ليست أخطر ما في محاكمة علماء الدين الشيعة في البحرين التهم الموجهة إليهم فحسب، بل ما تحمله هذه المحاكمة من دلالات سياسية وحقوقية تمس مكانة الطائفة الشيعية وحقوقها، وتطرح أسئلة خطيرة بشأن استقلال القضاء، وحرية التعبير، وحدود تعامل السلطة مع الاختلاف الديني والسياسي.
فما نُشر عن جلسة محاكمة العلامة الشيخ محمد صنقور، والسيد مجيد المشعل، والشيخ فاضل الزاكي، إلى جانب عدد من علماء الدين، يضع السلطات البحرينية أمام اختبار حقيقي: هل تريد محاكمة عادلة تستند إلى أدلة واضحة، أم أنها تمضي في إجراءات من شأنها تعميق أزمة الثقة بينها وبين شريحة واسعة من المواطنين؟
إن الروايات المتداولة عن جلسة السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2026، وما نُسب إلى العلامة الصنقور من حديث عن ظروف احتجازه، وتدهور حالته الصحية، وإجباره على الوقوف معصوب العينين لمدة أسبوع، ثم وجود اختلاف بين الأسئلة التي قيل إنه واجهها في النيابة العامة والإفادة المطولة المنسوبة إليه لاحقًا، تثير تساؤلات لا يجوز تجاهلها. وإذا ثبتت صحة هذه الادعاءات، فإنها تستوجب تحقيقًا مستقلًا وشفافًا، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبت بالأدلة.
فلا يجوز أن تتحول كرامة الإنسان إلى تفصيل هامشي في محاكمة يفترض أنها تقام باسم العدالة.
العلامة الصنقور: القضية أكبر من شخص
بحسب الروايات المنشورة، لم يتعامل العلامة محمد صنقور مع المحاكمة باعتبارها قضية شخصية تخصه وحده، بل رأى أن ما يجري يتجاوز الأفراد ليطال علماء الطائفة الشيعية ومكانتهم في المجتمع البحريني.
وهنا تكمن أهمية موقفه: إذ إن القضية لم تعد، في نظره، مجرد دفاع عن متهم أمام قاضٍ، بل أصبحت سؤالًا عن حقوق جماعة دينية كاملة، وعن مدى احترام دور علمائها في التعليم والتوعية والإرشاد الديني والاجتماعي.
إن العالم الديني ليس مجرد شخص يحمل لقبًا أو يتصدر منبرًا: فهو، بالنسبة إلى قطاع واسع من المجتمع، مرجعية معرفية وروحية واجتماعية. ولذلك فإن التعامل معه بمنطق الاشتباه لمجرد خطابه أو مكانته أو مواقفه لا يهدد حقوقه الفردية وحدها، بل ينعكس على شعور أتباعه بالأمان والمساواة والانتماء الوطني.
ولا يعني ذلك أن العلماء فوق القانون، أو أن مكانتهم الدينية تمنحهم حصانة من المساءلة. فالجميع متساوون أمام القانون، لكن هذه المساواة لا تتحقق إلا عندما تستند المحاكمة إلى أدلة محددة، ويُمنح المتهم حق الدفاع الكامل، وتُصان كرامته، وتُستبعد كل إفادة يثبت أنها انتُزعت بالإكراه.
أما إذا كانت التهم قائمة، كما تقول الروايات المتداولة، على تفريغ خطابات العلماء وتأويل مواقفهم، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا: هل يُحاسب هؤلاء على أفعال مجرّمة بأدلة واضحة، أم على خطاب ديني ومواقف لا تنسجم مع رغبات السلطة؟
أي عدالة تمنع المتهم من الكلام؟
من أخطر ما أُثير بشأن الجلسة محاولات منع العلماء من الحديث والدفاع عن أنفسهم. وإذا صحت هذه الروايات، فإن الأمر لا يتعلق بخلاف عابر بين القاضي والمتهم، بل بمسألة تمس أحد أهم أركان المحاكمة العادلة: حق الدفاع.
إن القاضي الذي يستمد سلطته من القانون لا ينبغي أن يخشى سماع المتهم، مهما كان موقعه الاجتماعي أو الديني، كما أن الدولة الواثقة من سلامة إجراءاتها لا تحتاج إلى حجب أصوات المتهمين كي تثبت صحة موقفها.
فإذا كانت الأدلة قوية، فلتُعرض أمام المحكمة، وليُسمح للمتهمين ومحاميهم بمناقشتها. وإذا كانت الإفادات محل نزاع بشأن ظروف تدوينها، فلتُحقق الجهات المختصة في تلك الظروف. أما أن يُثار جدل حول الإكراه، ثم يُترك بلا إجابة واضحة، فذلك يضعف الثقة بالإجراءات القضائية ويمنح الشكوك مساحة أكبر للانتشار.
إن العدالة لا تُقاس بقدرة المحكمة على فرض الصمت، بل بقدرتها على إظهار الحقيقة وضمان حقوق الجميع.
استهداف العلماء لا يصنع الاستقرار
تخطئ أي سلطة تعتقد أن التضييق على العلماء يمكن أن يحقق استقرارًا دائمًا. فالإجراءات التي يُنظر إليها باعتبارها استهدافًا لمرجعيات دينية قد تزيد الاحتقان بدلًا من معالجته، وتحوّل الخلافات القائمة إلى أزمة أعمق تتعلق بالهوية والمواطنة والثقة بالمؤسسات.
إن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بإخافة المجتمع أو إضعاف مؤسساته الدينية والاجتماعية، بل بضمان الحقوق، واحترام التعدد المذهبي، وإتاحة المجال أمام التعبير السلمي، ومعالجة الخلافات بالحوار والقانون.
وإذا كانت السلطة تريد إقناع المواطنين بأن القضاء مستقل وأن المحاكمات عادلة، فإن الطريق لا يمر عبر البيانات العامة أو تبرير الإجراءات، بل عبر الشفافية، وإعلان التهم والأدلة، وضمان حق الدفاع، والسماح بالرقابة الحقوقية المستقلة وفق الأطر القانونية.
كما أن احترام علماء الدين لا يتعارض مع دولة القانون، بل يشكل أحد اختبارات قدرتها على تطبيق القانون على الجميع من دون تمييز. فلا يجوز أن تصبح الهوية المذهبية عاملًا يضاعف الشكوك حول عدالة الإجراءات أو يجعل المواطنين يشعرون بأن حقوقهم أقل من حقوق غيرهم.
البحرين لجميع أبنائها
إن البحرين ليست ملكًا لفئة دون أخرى، ولا يمكن بناء دولة مستقرة على أساس يشعر فيه جزء من المواطنين بأن هويتهم الدينية تضعهم دائمًا في موضع الاتهام، أو أن علماءهم عرضة للملاحقة بسبب دورهم ومكانتهم في المجتمع.
والمطلوب اليوم هو وقف أي إجراءات تعسفية بحق العلماء، وضمان محاكمة عادلة ومستقلة، والتحقيق في ادعاءات الإكراه وسوء المعاملة، والإفراج عن الموقوفين متى انتفى الأساس القانوني لاستمرار احتجازهم، وصون حرية ممارسة الشعائر الدينية والتعبير السلمي.
كما ينبغي ألا تتحول المحاكمة إلى وسيلة لتصفية الخلافات السياسية أو فرض تفسير واحد للشأن العام. فالدولة القوية هي التي تستطيع استيعاب الاختلاف، لا التي ترى فيه تهديدًا يستوجب الإقصاء.
إن استمرار هذه القضية من دون إجابات مقنعة لن يبدد المخاوف، بل قد يزيدها. أما اتخاذ خطوات جدية لضمان العدالة، فإنه يفتح الباب أمام استعادة الثقة وتخفيف الاحتقان.
كلمة أخيرة
على السلطات البحرينية أن تدرك أن محاكمة العلماء ليست مسألة قضائية معزولة عن المجتمع، بل قضية تتصل بكرامة المواطنين وحقوقهم وبمدى التزام الدولة بمبدأ المساواة أمام القانون.
فإذا ثبت أن الإجراءات شابها إكراه أو انتهاك لحق الدفاع، فإن تصحيحها ليس منّة من السلطة، بل واجب قانوني وأخلاقي. وإذا كانت هناك اتهامات جدية، فلتُعرض أدلتها أمام قضاء مستقل، بعيدًا عن أي ضغط سياسي أو أمني.
إسكات العالم لا يُسكت الفكرة، وتقييد المنبر لا يصنع الاستقرار، ومحاكمة الأصوات لا تمنح السلطة شرعية إضافية.
إن الطريق إلى البحرين المستقرة لا يمر عبر التضييق على علمائها، بل عبر دولة تحترم مواطنيها جميعًا، وتحمي حقوقهم من دون تمييز، وتدرك أن العدالة ليست أداة لإخضاع المجتمع، وإنما ضمانة لكرامته وحريته.
فالسلطة التي تثق بعدالة موقفها لا تخشى الكلمة، والدولة التي تحترم مواطنيها لا تجعل علماءهم خصومًا لمجرد اختلافهم معها.


