للشّعر تاريخ مع الحروب، ومنها الحروب العربيّة منذ الجاهليّة إلى حروب الفتوحات الإسلاميّة مرورا بحروب أخرى خاضها العرب: حرب سنة 1948 وحرب العدوان الثّلاثيّ على مصر سنة 1956 وهزيمة 1967 وحرب سنة 1973 وغزو العراق سنة 2003. هذا دون أن ننسى جولات الحروب الّتي خاضها الشّعب الفلسطينيّ ضدّ العدوّ الصّهيونيّ وضدّ الأنظمة العربيّة. ولعلّ خروج المقاومة الفلسطينيّة من بيروت مثّل تحوّلا كبيرا في مسيرة القضيّة الفلسطينيّة، فكانت اتّفاقيّة أوسلو الّتي فتحت باب العودة إلى جزء من الأرض، وبداية تشكّل المقاومة المسلّحة في الدّاخل بشكل أكثر قوّة وصلابة، وما تلاها من حروب مع العدوّ الصّهيونيّ في سبيل تحرير الأرض المغتصبة.
وفي كلّ ذلك، ومنذ ضياع فلسطين، كان الشّعر هو الصّوت الرّافد للمقاومة والمساهم في الحفاظ على الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة، والمحرّض والمحفّز على الفعل إلى حدّ تشكّل أصوات من الشّعراء عرفوا بشعراء المقاومة في فلسطين وجنوب لبنان خاصّة.
ورغم غزارة الشّعر والشّعراء إلّا أنّ شعر المقاومة بقي منه القليل: بقي ما كان شعرا بعيدا عن الخطاب المباشر، ويتوفّر على الشّروط الفنيّة الدّنيا، ومنه ما لحّن فصار بمثابة أناشيد تردّدها الجماهير.
الشّعر انفعال بحدث حين نتحدث عن الحرب، والانفعال غالبا ما يكون حينيّا وعابرا. لذلك غاب شعر انفعاليّ وحينيّ كثير، وبقي ما يستجيب للشّروط الفنيّة. بقي الشّعر الملحميّ ممثّلا في ملحمة ‘مديح الظّلّ العالي’ لمحمود درويش لحظة خروج فصائل المقاومة من بيروت سنة 1980 وقصيدة ‘القصيدة’ لمعين بسيسو، وقصيدة مظفّر النوّاب ‘ عبد اللّه الإرهابيّ’ وغيرها من القصائد الّتي كانت شاهدة على الحرب.
إنّ تاريخ العرب مزدحم بالحروب والمآسي إلى حدّ يجري فيه الحديث عن شعر الحرب، أو شعريّة الحرب في عديد الدّراسات والمدوّنات الشّعريّة العربيّة، ولعلّ أكثرها مدوّنات شعراء العراق وفلسطين وسوريا ولبنان والسّودان. بل إنّ هذه الظّاهرة استشرت لدى شعراء لم تعش بلدانهم الحروب كشعراء بلدان المغرب العربيّ.
لذلك يمكننا إعادة النّظر في بعض التّساؤلات والمسلّمات الّتي تنتقص من وظيفة الشّعر، وهل كان للشّعر دور في الحروب؟ وهل ساهم في التّأريخ للمآسي؟ ثمّ ماذا عن ذلك الشّعر الآخر الّذي يتطرّق إلى الحروب الدّاخليّة الطّاحنة الّتي تهزّ شخصيّة الإنسان العربيّ؟ تلك الحرب الجوّانيّة الّتي يتشاجر فيها الواقع مع الحلم، والوعي مع اللّاوعي، والعقل مع القلب، والفراغ مع الطّموح والامتلاء بالحياة.
أعتقد بأنّ بعض البديهيات والمسلّمات تتطلّب اليوم المراجعة. فلعلّنا نحن العرب نعوّض عن هزائمنا بالشّعر، ونقاوم بالفنّ باعتباره محرّضا على الفعل. ومن قال إنّ الشّعر تقلّص دوره وانحسرت وظيفته؟ هنا يجب الانتباه، على سبيل المثال، إلى ما قاله عالم الاجتماع التّونسي الدّكتور الطّاهر لبيب، وبما معناه، من أنّ السّلطة السّياسيّة عندما تقمع مظاهرة جماهيريّة ضدّها فهي لا تقمع ولا تحاصر المحتجّين أو المتظاهرين، بل هي تسعى إلى قمع الفكرة ومحاصرتها، كأن تكون الفكرة، القائمة على الوعي، هي مطالبة الشّعب بإسقاط النّظام أو الشّعب يريد، وغير ذلك من الأفكار. وعليه فإنّ للشّعر والفنّ دور كبير في استنهاض الجماهير وتلقينها وتوعيتها وتحريضها على الفعل. ولا شكّ أنّ قصيدة إرادة الحياة لأبي القاسم الشّابيّ كان لمطلعها ترديدا جماهيريّا واسعا لحظة الانتفاضات الشّعبيّة والثّورات ضدّ أنظمة الحكم. كما نتذكّر ما قام به الكيان الصّهيونيّ خلال غزو بيروت سنة 1980 حين أقدم على الاستيلاء على مكتبة مركز الدّراسات والبحوث الفلسطينيّة وتهريب جميع محتوياته. ففي ذلك دلالة واضحة على أنّ الصّراع مع العدوّ يقوم على فكرة، وفي معظم التّاريخ فإنّ الصّراع بين النّاس كان قائما إمّا على الثّروة وإمّا على الفكرة. وتبعا لذلك فإنّ الثّقافة عامّة والفنون والأدب ومنه الشّعر له وظيفة لا تقلّ أهميّة عن حمل السّلاح. ذلك أنّ وراء كلّ سلاح مقاومة ووعي وفكر وقضيّة وعشق وشعر.