Search
Close this search box.

الفن بين المجد والضياع.. هل حان وقت التصحيح؟!

الفن بين المجد والضياع.. هل حان وقت التصحيح؟!
كان الفن العراقي يوماً رمزاً للرقي، وصوتاً يعكس نبض المجتمع وأحلامه، وكان الفنانون سفراءً للجمال والإبداع، يتركون أثراً خالداً في وجدان الأجيال

كان الفن العراقي يوماً رمزاً للرقي، وصوتاً يعكس نبض المجتمع وأحلامه، وكان الفنانون سفراءً للجمال والإبداع، يتركون أثراً خالداً في وجدان الأجيال. لكن، كيف تبدّلت الصورة؟ وكيف أصبح الخبر الزائف أكثر حضوراً من العمل الإبداعي؟

الفن بين الأمس واليوم.. أين اختفى البريق؟

في زمنٍ مضى، كانت الدراما تُقدَّم بجرعة واحدة كل عام، لكنها كانت تنبض بالالتزام وتحمل رسالة، وكانت السينما تصنع أفلاماً تبقى في الذاكرة، والمسرح يشكّل مدرسة حقيقية للإبداع. أما اليوم، فقد أصبحت الأضواء تلاحق الفنان لا بسبب موهبته، بل بسبب شائعات الزواج والطلاق، وكأن الفن لم يعد رسالة، بل مجرد وسيلة للوصول إلى العناوين العريضة!

المنافسة لم تعد في جودة الأداء أو أصالة الفكرة، بل في عمليات التجميل التي جعلت الوجوه متشابهة، فغابت الشخصية الفنية الفريدة، وحلّت محلها صور مستنسخة بلا روح. أما القنوات والمهرجانات، فتحوّلت من منصّات تقييم وإبداع إلى ساحات استعراض، تُقاس فيها النجومية بمدى الجاذبية، لا بمدى التأثير.

حينما يصبح الفن أداة للسلطة.. انهيار الذائقة!

على مرّ التاريخ، شهدنا حروباً ودكتاتوريات سعت إلى تسخير الفن لخدمة السلطة، فاختنقت روح الإبداع، وذبلت أذواق الناس، وتراجعت القيم الجمالية والأخلاقية. وحين يصبح الطاغية القروي، شبه الأمي، نموذجاً يُحتذى، فإن انحطاط الذوق العام ليس إلا تحصيل حاصل.

في حقب القمع، كما في زمن صدام، برزت ظواهر فنية لم تكن إلا انعكاساً لواقع مأزوم، حيث وجدت بعض الفرق الفنية هامشًا ضيقًا للحضور، لكن في سياق أفرغ الفن من جوهره، ليصبح مجرد أداة للترفيه أو الدعاية.

هل يمكن للفن أن ينهض من جديد؟

إننا بحاجة إلى نهضة فنية تعيد الهيبة لهذا الإرث العريق، بحاجة إلى فنانين يدركون أن قيمتهم الحقيقية لا تُصنع في عناوين الأخبار، بل في جودة ما يقدّمونه للناس. الفنان العراقي ليس مجرد اسم عابر، بل ثروة وطنية تستحق الاحترام والرعاية، ودور الدولة والمجتمع هو الحفاظ على مكانته، وحمايته من هذا الانجراف.

الفن رسالة، والإبداع التزام، وحين يدرك الفنانون ذلك، سيعود للفن بريقه، وللموهبة سلطانها! كان الإغريق يعتبرون الفن جزءاً أساسياً من الحضارة والسمو الفكري:

أرسطو: اعتبر الفن وسيلة لتنقية النفس عبر “التطهير” (Catharsis)، خاصة في المسرح والتراجيديا.

سقراط: كان يرى أن الإبداع الفني يمكن أن يعكس الحقيقة والجمال، لكنه يجب أن يكون مصحوباً بالحكمة والمعرفة.

الوعي.. مفتاح النهضة الفنية

لا يمكن للفن أن يرتقي إلا حين تمتلك الحضارة ناصيتها، فالإبداع لا يزدهر في الفراغ، بل يحتاج إلى بيئة واعية تحتضنه وتسمو به. الفن الحقيقي لا ينهض إلا بنهوض الوعي، والتذوق الجمالي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بارتفاع مستوى التعليم. فكلما توسعت آفاق الإنسان، ارتقى إحساسه بالفن وتحرر من الابتذال.

ولا يمكن للمجتمع أن ينهض فنياً أو ثقافياً دون ثورة في الوعي، وهذه الثورة لا تتحقق إلا حين تتحقق للإنسان شروط العيش الكريم:

_ اكتفاءٌ في حاجاته الأساسية

_ تعليم راقٍ

_ خدمات صحية تحفظ كرامته

فحيثما وُجد الوعي، وُجد الإبداع، وحيثما ساد القمع والجهل، تلاشى الفن في زوايا النسيان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *