Search
Close this search box.

العرب والتّطبيع

العرب والتّطبيع
التّطبيع في ظاهره نهج سياسيّ وممارسة وانخراط جزئيّ أو كليّ في المشروع الصّهيونيّ- الأمريكيّ.....

التّطبيع في ظاهره نهج سياسيّ وممارسة وانخراط جزئيّ أو كليّ في المشروع الصّهيونيّ- الأمريكيّ. وفي باطنه استهلاك للمعارف والتّكنولوجيا ووسائل التّواصل واندماج عضويّ في النّظام الرّأسماليّ العالميّ الّذي تسيطر عليه الدّوائر الاستعماريّة والحركة الصّهيونيّة.

وعلى هذا الأساس نجد دولا ومؤسّسات وأفرادا منخرطين في التّطبيع الّذي يعني في نهاية التّحليل التّخلّي عن حركات التّحرّر الوطنيّ في العالم، وعن الشّعوب الّتي مازالت تخضع للاستعمار المباشر خاصّة، ومنها الشّعب الفلسطينيّ. ما يعني أيضا معاداة الحريّة والحقّ في تقرير المصير وحقوق الإنسان والانفلات من التّبعيّة. ولعلّ الأخطر هو التّطبيع الثّقافيّ الّذي كان مدخلا للتّطبيع السّياسيّ والاقتصاديّ مع الكيان الصّهيونيّ وحليفته الإستراتيجيّة الولايات المتّحدة الأمريكيّة. وعليه سارت دول ومؤسّسات وأفراد من منطلق البحث عن التّعايش والسّلام المزعوم وصفقة القرن وما إلى ذلك.

هذا ما يطفو على السّطح. غير أنّ التّطبيع له أرضيّة تتمثّل في تشكّل شرائح من البرجوازيّة الطّفيليّة الرّيعيّة في العالم العربيّ كان لها دور الانخراط في هذا المشروع وجرّ شرائح اجتماعيّة أخرى وراءها حتّى أصبحت القضيّة الفلسطينيّة مجرّد هامش بعد أن كانت القضيّة المركزيّة للعرب إبّان حكم بعض الأنظمة الوطنيّة. وهكذا سارت المجتمعات والدّول على نهج استهلاك ما تنتجه الصّهيونيّة، المنضوية في الحلف الامبرياليّ العالميّ، من تكنولوجيا وسلع ومعارف ومواقع إلكترونيّة ووسائل تواصل اجتماعيّ. وهنا قد يجرّنا الحديث إلى مسألة الإعلام الّذي يقود الرّأي العامّ العالميّ ويوجّهه باتّجاه إبراز السّرديّة الصّهيونيّة المتمثّلة حقّ الكيان الغاصب لفلسطين في الوجود التّاريخيّ على الأرض والدّفاع عن نفسه في وجه المقاومة الفلسطينيّة. ولنا أمثلة عديدة منها وسائل التّواصل والمواقع الّتي تستهلكها الشّعوب العربيّة كالفيسبوك وتويتر وقوقل وغير ذلك. فهذه الوسائل والمواقع الّتي تروّج الأفكار والصّورة، وتستثمر في استغلال المعطيات ورصد أحوال النّاس والمجتمعات ومعرفة توجّهاتهم هي في الحقيقة وسائل تسيطر عليها الحركة الصّهيونيّة ومن خلالها تروّج سرديّتها وأساطيرها.

ثمّ لا ننسى أنّ شرائح البرجوازيّات الطّفيليّة الحاكمة في الوطن العربيّ تنخرط مباشرة في نهج التّطبيع بحكم ارتباط مصالحها ووجودها بالنّظام الرّأسماليّ وبطغمته الماليّة العالميّة. فهي عبارة عن عضو في جسد واحد، وهي محميّة عسكريّا ومدعومة سياسيّا وإعلاميّا.

أمّا عن التّطبيع الثّقافيّ فقد مهّدت له الصّهيونيّة، كجزء من الامبرياليّة العالميّة، بخلق مؤسّسات ودعم جمعيّات ومواقع إلكترونيّة، واستقطاب أفراد ورموز لحظيرتها. كما وفّرت له من خلال توابعها في العالم العربيّ المسابقات والجوائز. فتشّكل جمهور عربيّ من المبدعين والأكاديميّين والمثقّفين والمدافعين عن حقوق الإنسان والحريّات، وما يسمّى بالقيم الكونيّة لاهثا وراء جوائز البترودولار والأورو وجوائز الشّيوخ والبوكر ونوبل وغيرها إلى حدّ صرنا نرى فيه كتّابا ينبشون في ماضي شعوبنا وتاريخها بحثا عن هويّات الأقليّات ومنها الأقليّة اليهوديّة، وآخرين يتطرّقون إلى ظواهر الشّذوذ القيميّ في دفاع مستميت عنها بدعوى التنوّع والحقّ في الوجود والتّفكير والتّعبير. هكذا صارت الجوائز تلك توجّه الإبداع الأدبيّ والفنيّ لتستقطب فئات من المثّقفين إلى نهج التّطبيع المستتر. وهكذا أيضا نشأت مؤسّسات تابعة لتلك الدّول ومموّلة منها تحت شعار دعم الثّقافة ونشرها. وإليها هرول الشّعراء والرّوائيّون والقصّاصون والفنّانون والإعلاميّون ميلا إلى نيل شهرة زائفة وفتات من المال.

كما عملت الرّأسماليّة العالميّة وحلفاؤها في الأقطار العربيّة على نشر الفضاءات التّجاريّة والشّركات المتعدّدة الجنسيّات لترويج منتجاتها الّتي تستفيد منها الحركة الصّهيونيّة بالدّرجة الأولى وأثرياؤها.

لم يكن التّطبيع مجرّد ظاهرة تطفو على السّطح، ولم يكن هامشا بالإمكان تطويقه ومحاصرته، بل صار واقعا له أنصاره في الوطن العربيّ، وله المدافعون عنه والدّاعمون له.

ولقد مضى المشروع إلى حدّ بعيد على المستوى الاقتصاديّ ومنه الاستهلاكيّ خاصّة. غير أنّ انتشاره على الصّعيد الثّقافيّ لم يكن شاملا وعامّا. والأخطر هنا هو التّطبيع الثّقافيّ الّذي يضحى فيه الإنسان العربيّ مجرّدا من خصوصيته وقيمه وثقافته، ودفاعه عن الحقّ وعن حركات التّحرّر ومنها حركة التّحرّر الوطنيّ الفلسطينيّ في صراعها مع الكيان الصّهيونيّ الاستعماريّ، والّتي يقدّمها البعض، بدوافع إيديولوجيّة، على أنّها حرب دينيّة، أو لغرض تحويلها من عنوان التّحرّر إلى عنوان الدّفاع عن الدّين والمقدّسات.

وخلاصة القول: سيتحرّر العرب من التّطبيع عندما يتحرّرون اجتماعيّا وينشأون اقتصادهم الوطنيّ المستقلّ ووسائطهم الرّقميّة، ويسيطرون على ثرواتهم، وعندما يصبحون منتجين لاكتفائهم الغذائيّ وللتّقنيّات والقيم والمعارف، ويحقّقون أنظمتهم السّياسيّة القائمة على العدالة والديمقراطيّة السّياسيّة والاجتماعيّة. وستبقى الثّقافة هي الجدار الأخير الّذي نحتمي به من آفة التّطبيع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *