025 ستبلغ (104) ترليون دينار ، وان النفقات المقدرة – بحسب موازنة 2024 – ستبلغ (139) ترليون دينار ، بالتالي سيرتفع العجز الفعلي الى اكثر من (35) ترليون دينار
وبدون جداول وبدون إصلاحات، هذا العجز سيتحول إلى دين داخلي إضافي أو تقليص قسري للإنفاق.
رابعًا: الآثار الاجتماعية والمالية على المواطن وتتوضح من الجدول (2) :
| البند | الأثر المتوقع |
| رواتب الموظفين | تأخير في التمويل خاصة للوزارات غير الممولة ذاتيًا |
| الرعاية الاجتماعية | توقف تسجيل مستفيدين جدد في شبكة الحماية |
| البطاقة التموينية | انقطاع مفردات شهرية في أيار وتموز |
| الكهرباء | تأخير توقيع عقود صيانة وحدات توليدية رئيسية |
| المشاريع السكنية | توقف أكثر من 70 ألف وحدة في بسماية والمحافظات |
خامسًا: توصيات إصلاحية عاجلة
1- إصدار ملحق تمويلي لموازنة 2025 : بمعنى إصدار ملحق قانوني (وفق المادة 61 من الدستور) يحدد توزيع تفصيلي للمخصصات لعام 2025، بدون تعديل أصل قانون الموازنة العامة ، وان الغاية الاساسية تفعيل الإنفاق العام وفق القانون، وتوفير غطاء قانوني للوزارات والمحافظات للمباشرة بالصرف.
2- تشريع قانون طوارئ مالي محدود لعام 2026 : ويكون ذلك في حال عدم تشكيل الحكومة أو عدم تقديم موازنة 2026 في وقتها، يُشرع قانون مؤقت يحدد أولويات الإنفاق من (الرواتب ، والصحة ، والأمن ، والتزامات العقود الدولية.
والسابقة التشريعية لهذا القانون – مع المثالب عليه – هو قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي (2022) ، الذي منع الفراغ المالي ويحافظ على الحد الأدنى من الأداء الاقتصادي
3- ربط تسليم جداول الإقليم بالتزاماته المالية : ونقصد بهذه النقطة ان لا يُصرف أي تمويل إلى إقليم كردستان من الخزينة العامة ما لم يتم تسليم الإيرادات النفطية (بواقع 400 ألف برميل/يوميًا أو ما يعادلها نقدًا) ، مع تسليم الإيرادات غير النفطية (منافذ، ضرائب، الخ).
وتكون آلية التنفيذ: باستخدام نظام المقاصة الشهرية في وزارة المالية بالإضافة الى تدقيق رقابي من ديوان الرقابة المالية الاتحادي.
4- إعادة تفعيل الحساب الختامي للسنوات السابقة : بمعنى إلزام الوزارات والمحافظات بتقديم كشف نهائي بالنفقات الفعلية للسنوات الماضية ، وتبرز اهمية هذه النقطة من توفرها قاعدة بيانات دقيقة تُبنى عليها الموازنات القادمة، ويقلل الهدر في المال العام .
5- إنشاء خلية أزمة مالية انتقالية تكون مهامها :
-
- وضع سيناريوهات الإنفاق في حال غياب موازنة 2026.
- إعداد (موازنة ظل) على غرار دول مثل لبنان أو الأردن.
- التنسيق مع البنك المركزي لتأمين التوازن المالي والنقدي.
الخاتمة
إن غياب جداول 2025 يعكس أزمة في الحوكمة المالية، وليس فقط في أدوات الإدارة. وإذا ما أضيف إليه احتمال غياب موازنة 2026، فإن العراق يواجه خطر توقف وظيفي للسياسة المالية لمدة عامين متتاليين، مما ستكون له آثار عميقة على النمو، الفقر، البنية التحتية، والاستقرار السياسي.


