لقد اكتُشف النفط منذ القدم، ويعود تأريخ استخدامه أول مرة لأكثر من ألفي وخمسمائة عام حين استخدمه البابليون في بلاد ما بين النهرين كمواد مانعة للتسرب في البناء وصناعة السفن ومواد لاصقة تُثبّت مقابض الأسلحة والاستخدامات الطبية، لكن تقنين العمل فيه وتطوير صناعته ومأسسته إدارياً يعود إلى العصر العباسي الأول. لهذا نجد المسلمين هم أول من استثمر النفط بصورة تجارية وجعلوا له قوانين ووزارة خاصة في حدود سنة ٨٣٠ ميلادية، ومقرها بغداد، في نهاية خلافة المأمون وبداية حكم المعتصم بالله ووزيره الفضل بن مروان، أي قبل أكثر من ألف عام من اكتشاف النفط في “بيبي هيبت” قرب العاصمة باكو في أذربيجان عام ١٨٤٦م، ورومانيا وكذلك ولاية بنسلفينيا في الولايات المتحدة الأمريكية سنة ١٨٥٩م. نظراً لانتشار “القيارات” و”النفاطات” في العصر العباسي الأول وتوسع دائرة الاستثمار في مجال النفط، قام الخليفة المعتصم بالله بتعيين “والي” للنفاطات لتنظيم أمرها والإشراف عليها، كانت وظيفته بمثابة وزير النفط في عصرنا الحالي، لكن دون التزامات تجاه “منظمة أوبك” أو ضوابط بيع النفط بـ “الدولار”، وكان يُنظر لهذه المهنة من عامة الناس بعين السخرية بسبب طبيعة بيئة العمل المتسمة بالسواد وسرعة الاتساخ.
تزخر معاجم اللغة العربية بالعديد من الكلمات التي استخدمت في الأمثال والشعر كالنفط والقار والقطران والكُحَيل، ومن طريف ما وَرد شعراً في “ربيع الأبرار” للزمخشري، كما ذكرها البيهقي في “المحاسن والمساوئ” تحت باب “مساوئ الولايات”، كتب عبد الصمد بن المعذّل إلى صديق له وُليَ النفّاطات، في عهد المعتصم، فأظهر تيهاً وتجبراً: لعَمري لقد أظهرت تيهاً كأنما تولّيت للفضل بن مروان مِنبرا وما كنت أخشى لو وليت مكانةً عليَّ أبا العباس أنْ تتغيّرا بحفظ عيون النفط أحدثت نخوة فكيف به لو كان مِسكاً وعنبرا دع الكِبرَ واستبق التواضع إنه قبيح بوالي النفطِ أنْ يتكبرا وجدير بالذكر بعد مضي ألف ونيف عام، عادت بغداد إلى الواجهة في صناعة النفط حين انبثقت منظمة أوبك منها في العام ١٩٦٠، حين اجتمع فيها وزراء الدول المنتجة والمصدرة للنفط الخام لتبدأ حكاية أخرى، ترسم لنا عالماً جديداً ومُختلفاً عن سابقه، حيث معترك المال والسياسة والاقتصاد وأمن الطاقة والتطور العلمي والتكبر العالمي. اللوحة المرفقة لرائد فن التشكيل العراقي فائق حسن في ذكرى تأميم النفط، أختم بها كمشهد بألف كلمة، يروي لنا بقية الحكاية في لعنة النفط.