أحمد الجلبي .. زعيم وطني لم تنصفه السياسة في بلده

أحمد الجلبي .. زعيم وطني لم تنصفه السياسة في بلده
احمد الجلبي لم يكن شخصاً عادياً ، أو سياسياً تقليدياً ، بل شخصاً يتوقد ذكاءاً ، ويتحدث بمنطق قادر على إقناع الآخر ، حتى لو كان سيناتوراً أمريكياً  أو عضو في الكونغرس..

أحمد الجلبي (١٩٤٤-٢٠١٥) سياسي عراقي قدير ، من عائلة سياسية وتجارية عريقة ،  دكتوراه في الرياضيات من أرقى الجامعات الأمريكية ، عقلية مصرفية ، أدار مشاريع مالية ناجحة . عارض النظام البعثي بكل شراسة ، وسعى إلى إسقاطه ، مستفيداً من علاقاته مع واشنطن. كان من الشجاعة بحيث أنه قضى عدة سنوات (١٩٩٢-١٩٩٦) في جبال كردستان يخطط ويعبئ لتحقيق هدفه لرفع كابوس البعث عن صدر العراق وشعبه.

الأسرة والنشأة

آل الچلبي، من بيوتات بغداد العريقة، التي تنحدر أصولها، من قبيلة طئ العربية الشهيرة. ومصطلح (جلبي) مشتق من مفردة (جَلَبَ) التركية وتلفظ مثل الـ (CH) بالإنجليزية. وتعني المفردة (الرب). وعندما يضاف حرف (الياء) تدل على: (من هو على علاقة بالله أو قريب منه) ، ولكنها صارت  تعني (رجل نبيل الأصل). وتستعمل أيضاً بصفتها لقب شرف أو تبجيل ، يُخصّ بها التجار الذين إن لم يكونوا أثرياء ، فإنهم من أصحاب المنزلة الاجتماعية العالية. وهذا اللقب من بقايا العهد العثماني ، ولكنه ظل سائداً حتى العام ١٩٥٨ . وكان له بريق عند كبار تجار العراق، وأصبح فيما بعد نسبة لبعض العائلات في الوطن العربي.

في بغداد ، كان أثرياء الچلبيين يقبلون عند (السادة) الملّاك على أساس المساواة فيما بينهم ، وكانت زيجات كثيرة تتم بين هاتين الطبقتين. وهكذا ، فقد وحّد رابط الزواج بين (سادة) الكيلاني والدلة الچلبي ، وبين (سادة) الآلوسي وشاهبندر الچلبي ، و(سادة) الحيدري وكبة چلبي.

وكان الچلبية في جزيرة ابن عمر شمال الموصل، ثم جاءت إلى بغداد مع السلطان سليمان القانوني عند زحفه عليها لاحتلالها عام ١٥٣٤ ، فأقطعهم بعض الأراضي ، وتوطن فريق منهم الكاظمية في اواخر القرن الحادي عشر الهجري / السابع عشر الميلادي. ومنهم حكام الكاظمية القدماء الذين ورثوا من آبائهم الرئاسة والحكم والأمر حتى سنة ١٨٦٥ . والى نسبهم تنتهي انساب بيت الچلبي وبيت حجيجي وبيت الحجية وبيت الحاج صالح وبيت علي الچلبي وبيت كوش وبيت المعمار وبيت ليلو.

وتحولت العائلة إلى المذهب الشيعي في القرن الثامن عشر، حينما تحول عدد كبير من السنة واختاروا التشيع من أجل الحصول على منفذ لمصادر المياه التي تحكم بها رجال الدين الشيعة.

أنجبت الأسرة العديد من الزعماء العراقيين منذ عام1637 وحتى عصرنا الحاضر. فقد كانوا حكام العاصمة ومستقرهم الأساس في منطقتي (الكاظمية) و(بلد). ويرتبط آل الچلبي بعلاقات عميقة مع العشائر العربية العراقية والسورية وعشائر شبه الجزيرة العربية. اشتهر به عدد من الأعيان والصوفية منهم:

١-حسام الدين الجلبي ، وهو صوفي خليفة جلال الدين الرومي ، مؤسس الطريقة المولوية.

٢- موسى جلبي ثاني أبناء السلطان العثماني بايزيد

٣- محمد الجلبي وهو لقب السلطان محمد الأول الابن الخامس للسلطان بايزيد ، وأخو موسى الجلبي.

٤- علي جلبي أحد أبرز رجال البحر العثمانيين.

٥- كاتب جلبي ، لقب المؤرخ العثماني الشهير باسم حاجي خليفة مؤلف كتاب (كشف الظنون) والمتوفى عام ١٦٥٦ م.

٦- عاصم جلبي زاده مؤرخ عثماني ، اسمه الحقيقي إسماعيل بن كوجك جلبي ، تولى مشيخة الإسلام في الدولة العثمانية ، وتوفي عام ١٧٥٨ م.

رئاسة بلدية الكاظمية

كان جد الأسرة كاظم الجلبي أول من ترأس بلدية الكاظمية بعد تأسيسها عام ١٨٧٠. وكاظم الجلبي هو جد عبد الحسين الجلبي. وقد تأسست أول بلدية في ولاية بغداد عام ١٨٦٩ ، في بداية الأمر تولى رئاسة البلدية إبراهيم أفندي الدفتري . وفي عام ١٨٧٠ صدر نظام إدارة الولايات العمومي الذي شكلت إثره مجالس بلدية في كل مدينة أو قصبة. وكان سنجق بغداد (لواء) يتكون من ستة أقضية ، وقضاء الكاظمية أحدها.

وكان اسمه الحاج كاظم جلبي الكاظمي ، ويلقب (الحجيجي) لأنه حج في أبان صباه ، فدعي كذلك تصغيراً لكلمة (الحاج). ثم تولى (نظام التزام الكاظمية) ركاب الحاج درويش الجلبي عام ١٧٣٧ م ، وبعده ابنه عبد الرضا جلبي في عام ١٧٦٢ ، ومن ثم ابنه محمد علي جلبي ، وبعد ذلك أخوه محمد صالح جلبي ، ومن ثم ابن عمه عبد الوهاب جلبي وكان سيء السيرة ، شديد الوطأة ، وقد ضُرب المثل في الكاظمية لقسوته ، وعنده حراس شخصيون من العبيد المسلحين ، وسجن خاص به. وعندما مات تنفس أهالي الكاظمية الصعداء ، وبموته خرجت حاكمية المدينة من يد هذه الأسرة ومن يد الكاظميين.

عندما أنشأ الوالي مدحت باشا (١٨٢٢- ١٨٨٤) خط الترمواي Tramway ويتألف من عربات تسير على سكة حديد وتجرها الخيول بين الكاظمية وبغداد. ولم يكن المشروع ناجحاً من الناحية المالية بالنسبة للدولة العثمانية ، لذا شجع مدحت باشا تشكيل شركة أهلية لإدارته ، تتكون ماليتها من ستة آلاف سهم ، بيع معظمها بسرعة ، لأن مدحت باشا تولى تشجيعها وتصريفها بنفسها. وكانت قيمة الحصة الواحدة (السهم) مائتين وخمسين قرشاً. وقد طلب مدحت باشا من الحاج عبد الهادي الاسترابادي ، وهو من أبرز وجوه الكاظمية وتجارها في تلك الأيام ، أن يبدأ بتشكيل هذه الشركة ، ففعل ذلك بالاشتراك مع علي الجلبي والد عبد الحسين الجلبي ، على أن عبد الهادي الاسترابادي انسحب بعد ذلك من الشركة ، لتبقى تحت سيطرة علي الجلبي . وقد نجحت نجاحاً منقطع النظير ، واستمرت في عملها تحت رئاسة عبد الحسين الجلبي حتى تضاءل شأنها بشيوع استعمال السيارات.

ومع أن آل الجلبي لم يعد لديهم دور في الحكم، لكنهم استمروا بالثراء والازدهار. واستطاع جد الجلبي وهو عبد الحسين في أعقاب خسارة ثورة 1920 أن يلعب دورا معتدلا ويشارك بالحكومة ويكون مقبولا عند الشيعة.

عبد الحسين الجلبي

توفي الحاج علي الجلبي وعمر عبد الحسين الجلبي ثمانية عشرة سنة ، فحلّ محله في رئاسة العائلة وإدارة أملاكها ، وفي عهده ازداد ثراء الأسرة ، وأصبح من كبار وجهاء الكاظمية وأوسعهم شهرة. وكان بيته بمثابة المنتدى لجمع كبير من مختلف الطبقات من التجار والأدباء. وكان مجلسه في حديقة منزله المطل على نهر دجلة ، عامراً كل يوم بالعشرات من الناس على اختلا طبقاتهم ، ومن أصدقاء ومن طالبي المعونة . وكان ابنه عبد الهادي لولب ذلك المجلس.

شغل عبد الحسين الجلبي (١٨٧٧- ١٩٣٩) عضوية مجلس إدارة بغداد في العهد العثماني . كما شغل عدة مناصب في العهد الملكي آنذاك. فقد شغل منصب وزير المعارف لثمان مرات ، الأولى في حكومة عبد المحسن السعدون في ٢٠ تشرين الثاني ١٩٢٢ ، والثانية عام ١٩٢٥ ، والثالثة عام ١٩٢٥ أيضاً ، والرابعة عام ١٩٢٩ ، الخامسة عام ١٩٢٩ أيضاً ، والسادسة عام ١٩٣٠ ، والسابعة عام ١٩٣١ ، والثامنة عام ١٩٣٥. كما شغل منصب وزير الزراعة في حكومة جعفر العسكري في ٦ آب ١٩٢٧ ،

إصلاح وزارة المعارف

اهتم عبد الحسين الجلبي بإصلاح الوزارة ، وأهمية إدارتها من قبل عراقيين. ففي ٩ كانون الأول ١٩٢٢ أقنع الملك فيصل الأول بأن منصب معاون وزير المعارف الذي كان يشغله السوري ساطع الحصري (١٨٨٠-١٩٦٨) هو حلقة زائدة ، وتم إلغاء المنصب بحجة الاقتصاد في النفقات. ولكن مع ذلك استحدثت وظيفة جديدة وهي (مدير المعارف العام) ، وأسندت لساطع الحصري. كما قام عبد الحسين الجلبي بتحويل بعض مديري المعارف إلى مفتشين ، وألغى وظيفة (رئيس الملاحظين) ، والاستغناء عن خدمات الموظف البريطاني (ويليامسن). وفي ١٩ أيلول ١٩٢٣ استحدث وظيفة (رئيس ديوان الوزارة) ، أنيطت بها مهام وظيفة سكرتير وزير المعارف ، والتي ألغيت بعد سنة من استحداثها.

عندما تولى الجلبي وزارة المعارف للمرة الثاني في ٢ آب ١٩٢٤ قام باستحداث (مديرية معارف كركوك) لتشمل ألوية كركوك وأربيل والسليمانية ، حيث أصبح العراق مقسماً إلى خمس مناطق تعليمية.

وعندما تولى الوزارة في عام ١٩٢٥ ألغى الجلبي (مديرية منطقة معارف الفراتين) ، وألحق دوائرها بـ(مديرية معارف بغداد) ، وبذلك أعاد مناطق معارف بغداد إلى أربع بدلاً من خمس.

وقرر الجلبي تشكيل لجنة علمية متخصصة عرفت باسم (لجنة الاصطلاحات العلمية) ، وحُددّت ضوابط تشكيلها ومهامها ، وأناط رئاستها بمفتش اللغة العربية الشاعر معروف الرصافي وعضوية الأب أنستاس ماري الكرملي.

وكان الوزير الجلبي يطالب المفتشين برفع تقاريرهم عن  مناطقهم إلى الوزارة ، وإبداء الآراء بشأنها. وعندما استلم الوزارة في حكومة نوري السعيد الأولى في ٢٣ آذار ١٩٣٠ ، قرر عبد الحسين الجلبي إعادة وظيفة رئيس الديوان واستحداث وظيفتين ترتبطان معها هما وظيفة مترجم وظيفته ترجمة الكتب الواردة لمكتب الوزير من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية ، ووظيفة كاتب تحرير يقوم بطباعة الأوامر والقرارات الصادرة من مكتب الوزير عبر ديوان الرئاسة.

 

لجنة مونرو لإصلاح التعليم

بعد مطالبة اللجنة المالية في مجلس النواب باستقدام لجنة من الخبراء الأجانب و لوضع خطة ملائمة تعمل وزارة المعارف على تنفيذها لتحقيق الأهداف المطلوبة ، وطالبت بإسناد منصب مدير المعارف العام إلى شخصية عراقية. إثر ذلك أرسل وزير المعارف عبد الحسين الجلبي كتاباً إلى مجلس الوزراء ، طلب فيه موافقة المجلس على استقدام لجنة الخبراء الأجانب. وقد وافق مجلس الوزراء على الطلب ، وخوّل الوزير اختيار أعضاء اللجنة وتعيين عددها. في ٨ حزيران ١٩٣٢ أرسلت الوزارة برقية إلى المربي الأمريكي الشهير بول مونرو (١٨٦٩- ١٩٤٧) Paul Monroe  في كلية المعلمين بجامعة كولومبيا الأمريكية تدعوه لرئاسة (لجنة الكشف التهذيبي) المؤلفة من أربعة أشخاص ، على أن يكون أحدهم مختصاً بالاقتصاد. وقد سبق لمونرو أن ترأس بعثة من المدرسين من المعهد الدولي للتعليم لزيارة العراق عام ١٩٣٢ ، وقدم تقريره ونتائج زيارته إلي الحكومة العراقية ، وكان يرافقه طالب الدكتوراه محمد فاضل الجمالي ( ١٩٠٣- ١٩٩٧) من جامعة كولومبيا.

وصلت اللجنة إلي بغداد في ٦ شباط ١٩٣٣ ، وعقدت اجتماعات مع كبار موظفي الوزارة وعدد من مديري المدارس ، وأنهت أعمالها في آذار ١٩٣٣ ، وكتبت تقريراً مفصلاً عن جولتها سمي بـ (تقرير لجنة الكشف التهذيبي) ، تضمّن تسعة فصول ، مع التشديد على ضرورة أن تضمّ الوزارة التشكيلات الآتية: الإدارة ، شعبة الأبحاث الفنية ، المجلس الاستشاري ، إدارة السجلات ، الإرشاد العام ، مالية المعارف ، دائرة البحث والمسائل التعليمية الصرفة.

كان تقرير اللجنة شاملاً لكل عمل الوزارة ، لكنه عكس الاتجاهات الفكرية لرجال الاستعمار ، فوجهت له انتقادات كبيرة ، في حين أيدته جريدة الأهالي التي يصدرها كامل الجادرجي ، كما أيده مدير المعارف سامي شوكت في إحدى جلسات مجلس النواب. إثر ذلك قررت الوزارة عدم الأخذ به بصورة رسمية ، ولكنها مع ذلك ، أسست دوائر شبيهة بتلك التي اقترحها التقرير.

 

بناء المدارس والبعثات واللغة الكردية

دخل عبد الحسين الجلبي في حكومة علي جودت الأيوبي (١٨٨٦-١٩٦٩) التي شكّلها في ٢٧ آب ١٩٣٢ ، واحتفظ بمنصب وزير المعارف في حكومة جميل المدفعي (١٨٩٠-١٩٥٨) الثالثة التي شكلها في ٤ آذار ١٩٣٥ ، ولم تستمر سوى أحد عشر يوماً. ومن أهم إنجازات الجلبي في هاتين الحكومتين صدور قانون المعارف الجديد ، الذي نصّ على زيادة رواتب المعلمين. كما شرعت الوزارة ببناء (٨٢) مدرسة ابتدائية . وقامت الوزارة بتأليف لجنة وزارة لوضع خطة عمل أو منهاج للمعارف ، لمدة ستة سنوات لدراسة أوضاع وزارة المعارف وحاجة البلاد إلى فتح مدارس ابتدائية ، ودراسة أحوال المدارس الصناعة والزراعية ، ودراسة واقع المدارس الأهلية . وقد تم تأليف اللجنة من وزراء المالية والخارجية والاقتصاد والمواصلات والمعارف.

وفي عهد الوزير عبد الحسين الجلبي انعقد المؤتمر التربوي في بغداد من ٩- ١٥ نيسان ١٩٣٢ ، برعاية الملك فيصل الأول. وقد ظهر في هذا المؤتمر سيطرة خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت.

وفي عهد الجلبي فتحت (كلية بغداد) الثانوية برعاية الجمعية العلمية – الأمريكية . وقد أصبحت بعد ذلك من الصروح العلمية البارزة ، وأنجبت نخبة من العلماء والساسة العراقيين.

ومن الأمور التي اهتمت بها وزارة المعارف في عهد عبد الحسين الجلبي مسألة اللغة الكردية واستخدامها في المناطق الشمالية. فقد أصدرت الوزارة بياناً في ١٠ نيسان ١٩٣٠ أعلنت فيه إعداد لائحة قانونية تُعرض على مجلس النواب لجعل اللغة الكردية لغة رسمية في الألوية الشمالية.

كما اهتمت الوزارة كثيراً بالبعثات الدراسية ، إذ أرسلت خلال الأعوام ١٩٢٣ ، ١٩٢٥ ، ١٩٢٦ ، ١٩٣١ ، ١٩٣٢ العديد من الطلبة إلى مختلف بلدان العالم.

 

دور عبد الحسين الجلبي في المشاريع العامة

عندما أصبح الجلبي وزيراً للأشغال والمواصلات في حكومة عبد المحسن السعدون الثاني التي تشكلت في  ٢٦ حزيران ١٩٢٥ حقق إنجازات منها :

١-إنشاء مستشفى ومخفر صحي في الرمادي.

٢- الاهتمام بتصفية الماء في الكرادة ، إذ ضمّ مشروع التصفية في الكرادة إلى هيئة عامة لمياه الشرب  في بغداد. وشملت اعمال لجنة إسالة الماء لمدينة بغداد مناطق الصرافية والميدان والباب الشرقي وخضر الياس وجسر الأحرار والمستشفى الملكي (التي سبقت مدينة الطب) .

 

عبد الهادي الجلبي

سار أبناء عبد الحسين الجلبي على نهج أبيهم ، فكان عبد الهادي الجلبي (١٨٩٧- ١٩٨٨)  يهتم بالتجارة والأعمال. وقد شارك في ثورة العشرين ١٩٢٠ ، وتعرض بسبب ذلك للموت عندما قُبض عليه ، وزُجّ به في السجن حين سقطت بيد حكومة الاحتلال البريطاني بعض الرسائل السرية التي تشير الى ما  كان يعمله الحاج عبد الهادي في الخفاء. ، كان من الناشطين بين وجوه الكاظمية في انعاش حركة البلد ومتطلباتها ، وظهر اشتغاله في ميدان السياسة بعد وفاة ابيه الحاج عبد الحسين ، فاستوزر وعين عضوا في مجلس الاعيان وشغل منصب رياسة الاعيان ، ومع ذلك لم يترك مزاولة الاعمال التجارية الخاصة به. ويملك منطقة الحرية في بغداد ، إذ كانت تسمى بمنطقة الهادي نسبة إلى مالكها . شغل منصب وزير الأشغال العامة في حكومة نوري السعيد (١٨٨٨-١٩٥٨). ومن أبرز مميزات الحاج عبد الهادي هو التواضع الذي اشتهر به. وكان صاحب المبرات الخيرية الكثيرة في العراق ، التي كان منها مشروع (مستشفى حماية الأطفال) في الكاظمية وهو أول مستشفى متخصص في العراق، وقد بناه وجهزه ، ثم قدمه هدية للحكومة العراقية . وما كان ينفق على المشاريع اضافة الى تبرعات كثيرة للمستشفيات. ولمشاريع مدينة الكاظمين خاصة.

وكان عبد الهادي الجلبي أحد أعضاء اللجنة الثلاثية التي يعينها الملك للقيام بمهمات الملك عند سفر الملك إلى خارج العراق طبقاً للدستور الملكي، ذلك إن الدستور منح الملك تعيين هيئة من ثلاثة أشخاص تقوم بالمهمات الملكية في حالة غياب الملك. وقد اشغل عبد الهادي الجلبي عضوية هذه الهيئة مرتين أولهما سنة 1956 وثانيهما سنة 1958.

وشقيقه رشدي الجلبي (١٩١٧- ١٩٩٨) كان وزيراً ونائباً عن الكاظمية عام 1948. وكان الدكتور حسن الچلبي هو من أبرز رجال القانون والاستاذ بكلية الحقوق ، وابنائه الآخرين الذين يعملون في التجارة من أشهرهم جواد الچلبي وحازم الچلبي والدكتور احمد الچلبي.

وقد نجح عبد الهادي في الشؤون المالية ومهّد لعلاقة متينة مع ولي العهد الأمير عبد الإله. وشاركه اللهو وسباق الخيول والمقامرة. وقدم للأمير قرضا عام 1938 ولم يسدد الأمير ديونه على الإطلاق. وبعد وفاة الملك واعتلاء الأمير العرش لمدة 14 عاما لم ينس عبد الهادي، وعينه وزيرا للأشغال العامة ثم رئيسا لمجلس الأعيان.

وأصبحت بيده تجارة 90٪ من غلال الحبوب والقطن. ثم اشترى ( 160 ) ألف فدان من أراضي بغداد القديمة. وامتلك مطحنة دقيق وأكبر نصيب من شركة الإسمنت ، وأصبح عام 1936 أول رئيس لسوق البورصة في العراق. وفي عام 1958 عندما سقطت الملكية كان عبد الهادي أغنى رجل في العراق ويمتلك (9 ) مليون دينار عراقي (يعادل 36 مليون دولار أمريكي).

 

مستشفى عبد الهادي الجلبي للأطفال

من أبرز مشاريع عبد الهادي الجلبي هو بنائه (مستشفى حماية الأطفال في الكاظمية ). وقد بوشر ببنائه عام ١٩٤٨ ، وانتهى عام ١٩٥٢ حيث افتتحه الملك فيصل الثاني يرافقه رئيس الوزراء نوري السعيد ووزير الصحة عبد الوهاب مرجان والحاج عبد الهادي الجلبي.

وقد حظي بناء المستشفى بدعم وتأييد المرجع الأعلى في النجف الأشرف السيد أبو الحسن الأصفهاني  (١٨٦١- ١٩٤٦ ) ، فقد خاطبته (جمعية حماية الأطفال في العراق) ، وهي جمعية أهلية في ٩ نيسان ١٩٤٠ برسالة جاء فيها:

(سماحة حجة الإسلام وآية الله في الأنام سيدنا السيد أبو الحسن دام ظله العالي

بعد تقبيل أناملكم ، نعرض أن فتح في الكاظمية منذ بضعة شهور دار حماية للأطفال تشتمل على عيادة لمراجعة المرضى من أطفال فقراء المسلمين مجاناً . ولا يخفى على سماحتكم ما يستوجبه هذا المشروع الخيري من مساعدة وتشجيع من قبل الجميع.

ويقوم بهذا المشروع جماعة من أخيار الكاظمية وتجارها المعروفين. وغير خفي أن هذا المشروع يحتاج إلى المساعدات المادية من قبل ذوي الميسرة ، ولكننا لاحظنا أن بعض المتشرعين يتوقفون من صرف الصدقات والزكوات في هذا الوجه ، وعلّقوا الأمر على إذنكم الشريف . فما رأيكم دام ظلكم في صرف الحقوق من وجوه البر والزكوة والصدقة الجارية في هذا الموضوع ، أفتونا مأجورين.

التواقيع رئيس الأمانة (… الخياط) ، رئيس الدعاية خطيب الكاظمية ( كاظم آل نوح) ، مراقب الحسابات ( السيد حسن كاظمي ) ، أمين الصندوق ، السكرتير ، نائب الرئيس ، الرئيس ( محمد باقر الحسني)

 

جواب المرجع الأعلى

(هم مأذونون أن يصرفوا في هذا الموضوع من الزكوة ومن الأثلاث والأوقاف التي مصرفها أو أحد مصارفها وجوه البر وغير ذلك. زاد الله في توفيق القائمين بهذا المشروع ، والسلام عليهم ورحمة الله وبركاته. (ختم)

(الأحقر أبو الحسن الموسوي الأصبهاني)

 

ونقل الشيخ كاظم آل نوح (١٨٨٥- ١٩٥٩) أن عبد الهادي الجلبي قد أنفق عشرين ألف دينار لبناء المستشفى . وهذا مبلغ ضخم في ذلك الوقت .

 

زيارة المستشفى

في يوم الاثنين الموافق ١٧ شباط ٢٠٢٥ زرت مستشفى الأطفال في الكاظمية . كان في استقبالي مدير المستشفى الدكتور مازن الموسوي ، يرافقه الدكتور حامد فخري المعاون الفني والدكتور غسان رشيد اختصاصي أطفال. تحدث الدكتور مازن فقال: كانت هناك مقبرة قريش في موقع المستشفى ، ويقابلها مغتسل الموتى.

تعد المستشفى أول مستشفى اختصاصية من نوعها في العراق. تم افتتاحها عام ١٩٥٢ . تبلغ مساحتها دونمين (خمسة آلاف متر مربع) ، ويتألف المبنى من ثلاث طوابق . تضم المستشفى أربع ردهات فيها ١٢٩ سريراً ، وكذلك ردهة طوارئ ، ردهة الوبائية ، ومختبر وغرفة أشعة وصيدلية ، ومجهزة بمصعدين . يعمل في المستشفى قرابة الألف منتسب ، بينهم عشرين طبيب اختصاصي ، وثمان عشرة طبيب مقيم ، وممرضين وإداريين وكادر هندسي. وتضم استشارية الأسنان ، واستشارية المفاصل والكسور ، واستشارية أنف وإذن وحنجرة ، وجراحة.

أضاف الدكتور غسان: يتردد عليها خمسة آلاف مراجع في الشهر ، وقسم منهم يأتي من خارج بغداد من الخالص والدجيل وبيجي وغيرها.

في العام الماضي سقط سقف إحدى الردهات ، وعندما فحصها فريق هندسي ، قرر هدم المستشفى وبناء أخرى مكانها ، فتوقفت أعمال الترميم. ولكن وزارة الإسكان والاعمار والبلديات أرسلت فريقاً هندسياً لفحص المبنى ، فقرر الإبقاء على المستشفى ، وترميم الجزء المتضرر في الردهة.

 

خارج مكتب مدير المستشفى عُلّقت لوحة تضم أسماء مدراء المستشفى الذين يعاقبوا على إدارتها ابتداءآً من عام ١٩٥٩ حيث تولى الدكتور عبد الكريم جميل وحتى مغادرته المنصب بعد أربع سنوات في عام ١٩٦٣. أما المدير الحالي الدكتور مازن عزيز علي الموسوي فقد تولى منصبه في ١٢ شباط ٢٠٢١ ولغاية الآن.

 

بوابة المستشفى

لعل الجزء المتبقي من المستشفى القديم التي بنيت قبل ٦٨ عاماً هي البوابة. فطوال هذه المدة ، تم ترميم الجدران والأرضيات والسلالم فتغيرت كلياً، وحتى الشبابيك والأبواب والمغاسل والأثاث تم استبدالها. ولم تبق سوى البوابة تصارع الزمن.

تتألف البوابة من إيوان عال يعلوه قوس مدبب. وتتدلى من مقرنصات من الطابوق المنجور ، تم صبغها عدة مرات ، تارة أخضر ، وآخرها الذي شاهدته باللون الذهبي.

يحيط بالإيوان شريط كتابة من الآيات القرآنية ، من اليمين واليسار والأعلى. خط عليها سورة الانسان التي تقول:

بسم الله الرحمن الرحيم

هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا (١) إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيراً (ً٢) إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا  (٣)  إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ وَأَغۡلَٰلٗا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيراٗ  (٦ )  يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا  (٧)  وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا (٨ ) إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوۡمًا عَبُوسٗا قَمۡطَرِيرٗا (١٠)  فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ وَسُرُورٗا ( ١١).

وهي السورة التي أنزلت في أهل البيت (ع) في قصة مشهورة كما ورد في التفاسير المعروفة.

وعلى جانبي الإيوان يوجد عمودان بشكل سميك من الأسفل ، ثم يستدق نحو الأعلى ، ليرتفع تاج فوقه. والعمود باللون الأبيض ، والزخارف ملونة باللون الذهبي.

وفوق باب المدخل الرئيس ، ثُبّتت لوحة مستطيلة أفقياً محفورة في الجدار . عليها كتابة تضمنت اسم المتبرع بكلفة المستشفى جاء فيها:

(١٣٦٧ هـ) شيدت حماية الأطفال على نفقة الحاج عبد الهادي نجل المرحوم الحاج عبد الحسين الجلبي (١٩٤٨)

وهو تاريخ البدء ببناء المستشفى ، والذي أنجز بعد أربع سنوات ، حتى عام ١٩٥٢ .

 

احمد الجلبي

ولد أحمد عبد الهادي عبد الحسين علي هادي حسن محمد الجلبي الطائي في ٣٠ تشرين الأول ١٩٤٤ في بغداد، وأحمد هو الأبن الأصغر بين تسعة أبناء لوالديه اللذين كانا يعيشان في بحبوحة في بغداد.

أمضى أحمد صباه برعاية خادمة إفريقية تدعى سعيدة كانت تعيش في قبو الفيلا. أما أمه بيبي حسن البصام فقد كانت شيعية متدينة تصلي وتصوم شهر رمضان. وبعد انقلاب تموز 195٨ سافر أحمد الجلبي إلى لندن لينضم إلى والده الذي سبقه إلى هناك. وسريعا تبعته الوالدة وبقية أفراد العائلة.

تلقى تعليمه الأولي في (مدرسة عادل الابتدائية) ، ثم درس في كلية بغداد التي تعد أرقى مدرسة ثانوية في الشرق الأوسط ، تأسست من قبل الآباء اليسوعيين الأمريكان عام ١٩٣٢. وكان أولاد الذوات والأثرياء يدرسون فيها. ومن زملائه الدكتور اياد علاوي وعادل عبد المهدي.

وفي عام ١٩٥8 بعد سقوط الملكية ، نجح والده بتهريب بعض أمواله من العراق. ولذلك حافظت العائلة على رفاهيتها. ولكن فقدوا ما يعادل بقدرته الشرائية اليوم المليار. ولم يعد لدى عبدالهادي في لندن غير شقة بالإيجار تتألف من غرفتي نوم وعدد محدود من الصور الفوتوغرافية على الجدران. وكان رجال الانقلاب قد اعتقلوا رشدي عبد الهادي الجلبي ، وصادروا عقاراته مثل المطحنة والبساتين المقابلة لها في منطقة الحرية ، ومنزل في الوزيرية منح للسفارة الهندية  وأراضي وخانات وغيرها.

غادر  أحمد العراق مع عائلته وعمره ثلاثة عشر عاماً ، قضى أغلب أوقاته متنقلا بين الأردن ولبنان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية. انتسب الشاب أحمد لمدرسة ويست ساسيكس West Sussex وانفصل عن والديه بما يعادل ( 60 ) ميلا نحو الجنوب. وبذل جهده ليتلافى الفراغ الذي يباعد بينه وبين الطلبة الآخرين. وفي المدرسة حسب القانون كان المسموح للطالب ( 5 ) شلنات في الأسبوع، أو ما يعادل ( 40 ) سنتا. وهذا لم يكن يكفيه لثمن السجائر. ولذلك كان يتلقى من أهله معونة تقدر بـ 2 جنيه كل أسبوع. مع دفعة بلغت ( 20 ) جنيها بشيك واحد للطوارئ. وأودعوا في مكتب البريد بحسابه ( 100 ) جنيه أخرى. وفي العام اللاحق انتقلت العائلة إلى بيروت لكن استمر أحمد في إنكلترا.

عاد عبد الهادي للتجارة والعمل المصرفي واستعاد أمواله من العراق بالتدريج. وكان وقت العطلة من أفضل أوقات أحمد في بيروت بسبب الرفاهية وتحسن الأوضاع المالية. وخصص بقية الوقت للقراءة. وبدأ مع (الجريمة والعقاب) للكاتب الروسي ديستويفسكي. وقرأها خلال تقنين الكهرباء في المدينة الجامعية. ثم اطلع على رواية  (المساكين) لديستويفسكي أيضا. وبعد تعلقه بالثقافة الروسية واشتهار رحلة الصاروخ سبوتنيك عام ١٩٥٧ ، انتقل لقراءة كتب عالم الفيزياء والرياضيات إسحاق نيوتن (١٦٤٣-١٧٢٧) وكتابات عالم الرياضيات يوهانس كبلير (١٥٧١-١٦٣٠) والجاذبية الأرضية والنسبية والسرعة. ثم درس التاريخ الإنكليزي وتابع سيرة عائلة تيودور House of Tudor التي حكمت إنكلترا في القرن السادس عشر ، والملك الإنكليزي هنري السابع (١٤٥٧-١٥٠٩). وانتهت دراسته الثانوية عام 1961. وسافر إلى الولايات المتحدة. وأدرج اسمه في كلية الرياضيات. ولكنه تابع مع النظرية الماركسية والتي تحولت لقوة مؤثرة في العراق. وخلال أيام الجامعة تعلق بأخبار العراق وانتهى لنتيجة جازمة: ما يقبله الزعيم السياسي الانكليزي ونستون تشرشل (١٨٧٤-١٩٦٥) يجب أن يقبله هو.

تخرج من جامعة جونز هوبكنز Johns Hopkins الواقعة في بالتيمور بالولايات المتحدة ، ثم درس الرياضيات في جامعة شيكاغو Chicago ونال شهادة البكالوريوس عام ١٩٦١ .  وحصل منها على درجة الدكتوراه بالرياضيات عام ١٩٦٩ ، وكانت أطروحته بعنوان (حول معامل جاكوبسون في المجموعات الجبرية). وهناك ارتبط بصديقة اشترى من أجلها سيارة فورد 1966 ماركة ثندر بيرد Thunderbird ثم درس بمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا  . وعمل استاذا للرياضيات في الجامعة الأمريكية في بيروت.

 

زواجه

في عام ١٩٧٢ تزوج أحمد الجلبي بالسيدة ليلى عسيران ابنة السياسي اللبناني عادل عسيران (١٩٠٥- ١٩٩٨). وأجريت مراسم عقد النكاح على يد السيد موسى الصدر (١٩٢٨- ١٩٧٨)  الذي كان من الأصدقاء المقربين لأسرة الجلبي. عقد قرانه في صيدا . وقبل اليوم المقرر لحفل الزواج بيومين ، أغتيل شقيق زوجته المرحوم عبد الله عسيران ، فتم إلغاء الحفل.

أنجب الدكتور أحمد أربعة أبناء : ولدان وهما هاشم وعبد الهادي ، وبنتان هما تمارا ومريم. نشأ الأبناء الأربعة  في حي نايتسبريدج  Knightsbridge الراقي في وسط لندن، ودرسوا في واحدة من أرقى المدارس في أوكسفورد.

نشاطاته الاقتصادية

أسس بعض الشركات في بريطانيا

أسس شركة تصميم برامج كمبيوتر وقام ببيعها

أسس هو وزوجته شركة لتكنولوجيا بطاقات الائتمان في الأردن وقام ببيعها أيضا

 

قضية بنك البترا في الأردن

في عام 1978 وصل أحمد الجلبي إلى الأردن ، وكان يقوم بالتدريس في الجامعة الأمريكية في بيروت. وبدأت زيارته وانتهت برعاية من صديقة الطفولة تمارا داغستاني . فهي ابنة ضابط سني عالي المكانة، وكان معارضا لانقلاب تموز 1958. وبعد الثورة ، مثل آل الجلبي ، فرّت عائلتها إلى لندن. وكانت تمارا تعيش في كنف بلاط فيصل الثاني، مما يدل على مكانتها لدى المؤسسة الملكية في العراق. وفي الأردن كانت عائلة الداغستاني مقربة من الملك الهاشمي الحسين بنت طلال. وقد اقترن شقيق تمارا مع شقيقة الملك حسين، وهكذا ازدادت العلاقة متانة.

وفي عام 1977 بلغت تمارا ( 30 ) عاما وزارت لندن، وأقامت حفلة تذكارية حضرها أحمد ورشدي وجواد الجلبي. وقد فاجأ الحفلة حضور الأمير الحسن بن طلال شقيق ملك الأردن. واستفاد جواد من الفرصة وعرض عليه إقامة نشاط مصرفي في الأردن. وحصل على الموافقة لطلب رخصة من عمان. ولكن طلبه رفض ثلاث مرات. وتدخلت تمارا مع الأمير حسن الذي أوعز لمصرف الأردن المركزي بالموافقة. وتم كل شيء بغضون دقائق، وبإثر مكالمة من البلاط  لمدير المصرف الأردني المركزي الدكتور محمود سعيد النابلسي.

 

وبدأ جواد الجلبي نشاطه من ( 9 ) ملايين دولار. وقرر توكيل أحمد بإدارة المصرف. وعلى هذا الأساس غادر الدكتور أحمد الجلبي بيروت إلى عمان ليباشر أعماله في عام 1978. وكان عمره ( 33 ) عاما. وأطلق على مصرفه اسم البتراء، تيمنا بالموقع التاريخي الشهير. وتمدد نشاط المصرف ليستثمر في مشاريع هامة مثل: سوبر ماركت (سيف واي)، ومستشفى محلي اشتراه لاحقا الجيش الأردني، وشركات بناء. وتحول مصرف البتراء إلى ثاني مصرف في المملكة. وبين 1978 – 1982 تضاعف رصيده عشر مرات من ( 40 ) مليون إلى ( 400 ) مليون دولار. وفي السنوات الخمسة التالية تضاعف إلى ( 900 ) مليون دولار. ومع اندلاع الحرب بين العراق وإيران وتقارب صدام مع الأردن ضد إيران لم يكن أمام نشاط الجلبي إلا التراجع والخمود. فقد انحدرت الأرباح بسرعة مثلما صعدت بسرعة لأسباب سياسية مفهومة.

بعد تأسيس بنك البتراء ، وتشغيله في عمان وفي جميع أنحاء الأردن. كما من فتح فروع له لأول مرة في الضفة الغربية لفلسطين. كما أدار أفراد عائلة الجلبي شركة استثمارية تدعى (سوكوفي) في جنيف ، وبنك آخر هو ( ميبكو) في جنيف وبيروت الذي تولى بناء اسواق شعبية بدل الاسواق التجارية التي دمرت في الحرب الاهلية اللبنانية ، لكن وقعت خلافات بينه وبين المساهمين في الاسواق، مما أدى إلى خروجه من لبنان.

أصبح بنك البتراء ثالث أكبر بنك في الأردن. ولكن عندما فرض البنك المركزي الأردني ، من خلال مرسوم أصدره محافظه محمد سعيد النابلسي، نسب سيولة صارمة على البنوك الأردنية للحد من تدفق النقد الأجنبي من الأردن، مما أجبر البنوك على إيداع 30٪ من حيازاتها الأجنبية كاحتياطيات لدى البنك المركزي، أصبح بنك البتراء البنك الأردني الوحيد الذي لم يتمكن من الالتزام بنسب السيولة المفروضة. تم إجراء تحقيق أدى إلى اتهامات بالاختلاس والمحاسبة الزائفة من قبل البنك. كانت العديد من القروض المتعثرة للبنك لشركات مرتبطة بجلبي. تم تصفية الشركات السويسرية واللبنانية، ميبكو وسوكوفي، لاحقًا أيضًا.

انهار بنك البتراء في الثاني من أغسطس عام 1989، ووُضع تحت إشراف الحكومة، وفُرض تدقيق على دفاتر البنك. وبعد أسبوعين، فر أحمد الجلبي من الأردن بمساعدة الأمير الحسن بن طلال. وكشف تحقيق التدقيق لاحقًا عن أدلة أخرى على ارتكاب البنك لعمليات احتيال واسعة النطاق. وأعلن البنك المركزي الأردني عن خطة إنقاذ بقيمة 350 مليون دولار لدفعها للمودعين لتجنب انهيار محتمل للنظام المصرفي بأكمله في البلاد. ووفقًا لتقرير تدقيق آرثر أندرسون، كان هناك 80 مليون دولار في قروض متعثرة في بنك البتراء، و20 مليون دولار ضائعة بسبب “أرصدة العملات الأجنبية غير المدعومة في البنوك المقابلة” و60 مليون دولار أخرى لم يتم العثور عليها ببساطة. كلفت هذه القضية الأردن حوالي 200 مليون دولار من الخسائر.  واتهم المدعي العام الأردني أحمد الجلبي بالمسؤولية المباشرة عن انهيار بنك البتراء. أدين الجلبي وحكم عليه غيابيًا بالسجن لمدة 22 عامًا بتهمة الاحتيال المصرفي من قبل محكمة عسكرية أردنية بتهمة 31 تهمة تتعلق بالاختلاس والسرقة وإساءة استخدام أموال المودعين والمضاربة على العملات. وأكد الجلبي أن محاكمته كانت محاولة ذات دوافع سياسية لتشويه سمعته.

وكان الجلبي ضحية مؤامرة دبرها نظام صدام ، عندما  اتهم بمزاعم بارتكابه مخالفات مالية تصل إلى حد الجنايات ، مع أن البنك ملكه ، اضطر للهرب من الأردن بعد أن أبلغه الأمير الحسن بن طلال بالمؤامرة. وكان البنك قد رفض تقديم ضمانات وتسهيلات للنظام العراقي في مشترياته وقروضه.

في عام ١٩٩٢ حُكم عليه غيابيا في محكمة عسكرية أردنية ، وهذا يؤكد النية المبيتة لاستهداف الجلبي ومصادرة أمواله. وبعد مرض الملك حسين ومكوثه في مستشفى مايوكلينك Mayo Clinic  في شيكاغو في عام ١٩٩٨-١٩٩٩  ، التقى بالجلبي واعترف بأن المحكمة العسكرية كانت لإرضاء صدام حسين،  وبرأ الجلبي من جميع المزاعم.  كما يؤكد الجلبي أن صدام هو المدبر لهذا الأمر بدليل أن المدانين في هذه القضية هم أفراد عائلته فقط بينما بقية أعضاء مجلس إدارة البنك تمj تبرأتهم. نفى الجلبي الاتهامات ، ولم يعترف بالأحكام الصادرة عليه بالأردن ، لأنها كانت صادرة من محاكم عسكرية، مؤكداً أن للقضية خلفية سياسية و ليس قانونية. رفض الأردن تدخل الولايات المتحدة لسحب قضية الجلبي عند سقوط نظام صدام عام ٢٠٠٣ .

نشاطه السياسي

منذ عام ١٩٦٩ مارس أحمد الجلبي النشاط السياسي ، وعمل جاهداً للإطاحة بنظام صدام. سافر الجلبي في عام 1969 إلى طهران للعمل على إسقاط حزب البعث وعقد عدة اجتماعات مع معارضين عراقيين أبرزهم سعد صالح جبر ( ١٩٣٠- ٢٠١٥) نجل رئيس الوزراء العراقي السابق صالح جبر (١٨٩٦- ١٩٥٧)  وبالتعاون مع الأكراد بزعامة الملا مصطفى البارزاني (١٩٠٣-١٩٧٩)  وبدعم من ( السافاك ) جهاز المخابرات الإيراني في ذلك الوقت لكن هذه المحاولة في الانقلاب فشلت ويُحمّل الجلبي السافاك سبب الفشل.

لم يكن الجلبي يسعى لتولي دور رئيس في أي حكومة تعقب نظام صدام ، بل كان هدفه هو إسقاط النظام وتأسيس نظام ديمقراطي بدلا عنه. وظل يسعى لتحقيق هذا الهدف ، ويستخدم كل علاقاته مع الزعماء والسياسيين في العالم ، وخاصة في الولايات المتحدة.

دخل إلى عالم السياسة من باب توماس ج. كارولان سفير أمريكا في بيروت. ولعب دور الوسيط بينه وبين زعيم الكرد مسعود البرزاني (١٩٤٦- ). وأبدى شكوكه من نوايا وإخلاص شاه إيران. ولكن السي آي إي نصحته أن يهتم بشؤونه. ولم يؤثر ذلك فيه. وتابع تمتين الصداقة بـ “كارولان” وبتقريبه من الأكراد.

وأحبطت السي آي إي المساعي التي تبلور خلالها انقلاب عام 1979 الذي جاء بصدام إلى رئاسة الجمهورية.  فقد كان من المفروض أن يساند فيه الشيعة الكرد للانتهاء من صدام حسين والبعث. غير أن السي آي إي اعترضت مساعدة مالية بلغت ( 16 ) مليون دولار. وكانت هذه أول تجربة قاسية تخذل فيها إيران وأمريكا رغبة الكرد بالتحرر. وألحت المخابرات الأمريكية على عدم تحويل العمل التبشيري والمدني إلى انقلاب مدبر.

كان الجلبي يحظى بدعم في العديد من القطاعات داخل الكونغرس الأمريكي ووزارة الدفاع (البنتاغون) سابقاً، ولكن يُعتقد أنه لا يحظى بدعم يذكر بين أوساط المعارضات الأخرى التي تنأى بنفسها عن المؤتمر الوطني العراقي. وكان الجلبي قد تبنى خطة (المدن الثلاث) التي ترمي إلى أن يقوم المنتفضون بالاستيلاء على عدد من المناطق الرئيسية، ثم عزل وتطويق صدام. ولكن تلك الخطة لا تحظى بدعم يذكر بين الحكومات العربية المجاورة، التي قالت إنها لن تسمح للجلبي بأن يقود جيشا لتحرير العراق من أراضيها.

 

قانون تحرير العراق

قانون تحرير العراق هو بيان للكونغرس الأمريكي ينص القانون على أنه (ينبغي أن يكون سياسة الولايات المتحدة دعم الجهود الرامية إلى إزالة النظام الذي يرأسه صدام حسين من السلطة في العراق…).  وقد وقع الرئيس بيل كلينتون عليه قانونًا، وينص على أنه سياسة الولايات المتحدة تدعم الحركات الديمقراطية داخل العراق. وذكر القانون في تشرين الأول 2002 للدفاع عن التفويض بالقوة العسكرية ضد الحكومة العراقية.

وقد شارك في تقديم مشروع القانون النائب بنجامين أ. غيلمان (جمهوري) وشارك في رعايته نواب آخرون منهم النائب كريستوفر كوكس .وقد تم تقديم مشروع القانون في 29 أيلول 1998. وأقر مجلس النواب مشروع القانون ( 360 – 38 ) في 5 تشرين الأول، ووافق مجلس الشيوخ عليه بموافقة إجماعية بعد يومين. وقد وقع الرئيس كلينتون على قانون تحرير العراق في 31 أكتوبر 1998. وكان أحمد الجلبي وراء إقناع نواب الكونغرس بإصدار قانون تحرير العراق.

وكان الغرض المعلن من القانون هو: (إنشاء برنامج لدعم الانتقال إلى الديمقراطية في العراق) وعلى وجه التحديد، توصل الكونغرس إلى نتائج بأعمال عسكرية عراقية سابقة في انتهاك للقانون الدولي ، وأن العراق رفض دخول لجنة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالعراق (أونسكوم) إلى بلاده للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل. وأعتبر الكونغرس: (أنه ينبغي أن تكون سياسة الولايات المتحدة دعم الجهود الرامية إلى إزالة النظام الذي يرأسه صدام حسين من السلطة في العراق والتشجيع على ظهور حكومة ديمقراطية تحل محل هذا النظام) في 16 كانون الأول 1998، بعدها سمح الرئيس بيل كلينتون لعملية (ثعلب الصحراء)، وهي حملة قصف كبرى لمدة أربعة أيام على أهداف عراقية.

وكان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ، في عام 1998 ، قام بإقرار خطة لإنفاق نحو ( 90 ) مليون دولار لمساعدة المعارضة العراقية، بهدف الإطاحة بنظام صدام حسين. وأعلنت إدارة كلنتون دعمها لقوى المعارضة العراقية وهي: (حركة الوفاق الوطني) بزعامة إياد علاوي ، (المؤتمر الوطني العراقي) بزعامة أحمد الجلبي ، (الحزب الديمقراطي الكردستاني) بزعامة مسعود البارزاني ، (الاتحاد الوطني الكردستاني) بزعامة جلال طالباني و (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) بزعامة السيد محمد باقر الحكيم.

أحمد الجلبي في كردستان

قضى الجلبي السنوات الممتدة بين 1958 و2003 في لبنان ولندن وعمان والولايات المتحدة، باستثناء فترة باستثناء فترة (1992-199٦) عندما عاد إلى العراق عن طريق اقليم كردستان لقيادة انتفاضة ضد صدام حسين من جبال كردستان، التي انسحبت منها القوات الحكومية إثر هزيمة حرب الكويت والانتفاضة العراقية  في شعبان / آذار ١٩٩١ ، وفرض منطقة حظر للطيران.

لكن هذه المحاولة انتهت إلى الفشل عندما اضطر المنضوون تحت لواء المؤتمر الوطني العراقي إلى الفرار من مقراته نتيجة دخول القوات العراقية إلى مدينة أربيل في آب عام 1996، بناء على طلب من زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، لمواجهة خصمه آنذاك زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، جلال طالباني (١٩٣٣- ٢٠١٧)، الرئيس العراقي السابق.

وأسس الجلبي المؤتمر الوطني العراقي في لندن ليكون مظلة سياسية تنضم إليها قوى عراقية للضغط من أجل إقامة نظام ديمقراطي في البلاد بعد القضاء على نظام البعث الحاكم آنذاك. لكن المؤتمر لم ينجح في أن يكون تجمعا للقوى المعارضة واتخذ شكل التنظيم المنفرد.

مجلس الحكم الانتقالي

بعد سقوط الدولة وانهيار الحكومة، حدث فراغ سياسي وإداري عدا قوات الاحتلال التي أخذت تفكر بتأسيس إدارة جديدة ، بدأت بمجيء الجنرال جي غارنر مع مساعديه، في إطار (مكتب إعادة الإعمار والمساعدة الإنسانية) للفترة من ٩ نيسان ٣٠٠٣ إلى ١٦ مايس ٢٠٠٣  . فشلت جهود هذا الفريق في تشكيل حكومة عراقية مقبولة من الشعب العراقي، فسادت حالة الفوضى وفقدان الأمن والقانون.  الأمر الذي حدا بواشنطن إلى إرسال السفير بول بريمر الحاكم المدني الذي ترأس لسلطة التحالف المؤقتة، التي تأسست بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483 الصادر في ٢٢ مايس ٢٠٠٣  . وحددت المادة الثامنة / الفقرة ج من القرار اعتبار ممثل الأمين العام للأمم المتحدة السيد سيرجيو ديميللو (١٩٤٨- ٢٠٠٣) (قتل فيما بعد في حادث إرهابي ضد مكتب الأمم المتحدة في بغداد) مسؤولاً عن (العمل بصورة مكثفة مع السلطة ومع شعب العراق، والجهات المعنية الأخرى لتعزيز الجهود المبذولة لاستعادة وإنشاء المؤسسات الوطنية والمحلية اللازمة للحكم التمثيلي، بما في ذلك العمل الجماعي من أجل تيسير العملية التي تقضي بقيام حكومة تمثيلية معترف بها دولياً في العراق).

في 13 تموز 2003 أعلن عن تأسيس مجلس الحكم الانتقالي الذي ولد في ظروف غير طبيعية سياسياً وأمنياً واقتصادياً وعسكرياً. إذ تشكل من قبل الأحزاب السياسية الستة التي كانت تعارض نظام صدام (المؤتمر الوطني العراقي وحركة الوفاق الوطني والحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وحزب الدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية). وانضمت إليه أربعة أحزاب سياسية أخرى هي تجمع الديمقراطيين المستقلين والحزب الوطني الديمقراطي والحزب الإسلامي العراقي والاتحاد الإسلامي الكردستاني، إضافة إلى شخصيات مستقلة.

عكس مجلس الحكم الانتقالي مكونات الشعب العراقي، حيث ضم 25 عضواً من الشيعة والسنة والعرب والكرد والتركمان والكلدوآشوريين. وتوزعت نسب التمثيل كالتالي: الشيعة 14 عضواً (56%) والسنة 10 أعضاء (40%) إذا ما أدخلنا الكرد ضمن السنة. أما من الناحية القومية فقد مثل العرب 18 عضواً (72%) والكرد 5 أعضاء (20%) ولكل من التركمان والكلدوآشوريين عضو واحد (4%). كما ضم ثلاث نساء شكلن 12% من أعضاء المجلس.

استمد مجلس الحكم الانتقالي شرعيته من الفقرة التاسعة من القرار 1483 التي تنص على (قيام شعب العراق، بمساعدة السلطة (سلطة الاحتلال) وبالعمل مع الممثل الخاص، بتكوين إدارة عراقية مؤقتة بوصفها إدارة انتقالية يسيرها العراقيون، إلى أن ينشئ شعب العراق حكومة تمثيلية معترف بها دولياً وتتولى مسؤوليات السلطة). وألزم القرار أعضاء مجلس الأمن الدائميين بتنفيذ هذا القرار وهذه الفقرة.

منح القرار 1483 صلاحيات واسعة لمجلس الحكم تتمثل في تمثيل المصالح العراقية، وتعيين أعضاء الحكومة الانتقالية، وإدارة التمثيل الدبلوماسي العراقي في الخارج، وإدارة السياسة الخارجية، والإشراف على المالية والأمن والشرطة والقضاء، وسن تشريعات جديدة. ولعل أهم صلاحية كانت له هي حق تعيين مجلس تأسيسي يشرف على عملية إعداد دستور دائم للبلاد، يطرح على الاستفتاء العام، ثم تجرى انتخابات عامة لتشكيل مجلس وطني ثم قيام حكومة عراقية منتخبة، تتمتع بكامل السيادة، وتؤول إليها جميع سلطات ومسؤوليات سلطة التحالف.

في ١٤ آب ٢٠٠٣  أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1500 الذي وافق فيه على قيام مجلس الحكم الانتقالي. وقام مجلس الحكم بتشكيل أول حكومة عراقية تعقب سقوط النظام.

اعتبر السيد السيستاني تأسيس المجلس أمراً واقعاً يتحمل مسؤولية إدارة البلاد بدلاً من الحكم الأمريكي المباشر. وكان سماحته يستقبل أعضاء مجلس الحكم ويناقش معهم كثيراً من القضايا والشؤون السياسية والقانونية، الداخلية والدولية. وكان يسدي بنصائحه لهم، ويعلق أحياناً على بعض الأمور والأحداث. وكانوا يستشيرون سماحته في أغلب مشاريع المجلس أو خططه ومقترحاته، حيث يجدون بابه دائماً مفتوحاً لهم، وصدره رحباً لجميع مشاكلهم وهمومهم.

وكان الدكتور أحمد الجلبي أحد الأعضاء البارزين في مجلس الحكم ، وكان العضو الثاني الذي ترأس المجلس بعد الدكتور إبراهيم الجعفري.

هيئة اجتثاث البعث

تقلد الجلبي رئاسة (هيئة اجتثاث البعث) ، وهي هيئة تشكلت لمنع أفكار وتنظيم حزب البعث في العراق ، بعد حل حزب البعث ومصادرة ممتلكاته من قبل الحاكم المدني بول بريمر في الأمر رقم (١) لسلطة الائتلاف المؤقتة الذي دخل حيز التنفيذ في ١٦ مايس ٢٠٠٣. وقد تم منع أعضاء حزب البعث من درجة عضو فرقة فما فوق من العمل في وظائف عليا في الدولة.

الهدف من هذه السياسة وارد في صياغة ديباجة الأمر رقم ( 1):

(إذ تدرك أن الشعب العراقي قد عانى من انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان وخربات على مدى سنوات عديدة على يد حزب البعث،

وإذ يلاحظ القلق البالغ للمجتمع العراقي من التهديد الذي يشكله استمرار شبكات حزب البعث وموظفيه في إدارة العراق وترهيب شعب العراق من جانب مسؤولي حزب البعث،

وإذ يساورها القلق إزاء استمرار تهديد قوات التحالف التي يشكلها حزب البعث العراقي،)

 

بالإضافة إلى ذلك ورد في القسم الأول من الأمر رقم 1:

(ينفذ هذا القرار الإعلان عن طريق القضاء على هياكل الحزب وإزالة قيادته من مواقع السلطة والمسؤولية في المجتمع العراقي. بهذه الطريقة ستضمن سلطة الائتلاف المؤقتة أن الحكومة التمثيلية في العراق لا تهددها العناصر البعثية التي تعود إلى السلطة وأن أولئك الذين يشغلون مناصب السلطة في المستقبل مقبولون لشعب العراق.)

عملا بأهداف العمل بالنيابة عن المجتمع العراقي ومحاولة خلق (بيئة آمنة ومستقرة من شأنها أن تدعم الحرية والديمقراطية للشعب العراقي). كان هدف السياسة هو تعزيز إقامة نظام سياسي ديمقراطي في العراق. كان الهدف الشامل للغزو هو الاستيلاء على أسلحة الدمار الشامل وإزالتها وإقامة حكومة ديمقراطية في الشرق الأوسط للمساعدة في مكافحة الحرب العالمية على الإرهاب.  باتباع هذه الأهداف الشاملة كان ينظر إلى اجتثاث البعث على أنه الطريقة المنطقية لضمان إزالة نظام غير مرخص سابقا وغير ديمقراطي وبكل الأحوال نظام غير شعبي وتأثيراته على الثقافة السياسية.

تم تفويض عملية اجتثاث البعث كجزء من إستراتيجية الاحتلال الشاملة إلى وزارة دفاع الولايات المتحدة وفقا للتوجيه الرئاسي للأمن القومي رقم ( 24 ) الصادر في 20 كانون الثاني 2003 ، أي قبل قبل ( 60 ) يوما فقط من بدء الغزو في 20 آذار 2003. بالمقارنة مع ما يقرب من خمس سنوات قضت دول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية تخطط لاحتلال ما بعد الحرب لألمانيا واليابان كان هذا قدرا قليلا من الوقت لتخطيط إستراتيجية الاحتلال والعمليات.

على الرغم من أن فكرة سياسة اجتثاث البعث قد عبر عنها أحمد الجلبي والمؤتمر الوطني العراقي إلا أن مقارنتهما لنزع النازية استحوذت على اهتمام (دوغلاس فيث) (١٩٥٣ –) رئيس مكتب الخطط الخاصة. كان الإطار الزمني الفعلي لتطوير السياسة مسألة أسابيع. في 10 آذار 2003 عقد اجتماع لمجلس الأمن القومي الأمريكي لتحديد مدى اجتثاث حزب البعث بسبب الخلافات بين وزارة الدفاع ووزارة الخارجية الأمريكية ووكالة المخابرات المركزية.  دعت وزارة الدفاع إلى سياسة موسعة تستهدف جميع أعضاء حزب البعث. كان ذلك على النقيض من وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية التي دعت إلى سياسة أقل شمولية (لإلغاء الصداميين) التي تستهدف فقط المتهمين بارتكاب جرائم والقيادة العليا. تم التوصل إلى حل وسط: سيتم إزالة القيادة العليا في حزب البعث وإنشاء مجلس (الحقيقة والمصالحة) على غرار ما حدث في جنوب أفريقيا لتقييم مسؤولية أعضاء الحزب من المستوى الأدنى. وفقا لمقابلات (تشارلز فيرغسون) في المرة التالية التي نوقشت فيها السياسة خارج مجلس الأمن القومي أو مكتب وزارة الدفاع للخطط الخاصة كان في 15 مايس 2003. في ذلك اليوم عين رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة بول بريمر الجنرال ( جاي غارنر) (١٩٣٨- )  مدير مكتب التعمير والمساعدة الإنسانية مشروع نسخة من الأمر الذي كان سيصدر في اليوم التالي.

 

مرحلة الصياغة والتخطيط

بدأت صياغة السياسة وتخطيطها بورقة أصدرها أحمد الجلبي والمجلس الوطني العراقي ووصفت إمكانية إزالة نفوذ حزب البعث من المجال السياسي العراقي  ، ومقارنة هذا الاحتمال بسياسة الحلفاء لإزالة النازية حسب اتفاقية بوتسدام لعام 1945. خلال 60 يوما خصصت للاحتلال في فترة ما بعد الحرب أعد مكتب الخطط الخاصة نسخة أكثر صرامة من وزارة الدفاع على الرغم من تسوية مجلس الأمن الوطني في 10 مارس. قبل وصول بول بريمر إلى العراق في 12 مايو 2003 التقى (دوغلاس فيث) ومكتب الخطط الخاصة حيث تلقى أول إحاطته بشأن عملية اجتثاث البعث. بعد الاجتماع تمت كتابة المسودة النهائية وأرسلت عبر البريد السريع إلى العراق بعد وصول بريمر.

 

مهندسو السياسة

وفقا للأوامر الوطنية رقم 24 كانت وزارة الدفاع هي المنظمة الرئيسية المسؤولة عن الاحتلال. تحقيقا لهذه الغاية أنشأ ( بول ولفويتس) و (دوغلاس فيث) مكتب الخطط الخاصة من أجل وضع إستراتيجية لوزارة الدفاع لاحتلال العراق. بالإضافة إلى (ولفويتس) و(فيث) قبل (والتر سلوكومب) موقف الإشراف على تنفيذ إستراتيجية الاحتلال لوزارة الدفاع. كل هذا حدث تحت سلطة وزير الدفاع آنذاك (دونالد رامسفيلد).  وفقا لمقابلة (تشارلز فيرغسون) في الفيلم مع الجنرال (جاي غارنر) قال بول بريمر لغارنر أن (أعطيت طلبي). هذا أدى بغارنر إلى الاعتقاد بأن بريمر لم يكن مسؤولا عن مضمون السياسة ولكن كان ينفذ سياسة وزارة الدفاع.

من العناصر الهامة الأخرى في وضع سياسة اجتثاث البعث هو زعيم المؤتمر الوطني العراقي أحمد الجلبي. كان الجلبي مؤثرا داخل وزارة الدفاع في بناء إستراتيجية لاحتلال ما بعد الحرب للتعامل مع حزب البعث. كان دوغلاس فيث أحد المهندسين الرئيسيين لسياسة اجتثاث البعث متأثرا بشكل كبير بالأفكار التي يدافع عنها الجلبي والمؤتمر الوطني العراقي.

شملت المنظمات والأفراد الآخرين الذين شاركوا في عملية تحدي تنفيذ سياسة اجتثاث البعث وزارة الخارجية الأمريكية ووكالة المخابرات المركزية والجنرال جاي غارنر والعقيد (بول هيوز) (مدير السياسة الاستراتيجية للاحتلال الأمريكي في عام 2003) و (روبرت هتشينغز) (رئيس مجلس المخابرات الوطني من 2003 إلى 2005) والسفيرة ( باربرا بودين ) والعقيد (لورانس ويلكيرسون) (رئيس أركان وزير الخارجية (كولن باول) (١٩٣٧-٢٠٢١)  من 2002 إلى 2005).

 

السوابق

في فترة ما بعد الحرب في ألمانيا واليابان اتبعت الولايات المتحدة بالاشتراك مع دول حلفاء أخرى سياسة الإزالة الكاملة لأي تأثير يتعلق بالأيديولوجيات النازية أو الإمبراطورية اليابانية. تم العثور على هذه الاستراتيجيات في اتفاق بوتسدام لعام 1945 ، وصك الاستسلام الألماني ، والنظام العام رقم 1 لليابان بعد الحرب. كانت الاستراتيجية الأكثر شيوعا مقارنة سياسة الولايات المتحدة لنزع النازية في فترة ما بعد الحرب في ألمانيا.

يحظر الدستور العراقي الصادر عام ٢٠٠٥ حزب البعث فقد ورد في المادة السابعة ما نصه:

( اولاً:  يحظر كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو الارهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه وتحت اي مسمى كان ، ولا يجوز ان يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون)

 

الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة

في عام ٢٠٠٨ صدر قانون (الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة) رقم (١٠) لسنة ٢٠٠٨ .

اسمها سابقًا: الهيئة الوطنية لاجتثاث البعث، هي هيئة وطنية وجدت في العراق لاجتثاث حزب البعث الحاكم للعراق في زمن الرئيس العراقي صدام حسين وذلك لاجتثاث فكره وتصفية دوائر الدولة من اعضائه، وهي هيئة دستورية تم التصديق عليها في الدستور العراقي الذي وضع في عام 2005.

 

أهداف الهيئة

إزاحة كبار أعضاء البعث أو المشتركين بالجرائم في زمن نظام البعث عن الوظائف في القطاع العام وقطاع الدولة ويحق لأي شخص الدفاع عن نفسه أمام لجنة قضائية مستقلة عن طريق الاستئناف.

إزالة أثار البعث من الحياة والمجتمع ونذكر منها حب الدكتاتورية والتسلط وعدم احترام آراء الاخرين أو الاستماع اليهم والقرارات الفردية المتهورة في شن الحروب بدون الرجوع إلى الرأي العام هذا بالإضافة إلى القسوة المتناهية في اذلال وتعذيب الاخرين إلى حد القتل لانهم يحملون افكار غير أفكار البعث.

إعادة تأهيل كوادر البعث بأفكار تقدمية ديمقراطية جديدة تحترم حقوق الإنسان والرأي الآخر ونبذ الأفكار القديمة الشاذة من خلال محاضرات تقوم الهيئة بأعدادها في دورات مخصصة لهم لغرض اعادتهم إلى الخدمة بشرط ان لا يكونون مدانين في جرائم. ويذكر ان الحكومة العراقية قد طالبت، يوم الاثنين 26 يناير 2010، البرلمان بتضمين قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة ١٩٦٩ نصوصا عقابية تجرم وتحظر البعث الصدامي ورموزه ومن يمجد ويروج لأفكاره وفقا لأحكام المادة (7) من الدستور العراقي.

يقصد بالنظام البائد هو النظام الحاكم في العراق للمدة من ١٧ تموز ١٩٦٨ ولغاية ٩ نيسان ٢٠٠٣.

تشمل الهيئة كل شخص انتمى أو ينتمي لحزب البعث بعد صدور القانون.

يشمل الأجهزة القمعية لنظام صدام وهي أجهزة المخابرات والأمن العام والأمن الخاص والأمن القومي والأمن العسكري والاستخبارات العسكرية وفدائيي صدام.

كما تشمل إجراءات الهيئة المنتسبين إلي الأجهزة القمعية أو المتعاونين معهم أو الذي استخدمهم النظام البائد في قتل المواطنين وقمعهم واضطهادهم بأي شكل من الأشكال.

ويشمل أعضاء حزب البعث ممن كان بدرجة عضو شعبة وعضو فرقة وإحالتهم على التقاعد.

 

وأصدرت الأمانة العامة لمجلس الوزراء تعليمات نصت على رصد التصريحات التي تبرر أو تروج أو تمجد حزب البعث الصدامي، وتقديم تقارير إلى الجهات الامنية بغية إجراء اللازم بصددها وفقا لأحكام القانون.  كما  وجهت جميع الوزارات والجهات الحكومية غير المرتبطة بوزارة بحظر الكيانات والمناهج التي تتبنى مفاهيم العنصرية أو التكفير أو الإرهاب أو التطهير الطائفي أو التحريض أو تمجيد أو الترويج أو تبريرها تحت أي مسمى كان.

الجلبي والعمل السياسي

كان الجلبي أحد أول الزعماء العراقيين المعارضين الذين عادوا إلى البلاد حينذاك، ساعيًا إلى تثبيت نفوذه السياسي وتوسيعه. لكن ما حدث لاحقا أنه لم ينل ثقة كبيرة من العراقيين الذي اتجهوا إلى مساندة زعاماتهم الدينية والعشائرية التقليدية.

فاز الجلبي في انتخابات كانون الأول عام ٢٠٠٥ ضمن القائمة المغلقة . ودخل الجلبي الانتخابات النيابية لعام 2010 بقائمة المؤتمر المنضوية تحت التحالف الوطني، إلا أنه لم يستطيع الفوز وقتها. وفي انتخابات عام ٢٠١٤  قرر الدخول كسياسي مستقل ضمن كتلة (المواطن) التي يتزعمها رئيس المجلس الاعلى السيد عمار الحكيم، ، ليصبح رئيس اللجنة المالية البرلمانية، وهو آخر منصب رسمي شغله حتى وفاته.

ورغم خبراته وكفاءته لم يشغل الجلبي أي منصب حكومي حتى من قبل المتحالف معهم. ورغم خبرته المالية فلم يمنح منصب وزير المالية ، بل منحت لشخصيات بلا خبرة أو كفاءة بسبب نظام المحاصصة. وقد منحه رئيس الوزراء نوري المالكي منصب رئيس لجنة الخدمات في خطة فرض القانون التي بدأ العمل في عام ٢٠٠٧، إكراماً له ولجهوده ومعارضته للنظام البائد ، مع أنه غير متحالف معه . وكان الجلبي يزور مناطق بغداد التي تعاني سوء الخدمات ويلتقي بساكنيها ، يبذل جهده لتوفير من يحتاجونه.

 

قالوا عن الجلبي

احمد الجلبي لم يكن شخصاً عادياً ، أو سياسياً تقليدياً ، بل شخصاً يتوقد ذكاءاً ، ويتحدث بمنطق قادر على إقناع الآخر ، حتى لو كان سيناتوراً أمريكياً  أو عضو في الكونغرس ، أو زعيم دولة ، أو مسؤول أمني رفيع. كان مؤمناً بقضيته والدفاع عن الشعب العراقي ، وإنقاذه من براثن صدام بأية وسيلة ممكنة.

 

كتب عنه عادل عبد المهدي

الجلبي قام بما قام به “ديغول”

الحقيقة الاولى. تحرير العراق من الاستبداد والاحتلال ثورة حقيقية.. ليس بمعانيها الانقلابية والثوروية، بل بمعنى التحول من حال الى حال. ويجب ان لا تحجب صعوبة الاوضاع الحالية هذه الحقيقة. فالثورات كالفرنسية والروسية والصينية والامريكية والايرانية، الخ لم تستقر اوضاعها الا بعد اجيال متعددة. والجلبي هو أحد اهم مفجري ثورة التحرير هذه، المحطمة للكثير من قيود الاستبداد والاحتلال، والمرافقة بالضرورة للكثير من الفوضوية والتجاوزات واللاعقلانية.. لحين تأسيس النظام واستقراره.

الحقيقة الثانية: لم يجلب الجلبي الامريكان للبلاد، بل جلبتهم حماقات صدام.. وعمل الجلبي لا يختلف عن عمل ديغول (او فيصل الاول). فديغول لم يذهب للإنكليز –خصومه التاريخيين- ليدخلهم كمحتلين لبلده، بل استثمر حركتهم لطرد المحتل لديه. كذلك فعل “الجلبي” بعد ان اغلقت السبل، واصبح الاستبداد شاملاً حتى “للبعث” وانصار النظام انفسهم.. وتمزقت البلاد ودُمرت، وتوالت التنازلات الوطنية والسيادية، ووضعت تحت الفصل السابع والعقوبات والحصار بسبب المغامرات الطائشة.. بحيث بات المشروع الوطني الاساس هو التخلص من الطاغية بكل الوسائل المشروعة، واستغلال كل التناقضات لمصلحة الشعب. وبعد سقوط الطاغية وتحرر الشعب، تحول الجلبي الى المشاكس الاول لأمريكا ومشاريعها في العراق. وان الجلبي كان اول من رفع شعار “الحكومة الانتقالية” قبل التغيير. ورفض رفضاً قاطعاً اي شكل من اشكال الوصاية والانتداب والاحتلال للبلاد.

الحقيقة الثالثة: كان النظام السابق صديقاً جيداً للأمريكان حتى اجتياح الكويت. وقد كشفت وثائق “ويكليكس” المنشورة في كانون الثاني ٢٠١١ تقرير السفيرة الامريكية أبريل كلاسبي (١٩٤٢ -) April Glaspie بعد لقائها بصدام ( ٢٥ تموز ١٩٩٠). يقول صدام حسب التقرير: “تعاني بلاده من مصاعب مالية خانقة، مع ديون تجاوزت ٤٠ مليار دولار.. وتواجه بلاده هذا الواقع مع انها احدثت بانتصارها في الحرب ضد ايران، فارقاً تاريخياً بالنسبة للعالم العربي والغرب”.. و”أعرب صدام عن امله في التوصل الى علاقات جيدة بالولايات المتحدة”.. ودعا الى “التذكر بان بغداد هي التي حمت اصدقاء امريكا في المنطقة، عبر الحرب مع ايران، وشدد على ان العراق دفع ثمناً باهظاً في سبيل ذلك” وواصلت كلاسبي “قال صدام انه مقتنع بان واشنطن ترغب بالسلام ولكن عليها التوقف عن لي الاذرع”.. ونقلت كلاسبي كلامها قائلة “ان الادارة الامريكية طلبت منها السعي لتعميق العلاقات مع العراق”، وشرحت بالقول “نحن نسأل عن نواياكم بروح الصداقة، وليس المواجهة” واشارت “ان صدام وعدها بعدم القيام بخطوات عسكرية اذا حصل على بصيص أمل من الموقف الكويتي”.

الحقيقة الرابعة: كان الجلبي شجاعاً متصدياً لا تأخذه في الحق لومة لائم. فهو عنيد في الدفاع عما يعتقد به.. لكنه لين عندما يرى ان حقه او موقفه ليس موضع اجماع او اتفاق، فكان يسكت او يتراجع في موقفه، دون ان يتنازل عن مبدئه. يكشف الخلل والانزلاقات والانحرافات والفساد في صفوف اقرب الناس او القوى اليه، دون حرج او تردد.. ويقف مع ابعد الناس عنه لا لشيء الا للوقوف مع الحق ضد الباطل.

الحقيقة الخامسة: لم يكن الجلبي قوياً بالكم والعدد.. بل بالحجة والنوع والحضور العقلي والميداني. فكان مؤسسة بذاته. يعرف الارقام والقوانين والتاريخ والجغرافيا والشخصيات والاحداث جيداً. ذاكرته وذكاؤه يفوقان المعدلات الطبيعية.. ونباهته وعلومه متميزة بمستوى كبار الشخصيات العالمية، ناهيك عن العراقية. فهو يبتسم في أصعب الظروف، وأشدها قسوة، بما في ذلك على شخصه رحمه الله. لم يكن للجلبي مشروعاً دينياً او علمانياً او قومياً او فئوياً او لمصلحة هذا البلد او ذاك او خاصاً به وبمصالحه وطموحاته. كان مشروعه هو شعب العراق ومظلوميته وحقوقه، ولا شيء آخر. لذلك تكاثر عليه المزايدون والاعداء من اصحاب الاجندات.. كل يتهمه بضده. فالدينيون يتهمونه بعلمانيته.. والعلمانيون بدينه ومذهبه.. والقوميون بليبراليته، الخ، لذلك كثر اصدقاؤه ، كما كثر خصومه.

هذا قليل من كثير من خصال الجلبي الذي خسرناه. والحري بنا ان نقيم له نصباً اكراماً لرجالاتنا الكبار. {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً} صدق الله العلي العظيم.

 

وقال عنه النائب أحمد المساري

(كان الجلبي رجل اقتصاد متميزا ، ولديه كفاءة كبيرة في المجال الاقتصادي، “حينما عملت نائبا له عندما كان رئيس اللجنة المالية مثابرا للبحث عن مصادر التزوير والفساد في العراق، ويبحث عن الجهات التي كانت تفسد في المال العراقي). (كان ملف فساد العملة وبيعها في البنك المركزي أبرز المواضيع التي تابعها الجلبي ، كان الجلبي يتناول ملفات مهمة وخطيرة جدا في هذا الموضوع). (كان يحذّر دائما من انهيار الاقتصاد العراقي إذا ما استمرت الحكومة في سياستها).

وقال عنه المستشار إبراهيم الصميدعي

(كانت أبرز محطات الجلبي السياسية عندما كان في المعارضة حيث كان الجلبي يرى أن بقاء النظام السابق لفترة أطول يعني بقاء العراق تحت عقوبات أكثر وتحت ضياع أي فرصة في استعادة الدولة. كانت مرحلة رئاسة اللجنة المالية فاصلة ومهمة في عمل الجلبي، ولم يتغيب عن أي يوم في العمل في البرلمان، لقد أعطى البرلمان حقه. من خلال اللجنة المالية تعقب الجلبي كل عقود الدولة والأموال والإنفاق العام في الدولة، ووجد كوارث.

لدي لحد الآن مدونات عندما كنت أجلس معه وأسجّل، لكن حينما ظهر هو سبّب صدمة في الرأي العام، لحجم الإنفاق، وحجم الفساد في كل التعاقدات الحكومية . وتتبع مزاد العملة، ومزاد البنك المركزي بالفلس الواحد ، ووجد النهايات السائبة فيه. لو بقي على قيد الحياة لأحرج الجهات القضائية والنزاهة أمام الرأي العام، رغم تعرضه لحملة شعواء عندما تقرب من ملفات الفساد، حيث تحركت ضده مؤسسات إعلامية وأموال ضخمة وتشهير فظيع. ترك الجلبي ملفات فساد كبيرة سلمت إلى مرجعيات دينية وسياسية، وإلى البنك الدولي والبنك الفدرالي الأميركي، وهي موجودة وإذا فتحت ستكون كافية لمحاسبة النظام السياسي بشكل كامل منذ عام 2003).

وكتب عنه آرام روستون

في كتابه (أحمد الجلبي الرجل الذي دفع أمريكا إلى الحرب) يروي الصحفي والكاتب الأميركي آرام روستون Aram Roston سيرة الدكتور أحمد الجلبي ، من وجهة نظر من زاوية أخرى هي زاوية المؤسسات الأميركية التي لم تتقبل الجلبي ومشروعه السياسي.” حيث تحاول هذه المقالة تقديم وجهة نظر مغايرة للكتاب الذي يقول: وكما عبر الجلبي في يوم ما أن معرفة أميركا تعتمد على فهم الصراع والتكامل بين المؤسسات الأميركية، لا سيما وزارتي الدفاع والخارجية، ولذلك إن محتوى الكتاب اعتمد على الجانب المناوئ لعمل وزارة الدفاع التي كان الجلبي قريبا منها، وعلى الرغم مما حققه الجلبي، إلا أنه ونتيجة لهذا الصراع ظل مشروعه مثار جدل ونقاش، ولعله يرتبط بعدة أسباب منها تغيير 1958، حرب الخليج الثانية، انفصاله عن سياقه الاجتماعي والنفسي، واضطراره إلى التنقل بين أكثر من مكان، جعله ينظر إلى السلطة والمجتمع في العراق برؤية مختلفة اعتمدت على القوة ومعانيها المادية والمعنوية والقدرة على مخاطبة الغرب.

الملفت في عنوان الكتاب (الرجل الذي دفع أميركا إلى الحرب) هو كيف أن رجلاً استطاع جعل أميركا تغير نظاماً، وتعيد تركيبه على أسس جديدة مختلفة عما أسس عليه العام 1921، إذن ما هي القدرات التي يمتلكها هذا الرجل.  الكتاب يتناول دور الجلبي ومكانته في مشروع تغيير نظام البعث، والذي يجعلنا نتأمل في ما قام به الجلبي منذ 1958 والى 2003، حيث نلاحظ التلازم الظاهر والخفي بين تغيير 2003،  وأحمد الجلبي  1944 – 2015.

بما قام به من عمل وتأثير من أجل انجاز هذه اللحظة، الملفت بعد تحقق التغيير حصل شبه انفصال بين الطرفين “الجلبي- النظام السياسي الجديد”، وبات الجلبي يبذل جهدا من أجل ضمان وجوده في دائرة النظام، وكأنه انتقل من علاقة التلازم إلى الصراع من أجل البقاء فيه، قد يصعب فهم هذا الحال، الذي وصل إليه الجلبي دون النظر إلى جهده قبل 2003 وعمله بعد ذلك، إلى درجة أنه حتى الكتاب الذي من المفترض أنه ينقل وجهة نظر مغايرة لدور احمد الجلبي في احداث 2003 يعترف ضمنياً ابتداءً من العنوان أن دوره أساسي في تغيير النظام وإقناع أمريكا بذلك.

وقع تلقي ما فعله الجلبي في العديد من التناقضات، والتي تضعنا في تساؤل دائم، لماذا لم ينل الفاعل الأهم في انجاز حدث 2003 شيئا، وعلى الرغم من أن خلفه دوافع وأسباباً مهدت لتغيير النظام السياسي السابق، إذ ظل الجلبي بعيدا عن مركز النظام الجديد، إن مقارنة فعل الجلبي قبل وبعد التغيير تكوّن أمامنا صورتين لرجل واحد، ليس من السهولة العثور على صلة تجمعها.

شكّل تغيير 1958 جزءا كبيرا من تصورات الجلبي عن السلطة والمجتمع في العراق، وأضاف المنفى أبعاداً مختلفة لذهنيته، جعلته يفكر باسترجاع الذي ضاع منه قبل 1958، ولم يكن بالضرورة الذي ضاع ماديا، وإنما كان الانفصال عن سياقه الاجتماعي والنفسي، فضلا عن ذلك فقدان المكانة والدور الاجتماعي الذي حظيت بهما العائلة منذ 1921 – 1958، المتغير الابرز في حياة الجلبي حصل بعد استيلاء الجيش على السلطة في العراق، وأمست حياته تندفع نحو ثنايا تلك الصورتين، حيث يجمعهما التاريخ وتفرقهما السياسة، هذا الجمع والافتراق يصنعان معنى ودلالة التناقض، والتناقض هنا لا يدل على السيئ والجيد أو الصحيح و الخطأ، ربما نكتشف معنى التناقض في الصورتين من خلال الإجابة عن التساؤل الآتي، لماذا قام الجلبي بكل هذا الجهد؟

كان ممكن له الاكتفاء بما لديه من ميراث اجتماعي واقتصادي يغنيه عما مر به من محطات وصعوبات كادت تزيحه من الحياة في تلك الفترة أو تقضي على مستقبله الاجتماعي والسياسي.

ظهرت الصورة الأولى للجلبي في مرحلة التسعينيات وكانت بملامح سياسية، تعززت بعد حرب الخليج الثانية والتي عمل فيها الجلبي على صياغة مشروع المؤتمر الوطني العام 1992، وجعله إطارا يتخطى به خلافات المعارضة العراقية في المهجر، وأثبت هذا الجهد معرفته وقدرته على مخاطبة الغرب، وبالذات الولايات المتحدة الاميركية.

وظّف الجلبي ذكاءه واطلاعه وصلاته، لكي يصبح المؤتمر الوطني منصة سياسية وتوجها اجتمعت فيه شخصيات وحركات سياسية.

أن مشروع المؤتمر يذكرنا بأطروحة المجلس الاعلى الاسلامي العام 1981، التي كانت مقابلة له وسبقته في التأسيس وتحمل نفس الوظيفة السياسية في السعي لمعالجة شتات المعارضة العراقية، ولكن المجلس لم ينجح في مسعاه لأنه تحول لإطار عائلي – ديني ثم بعد ذلك أصبح نقيضا وندا لحزب الدعوة. وعلى العكس من المجلس الأعلى، عمل المؤتمر على جذب الأشخاص وليس الأحزاب وبذلك تخطى العائلية، ولكن المؤتمر الوطني كرر أسلوب العمل السياسي الشخصي، والذي أصاب أغلب أحزاب السياسية المعارضة للنظام.

وعلى الرغم من تقبل الغرب – بريطانيا وأميركا – لما طرحه الجلبي حول تغير النظام السياسي في العراق، رفض الجانب العربي بتوجهاته القومية ذلك الطرح ورآه انحيازاً وميلاً لتصورات الجانب الغربي، وأنه يأتي على حساب أولويات الصراع مع إسرائيل وإيران؛ لأن نظام البعث بنظر التوجه القومي هو من كان يمثل الطرف العربي في الصراع.

أخذت تكتمل ملامح الصورة الاولى للجلبي في سياقها الغربي، ولكن بخلفية فيها الكثير من التحولات غير مكتملة بدءا من تغيير 1958 والتخصص في مجال الرياضيات إلى محنة العمل المصرفي والتحول إلى العمل في السياسة، قد نجد صلة غير معلنة بين ما طرحناه سابقا وأثر هذه التحولات في حياة الجلبي، استطاع الجلبي الإمساك بالتناقض وتوجيه نحو صياغة ما يريد عمله. مع حينما نقارن بين عمل الجلبي وقوى المعارضة العراقية، نلمس تغيرا قبل الجلبي وما بعده، فمنذ تسعينيات القرن الماضي حين زاد نشاط الجلبي وفعله من أجل إقناع الغرب أن نظام صدام بات خطرا على امن الخليج العربي، وجدت المعارضة العراقية أنها أمام تحدي اللحاق بما يقوم به الجلبي، يمكن نلمس جهد الجلبي آنذاك بما صنعه من مؤثرات وعوامل، التي أسهمت في إصدار الكونجرس الأميركي ” قانون تحرير العراق” العام 1997 والذي أثبت أن للجلبي دورًا غير قليل في الوصول إلى هذا القرار.

الجلبي بعد 2003.. خارج السلطة

منذ إن عاد الجلبي إلى العراق وهو يواجه تحدي مصادرة جهده الذي قام به قبل 2003، وكأنه أريد له القول لقد انتهى دورك، وألا بماذا نفسر ما حصل له بعد التغير؟

يطرح البعض ثنائيات من أجل تفسير ما مر به الجلبي من تهميش وإبعاد عن السلطة، هذه الثنائيات تحتاج إلى إثبات وهي ” العلماني / الإسلامي ” و” الغربي / الشرقي”.

مع هذه الثنائيات التي طرحت أضيف لها محاور الصراع الذي جرى في العراق بعد 2003 أبرزها محور الصراع الإيراني – الأميركي. والذي يتابع حركة الجلبي بعد 2003 يشعر أن الصعوبة التي واجهها في العراق كانت أكثر وأصعب عليه، حينما كان يعمل من خارج العراق على إزاحة النظام. إن من أشتغل على تهميش الجلبي ثلاث فئات: الأولى التي كانت تشاركه الهوية المذهبية والسياسية وهي الأشد عليه، والفئة الثانية: التي حمّلته مسؤولية تغير النظام، والفئة الثالثة: الجانب العربي الرسمي الذي رأى فيه شخصا أسهم في تغيير منظومة سياسية استمرت، لأكثر من خمسين عاما في العالم العربي. واجه الجلبي بعد 2003 تحدي الحصول على قبول اجتماعي يفضي إلى شرعية سياسية تمنحه مكانة داخل النظام الجديد، ما حصل له  لم يكن يوازي دوره وجهده قبل 2003، لقد عاد الجلبي بعد 2003 فردا بزخم الميراث، الذي كوّنه خلال عملية تغيير النظام المستبد، وهذا غير نافع في مجتمع تضخمت فيه الهويات الفرعية، وأصبح لا يأخذ بنظر الاعتبار العلاقة بين الإنجاز والحصول على موقع داخل السلطة، فعندما نقارن بين ، وبغض النظر إن كان مرفوضا أو مقبولا ، عمل الجلبي وإنجازه، وما قامت به قوى المعارضة قبل 2003 سنجد أن فرداً مع مجموعة محدودة استطاع أن يؤثر ، ويشكل توجّه وصل به إلى لحظة التغيير. أما قوى المعارضة فكانت واقعة تحت وطأة التأثير العامل الإقليمي والصراعات الحزبية والداخلية، ولكن مع هذا الفارق الذي حصد منجز التغير قوى المعارضة الإسلامية والكردية، ووضع الجلبي في حالة شبه صفرية من العمل والانجاز وكأنه لم يقم بشيء يذكر قبل 2003.

نستطيع القول إن من منع الجلبي من قطف ثمار عمله وجهده هي ثلاثة عوامل (الهوية المذهبية، السياسة ، المجتمع ) . الغريب أن الجزء الأكبر من عمل الجلبي السياسي قبل 2003 انصب على رفع الحيف السياسي عن العراقيين الشيعة والقيود التي تمنع مشاركتهم في الحكم وإدارة الدولة . لقد عمل من يمثلون هذه الهوية من قوى سياسية وحزبية على تضييق مساحة حضور الجلبي سياسياً واجتماعياً، عبر استثمار تضخم الهوية المذهبية، لأسباب سياسية، والتي من خلالها وضع الجلبي في توصيف يضعف صلته بها، في السياسة وممارستها في العراق، ربما غاب عن ذهن الجلبي أنها قائمة على روابط عشائرية ومناطقية وحزبية، وهنا

اصطدم بمدى قوة هذه الروابط في تحديد مواقف المجتمع السياسية وخياراته الانتخابية، أما المجتمع لقد انقطع الجلبي عن المجتمع العراقي منذ خمسينيات القرن الماضي، تركه فيه ملامح حضرية وطبقة وسطى ذات تعليم جيد، وعاد إليه وهو منهك اجتماعياً ونفسياً، بسبب الاستبداد والحرب والجوع وتغير بشكل كامل ملامحه، حيث أخذت العشيرة والطائفة والقومية هي من تشكل أسلوب تعامله مع الأفراد والحياة والسياسة.

وعلى الرغم مما اثاره الجلبي من جدل حول شخصيته ودوره في تغير النظام الديكتاتوري، ولكنه يبقى تجربة ملفتة بحاجة للفهم، لعلنا نصل عبرها إلى رؤية نحلل بها تناقضات العراق ومجتمعه ومحنته في السياسية، التي بات تمارس عبر المال والسلاح والاستقواء الإقليمي.

كتب موقع BBC

ان الدكتور أحمد الجلبي السياسي العراقي المفضل، لدى الأمريكيين، لقيادة العراق بعد تغيير نظام صدام حسين، لكن علاقته مع الإدارة الأمريكية ساءت في خضم ظروف الاحتلال والتنافس على السلطة الذي أعقب الاطاحة بالنظام.

ويعتقد أنه لعب دورا رئيسيا في السعي إلى إقناع الولايات المتحدة وبريطانيا بضرورة التدخل الخارجي لتغيير نظام صدام الذي انهار إثر دخول القوات الأمريكية في عام 2003. وكان الجلبي أحد أول الزعماء العراقيين المعارضين الذين عادوا إلى البلاد حينذاك، ساعيًا إلى تثبيت نفوذه السياسي وتوسيعه.

وأسس الجلبي (المؤتمر الوطني العراقي) في لندن بهدف جعله مظلة تنضم إليها قوى عراقية للضغط من أجل إقامة نظام ديمقراطي في البلاد بعد القضاء على نظام البعث الحاكم آنذاك. لكن المؤتمر لم ينجح في أن يكون تجمعا للقوى المعارضة واتخذ شكل التنظيم المنفرد.

وبالرغم من تمكن الجلبي الحاصل على شهادة الدكتوراه في الرياضيات من الجامعات الأمريكية، من التأثير على مراكز صنع القرار في واشنطن ولندن، كان ينفي دائما طموحه في شغل أي مراكز قيادية في العراق بعد تغيير النظام.

 

كتب موقع قناة العربية

في مقال عن الراحل أحمد الجلبي جاء فيه (كان ذلك السياسي الأردني، خرّيج الجامعة الأميركية في بيروت، من أعنف المعارضين لصدّام حسين ونظامه، ومن بين الذين عملوا ضدّه بكلّ ما يستطيعون في مرحلة كان الشارع الأردني متعاطفا، بأكثريته، مع النظام العراقي السابق.

مقارنة بالسياسيين العراقيين الآخرين إبّان عهد صدّام أو قبله، أي في المرحلة الممتدة من صيف العام 1958، تاريخ الانقلاب العسكري على العائلة المالكة الهاشمية، وحتى يومنا هذا، لا يوجد سياسي عراقي لعب دورا في حجم الدور الذي لعبه أحمد الجلبي. إذا وضعنا جانبا بعض الزعماء الأكراد مثل مسعود بارزاني، كان الجلبي يتلاعب بالآخرين. لم يكن من مجال للمقارنة بين قدراته العقلية وقدرات هؤلاء.

كانت العملية المحورية الأولى التي أتقنها أحمد الجلبي تتمثّل في اللعب مع الإيرانيين. أما العملية الثانية فتمثّلت في تحقيق التقارب الأميركي-الإيراني والتعاون بين الجانبين تجاه العراق. عمل على ذلك، خصوصا بعد تمكّنه من إقناع إدارة بوش الابن بضرورة التخلّص من صدّام حسين ونظامه.

 

مرّة أخرى لعبت القدرة على الإقناع لدى أحمد الجلبي دورها في جعل الإدارة الأميركية تسير في مشروع خطّط له بنفسه. استطاع عالم الرياضيات، خرّيج جامعتين أميركيتين مرموقتين، إقناع إدارة بوش الابن بالعلاقة بين صدّام حسين و”القاعدة”. كان لابدّ من التخلّص من صدّام حسين ونظامه.

من دون أحمد الجلبي، لم يكن ممكنا حصول التقارب الأميركي-الإيراني ، والتعاون في العمق الذي قاد إلى حرب 2003. أخذ أحمد الجلبي كلّ المعارضين العراقيين إلى مؤتمر لندن في ديسمبر 2002 وذلك كي يضعوا قاعدة لاتفاق بينهم برعاية أميركية-إيرانية. كان أحمد الجلبي الذي جاء بالجميع في طائرة أقلعت من طهران يدير في الواقع المؤتمر الذي أسّس لمرحلة ما بعد الحرب، من الناحية النظرية. كان المؤتمر في حاجة إلى المكوّن الشيعي. جاء الجلبي بهذا المكوّن بشخص الراحل عبد العزيز الحكيم (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق). جاء السيد عبد العزيز الحكيم (١٩٥٠- ٢٠٠٩)، وقتذاك، إلى العاصمة البريطانية من طهران في طائرة واحدة كان عليها أيضا جلال طالباني ومسعود بارزاني وآخرون كثر.

كان أي خلاف يحصل داخل المؤتمر يحال على أحمد الجلبي الذي عرف كيف يستخدم النفوذ الإيراني والغطاء الأميركي لتحقيق مبتغاه. خرج مؤتمر لندن بالوثيقة الأخطر بالنسبة إلى مستقبل العراق. تضمنت هذه الوثيقة عبارة (الأكثرية الشيعية في العراق) إرضاءً لإيران، و(الصيغة الفيديرالية) إرضاءً للأكراد. إلى الآن لا يزال العراق يعاني من نتائج الخروج بهذه الوثيقة التي جعلت مستقبل البلد في مهبّ الريح، خصوصا بعد خروج إيران المنتصر الوحيد من حرب 2003.

تلاعب أحمد الجلبي بالأميركيين. عرف تماما كيف يتّخذ القرار في واشنطن. عرف خصوصا كيف يستفيد من أي فرصة تبرز على أرض الواقع. لذلك جعل بول ولفوويتز نائب وزير الدفاع يطرح مباشرة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 فكرة “الذهاب إلى العراق”. ليس معروفا إلى الآن لماذا طرح ولفوويتز الفكرة في الاجتماع الأول الذي عقدته القيادة الأميركية في كامب ديفيد بعد غزوتي واشنطن ونيويورك اللتين كان أسامة بن لادن و”القاعدة” خلفهما. العارفون يقولون إن نائب وزير الدفاع كان يتكلّم وقتذاك باسم أحمد الجلبي الذي ما لبث أن أخذ الولايات المتحدة إلى كارثة العراق، وذلك قبل الانتهاء من حرب أفغانستان. خاضت الولايات المتحدة حربين في الوقت ذاته بناء على نصائح أحمد الجلبي!

وفاته

توفي أحمد الجلبي فجر يوم الثلاثاء ٣ تشرين الثاني ٢٠١٥  في بغداد عن عمر يناهز 71 عاما إثر نوبة قلبية، على الرغم من ظهور بعض النظريات التي تشكك بوفاته الطبيعية وتداول في الإعلام بعض المؤامرات حول اغتياله بالـسم إلا أن التقرير الطبي النهائي أظهر أن وفاته طبيعية إثر نوبة قلبية.

تم تشييع جنازة الجلبي بموكب رسمي من مجلس النواب العراقي حضره السادة النواب والزعامات السياسية والمسؤولون الحكوميون الحاليون والسابقون بينهم رؤساء وزراء. وقد رافق النعش كوكبة من الدراجات النارية حتى مكان دفنه داخل الروضة الكاظمية الشريفة.

إن عائلة الجلبي، جُبلت على حب آل البيت، وعُرفوا بذلك عبر تاريخهم بدفاعهم عن اتباعهم، ما جعلها تتعرض الى التهميش والعزل، من قبل الأنظمة السياسية التي حكمت العراق، فقد دُفن جد احمد، المرحوم الحاج عبد الحسين الجلبي، وهو من مؤسسي الدولة العراقية، في صحن أمير المؤمنين عليه السلام في النجف الاشرف، كما إن والد احمد، الحاج عبد الهادي الجلبي، مدفون في مرقد السيدة زينب عليها السلام، في العاصمة السورية، دمشق.

وقد نعته شخصيات عراقية وعربية ودولية . فقد أصدر مكتب الأمم المتحدة بياناً قال فيه ( أعرب يان كوبيش الممثل الخاص للأمين العام في العراق (يونامي) عن الحزن العميق لفقدان زعيم عراقي رفيع المستوى الذي اصبح شريكاً للأمم المتحدة والمنطقة).

من أقوال الجلبي

-ظاهرة العنف ظاهرة مرضية عرفتها المنطقة برمتها. فقد ذكرتها المدونات التاريخية العربية ، وليست خاصة بالعراق وحده ، ولكن مشكلة العنف بالعراق حقيقة تاريخية. وتحتاج إلى ورشة عمل وبرامج تربوية للتخلص من مسبباتها.

– من الشخصيات التاريخية التي تأثرت بها هي شخصية الإمام علي (ع) ، لإيثاره الحق والمبدأ على السلطة والحكم. وكذلك بالإمام الحسين (ع) الذي انتصر بموته على الباطل.

– من السياسيين أعجبتُ بالملك فيصل الأول ونوري سعيد عربياً ، وبالجنرال ديغول عالمياً. فهذا الرجل وقف ودافع عن فرنسا ، وعن مبادئه الوطنية عندما كان وحيداً ، ولا يملك شيئاً أمام القوى ذات الإمكانيات العالية وبخاصة أمريكا روزفلت ، التي كانت تسخر منه وتعتبره مجرد صورة هزلية لجان دارك ونابليون. ومن الشخصيات التاريخية أعجبتُ وتأثرتُ كثيراً بالإسكندر المقدوني ، لجهده وصبره في توحيد حضارات العالم القديم.

– تأثرت بالفيلسوف الألماني هيغل (١٧٧٠- ١٨٣١) و فطرحه مدهش ، وبخاصة تأسيسه لحركة في التفكير ، وطروحاته عن حركة التاريخ. وأجد تشابهاً ، من بعض الأوجه ، بينه وبين الفيلسوف المسلم صدر الدين الشيرازي، فصدر الدين الشيرازي (١٥٧٢- ١٦٤٠) المعروف بـ (ملا صدرا) أنجز نظرية مهمة أسماها (الحركة الجوهرية) وهي نظرية عميقة جداً.

-وأعجبت بالشخصية الصوفية العرفانية ذات طرح فكري عميق ، وهي الشاعر والمتصوف محي الدين بن عربي (١١٦٥-١٢٤٠ م) . فقد تأثرت بكتاباته وانسانيته ونظرية المحبة التي يدعو إليها:

أدين بدين الحب أنى توجهت***ركائبه فالحب ديني وإيماني

– طموحي ليس في السلطة والزعامة ، فطبيعتي الشخصية ، وتكويني التربوي ، عشقتُ العلم والمعرفة والاطلاع على الدنيا ومساعدة الناس. وأنا مؤمن بحقيقة أن الانسان في السلطة ، سيظلم طرفاً أو شخصاً ما مهما حاول صادقاً ، أن يكون عادلاً في قراراته وسلوكه ، فلم يكن حلمي أبداً نيل السلطة. ولو كان هذا حلمي ، لكان تحقيقه سهلاً ، بمجرد مجاراة الحاكم الأمريكي بول بريمر والأمريكيين ، وإقامة علاقات معهم (تبعية لها).

ولقد كان عندي من الإمكانات ، وبخاصة في تلك الحقبة في العراق (بعد سقوط النظام البائد) ، ما يمكنني من أن أكون في قلب الأمريكان ، أو أن أكون رجلهم الأثير في البلاد. وهذا ما اعترفت به بعض الصحف الغربية ، مثل نيوزويك Newsweek بعد لقاء أجرته معي ببغداد في مايس ٢٠٠٣ ، حيث كتبت: (أمريكا لا تستطيع أن تحكم العراق: السياسي العراقي أحمد الجلبي ، رغم دعم البنتاغون له ، إلّا أنه يرفض أن يكون مرشح الأمريكان).

وإذا قرأت أي كتاب يتحدث عن تلك الحقبة ، ستجد أنني كنتُ أشاكس (بريمر) ، وأتدخل في تفاصيل عمله وانتقده. ولو كنت أريد أن أصبح رئيساً ، فكيف أفعل هذا والقرار بيد الأمريكان؟ شاكستهم وواجهتُ سياستهم إلى درجة أنهم هاجموا منزلي. وكنت أقول وأعلن عن مواقفي بصراحة ، ناقداً سياسات بريمر التي لا تصب في مصلحة العراق. وفي عملية الهجوم على النجف (عام ٢٠٠٤) قلت: النجف ليست ستالينغراد لكي تُضرب بهذه الطريقة.

– الحكومة الأمريكية أصدرت مذكرة خاصة ، أشارت لها الصحافة الأمريكية ، تتألف من سبع صفحات للتعامل معي. وقد أطلقوا عليها اسم (تهميش الجلبي Marginalizing Chalabi ) ، وقد نظمها (مجلس الأمن القومي الأمريكي). وهو مجلس يضم أعلى المسؤولين السياسيين والأمنيين العاملين في السياسة الخارجية في أمريكا.

-كنت أستخدم جواز السفر العراقي ، وعندما رفضت السفارات البعثية تجديده ، استخدمت الجواز اللبناني الذي سعى والد زوجتي المرحوم عادل بك عسيران عام ١٩٨٢ والتقى رئيس الجمهورية الياس سركيس للحصول عليه. وحين حاولت السفر إلى أوروبا حدثت مشاكل ، فحصلت على جواز السفر البريطاني.

-أنا أعشق العراق ، وكنت متلهفاً للقدوم إليه بأسرع وقت. أحاول تأسيس علم جديد يُعنى بدراسة العراق وثقافاته وشعوبه وتراثاته. وأحاول أن أترك أثراً في حركة نهضة عراقية حقيقية. وهناك مشروع أعتبره شخصياً ، نموذجياً للعراق والمنطقة عن حلف أمني واقتصادي بين العراق وسوريا وتركيا وإيران.

 

المصادر

-حنا بطاطو ( العراق:  الطبقات الاجتماعية ، ج ١) ، فصل (الچلبيون والتجار) ، ص259 ، الطبعة الأولى ، مؤسسة الأبحاث العربية ، بيروت : ١٩٩٠

– مصطفى عبد الكريم الخطيب ( معجم المصطلحات والألقاب التاريخية) ، ص125

– (شؤون وشجون عراقية ، حوارات مع الدكتور أحمد الجلبي ) ، منشورات المؤتمر الوطني العراقي

– فهد مسلم زغير (عبد الحسين الجلبي .. حياته ودوره السياسي ١٨٧٦-١٩٣٩) ، مجلة كلية التربية الأساسية، الجامعة المستنصرية ، العدد (١٠٥) المجلد (٢٥) ، السنة (٢٠١٩) ( ص ٢٤٨- ٢٧٢)

– صلاح عبد الرزاق (العراق والإسلام السياسي) ، دار قناديل ، بغداد : ٢٠١٧

– طه العاني (هل اغتيل أحمد الجلبي لإخفاء أسرار الفساد في العراق) ، موقع الجزيرة https://www.aljazeera.net/ في ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٠

– موقع منشور عادل عبد المهدي Adil Abd Al-Mahdi في ٢ تشرين الثاني  ٢٠١٦

–  علاء حميد إدريس ( أحمد الجلبي: الرجل الذي دفع أمريكا لتغير النظام 1968 – 2003  ، جريدة الصباح https://alsabaah.iq/ ، في ٢٣ كانون الثاني ٢٠٢٤

– ( نبذة عن حياة السياسي العراقي الراحل أحمد الجلبي) ، موقع بي بي سي www.bbc.com/arabic في ٣ تشرين الثاني ٢٠١٥

– خير الله خير الله (أحمد الجلبي .. العبقري الذي لم يعرف حدود عبقريته) ، موقع العربية https://www.alarabiya.net/ في 6 تشرين الثاني 2015

– ريتشارد بونين (أحمد الجلبي .. الرحلة الطويلة من المنفى إلى السلطة) ، في موقع صوت الأمة العراقية https://iraqination.net/ في ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٤

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *