بعد الاطلاع على الأرقام الأولية المتداولة لموازنة العراق لعام 2027، والتي لم تصدر بصيغتها الرسمية النهائية بعد، يتبين لنا أن النهج المالي الذي رافق الموازنات السابقة ما زال مستمراً، والمتمثل في توسيع الإنفاق الحكومي، ولا سيما تخصيصات الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية، من دون معالجة حقيقية للاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي، وفي مقدمتها الاعتماد المفرط على النفط، وتضخم النفقات التشغيلية، وضعف الإيرادات غير النفطية. وما يثير القلق أن هذه التوجهات تأتي في وقت يواجه فيه العراق ضغوطاً مالية تستدعي إعادة النظر في أولويات الإنفاق، بدلاً من الاستمرار في توسيع الالتزامات المالية للدولة.
فبحسب الأرقام الأولية المنشورة، تبلغ النفقات العامة المقترحة نحو 217.239 تريليون دينار، مقابل إيرادات متوقعة قدرها 174.234 تريليون دينار، أي بعجز مخطط يبلغ نحو 43 تريليون دينار. وبالمقارنة مع موازنة عام 2023، التي بلغت تخصيصاتها نحو 199 تريليون دينار، نجد أن الإنفاق المقترح لعام 2027 ارتفع بنحو 18 تريليون دينار، أي ما يقارب 9%. وهذه الزيادة لا تعني بالضرورة تحسناً مماثلاً في قدرة الاقتصاد على توليد الإيرادات أو خلق فرص العمل، خصوصاً إذا كانت موجهة أساساً لتغطية الالتزامات الجارية. وكان المتوقع، في ظل الأزمة المالية والضغوط التي تواجهها الدولة، أن تتجه السياسة المالية نحو ترشيد النفقات غير الضرورية وتحسين كفاءة الإنفاق العام، لا الاستمرار في رفع سقفه من دون إصلاح واضح.
والأكثر إثارة للقلق أن النفقات التشغيلية، وفق هذه التقديرات، بلغت 169.342 تريليون دينار، لتستحوذ على نحو 78% من إجمالي الموازنة، مقابل 47.897 تريليون دينار للنفقات الاستثمارية، أي نحو 22%. وبالمقارنة مع التخصيصات الرأسمالية في موازنة 2023، التي بلغت نحو 49.4 تريليون دينار، يتضح أن الحصة المخصصة للاستثمار قد تراجعت، رغم ارتفاع الإنفاق الكلي. وهذا يتعارض مع التوجهات الحكومية المعلنة بشأن تقليص النفقات التشغيلية وتعزيز الإنفاق الاستثماري. كما أن استمرار هذه التركيبة يحد من قدرة الموازنة على تمويل مشاريع البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، ويجعل الجزء الأكبر من الموارد موجهاً لتغطية احتياجات آنية بدلاً من بناء مصادر دخل مستقبلية.
وتبلغ تخصيصات الرواتب والرعاية الاجتماعية مجتمعة نحو 101.157 تريليون دينار، أي ما يقارب 47% من الإنفاق العام. والمشكلة هنا لا تكمن في دفع الرواتب أو دعم الفئات الهشة، فهذه التزامات اجتماعية ضرورية لا يمكن تجاهلها، وإنما في استمرار نموها من دون إصلاح إداري وإنتاجي يضمن أن يقابل هذا الإنفاق تحسن ملموس في مستوى الخدمات وكفاءة المؤسسات العامة. فكلما اتسعت الالتزامات الثابتة، تقلصت مرونة السياسة المالية وقدرتها على الاستجابة للصدمات، وأصبحت الدولة أكثر اعتماداً على استمرار التدفقات النفطية لتمويل نفقاتها الأساسية، بصرف النظر عن مستوى النشاط الاقتصادي والإنتاجية.
أما جانب الإيرادات، فما زال يكشف عن الاختلال نفسه، إذ تبلغ الإيرادات النفطية المقدرة 144.720 تريليون دينار، بما يمثل نحو 83% من إجمالي الإيرادات العامة، مقابل 29.514 تريليون دينار للإيرادات غير النفطية. وعلى الرغم من أن هذه الأخيرة تبدو أعلى من تقديرات موازنة 2023، فإن ذلك لا يكفي للحكم بحدوث تحول هيكلي في مصادر التمويل، ما لم يترافق مع توسع فعلي في النشاط الاقتصادي وتحسن كفاءة التحصيل الضريبي والجمركي. فالموازنة ما زالت تعتمد بصورة رئيسية على أسعار النفط وكميات التصدير وسعر الصرف المعتمد في احتساب الإيرادات، الأمر الذي يبقي الاستقرار المالي مرتبطاً بمتغيرات لا تتحكم الدولة بجميعها.
وصحيح أن العجز المخطط لعام 2027 يقل عن العجز المقدر في موازنة 2023، الذي تجاوز 64 تريليون دينار، لكن انخفاض العجز على الورق لا يمثل بحد ذاته دليلاً على نجاح الإصلاح المالي، ما دامت النفقات الجارية مرتفعة والاستثمار المنتج محدوداً قياساً بحجم الاحتياجات الاقتصادية. كما أن افتراض سعر النفط عند 58 دولاراً للبرميل لا يلغي مخاطر تقلب الأسعار أو احتمال عدم تحقق الإيرادات المقدرة.
وأعتقد أن الخطر الأكبر يكمن في اعتماد الموازنة على تصدير نحو أربعة ملايين برميل يومياً، في وقت لا تبدو فيه المؤشرات السياسية والإقليمية مطمئنة، فضلاً عن التحديات التي تواجه البنية التحتية النفطية وقدرات النقل والتصدير. فهذه الكمية ليست مجرد رقم محاسبي، وإنما افتراض أساسي تتوقف عليه سلامة تقديرات الإيرادات والعجز. وأي انخفاض مستمر في الصادرات الفعلية عن المستوى المفترض سيؤدي إلى اتساع الفجوة التمويلية، ما لم تعوضه زيادة في الأسعار أو مصادر الإيرادات الأخرى. وتزداد خطورة ذلك عندما تكون معظم النفقات التزامات تشغيلية يصعب تخفيضها خلال السنة المالية.
إن المشكلة الجوهرية في موازنة 2027 ليست في كبر أرقامها فحسب، وإنما في أنها، وفق المعطيات الأولية المتاحة، لا تقدم تحولاً واضحاً في فلسفة إدارة المال العام. فبدلاً من توجيه جزء أكبر من الثروة النفطية نحو بناء قاعدة اقتصادية متنوعة، ما زال الإنفاق الجاري يستحوذ على الحصة الأكبر، فيما تبقى معالجة ضعف الصناعة والزراعة ومحدودية القاعدة الضريبية وفرص العمل دون المستوى المطلوب. وحتى الإنفاق الاستثماري لا يمكن الحكم على جدواه من حجم التخصيصات وحده، بل من قدرة المؤسسات على تنفيذ المشاريع وإنجازها وتحويلها إلى أصول إنتاجية وخدمات فعلية.
والخلاصة أن العراق لا يحتاج إلى موازنة أكبر بقدر حاجته إلى موازنة أكثر إنتاجية، تضبط نمو النفقات غير الضرورية، وترفع كفاءة الإنفاق الاستثماري، وتوسع قاعدة الإيرادات غير النفطية، وتحول عائدات النفط إلى أصول ومشروعات تولد دخلاً مستداماً. وهذا يتطلب أن تكون أولويات الموازنة مرتبطة بالإصلاح الاقتصادي والإداري، لا بمجرد توفير التمويل للالتزامات المتزايدة. أما الاستمرار في زيادة الإنفاق من دون إصلاح مصادر الإيرادات وبنية الاقتصاد، فلن يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة المالية بدلاً من حلها، وسيجعل الدولة أكثر عرضة للاهتزاز كلما تراجعت أسعار النفط أو تعثرت صادراته.


