صندوق الأجيال .. حلم جميل يصعب تحويله إلى واقع ..

صندوق الأجيال .. حلم جميل يصعب تحويله إلى واقع ..
يطرح صندوق الأجيال قضية تتجاوز الاقتصاد إلى العدالة الاجتماعية والتوازن بين حقوق الأجيال الحالية والقادمة. ويرتبط نجاحه بحماية الخدمات الأساسية، وتوفير فرص العمل، وضمان شفافية إدارة الثروة النفطية وتوزيع منافعها بعدالة، بما يعزز الثقة العامة والاستقرار المجتمعي...

أعلن رئيس مجلس الوزراء السيد علي فالح الزيدي ، أمام مجلس النواب في 8 تشرين الأول 2026 ، عن تأسيس صندوق الأجيال لتمويل المشاريع في مختلف القطاعات ، مؤكدًا أن الصندوق سيُحدث أثرًا تنمويًا كبيرًا ..

لا شكّ أنّ فكرة صندوق الأجيال تحمل أهمية اقتصادية وتنموية كبيرة ، فهي تقوم على مبدأ ادخار جزء من ثروات الحاضر واستثمارها بما يضمن حقوق الأجيال القادمة .. لكنّ الإعلان عن تأسيس الصندوق يفتح أمامنا سؤالًا جوهريًا لا يمكن تجاوزه ، من أين سيموَّل هذا الصندوق ، والعراق ما زال أسير موازنات العجز المتعاقبة ؟

إنّّ المشكلة لا تكمن في فكرة الصندوق ، بل في البيئة المالية والاقتصادية التي يُراد له أن يعمل فيها .. فكيف يمكن لدولة تعاني عجزًا في موازناتها ، وتعتمد بصورة أساسية على الإيرادات النفطية لتغطية نفقاتها العامة ، أن تدّخر أموالًا للأجيال القادمة من دون أن تعالج أولًا الاختلالات البنيوية في ماليتها العامة ؟

دولة الرئيس الزيدي .. إنّ صندوق الأجيال لا يمكن أن يقوم على الاقتراض ، ولا أن يكون مجرد حساب مالي يُنشأ بقرار حكومي من دون موارد مستدامة تغذّيه .. فالصندوق الحقيقي يحتاج إلى فوائض مالية فعلية ، تتوافر بعد تأمين احتياجات الدولة الأساسية ، وضبط الإنفاق العام ، والحد من الهدر ، وتنمية الإيرادات غير النفطية ، وتنويع مصادر الدخل الوطني ..

ومن هنا فإنّ الطريق إلى تأسيس صندوق فاعل للأجيال القادمة يبدأ بإصلاح الموازنة العامة ، وإعادة النظر في فلسفة إعدادها ، والتحول من موازنات استهلاكية تعتمد على الإيرادات النفطية إلى موازنات إنتاجية تسهم في تنويع الاقتصاد ، وتوسيع القاعدة الإيرادية للدولة ، وتقليل الاعتماد على النفط ..كما يتطلب الأمر وضع آلية قانونية واضحة لتغذية الصندوق ، تحدد نسبة من الفوائض المالية المتحققة في سنوات الوفرة النفطية ، وتضمن استقلالية إدارته وشفافية استثماراته ، وتحول دون استخدام أمواله لتغطية النفقات التشغيلية أو سدّ عجز الموازنة . فالغرض من الصندوق هو بناء أصول استثمارية مستدامة للأجيال القادمة ، لا توفير مصدر مالي إضافي لحكومة تعاني اختلالات الإنفاق والإيرادات ..

دولة الرئيس .. قبل أن نترك ثروة للأجيال القادمة ، علينا أولا أن نوقف استنزاف ثروات الأجيال الحاضرة . فمع موازنات العجز ، سيبقى صندوق الأجيال حلمًا جميلًا يصعب تحويله إلى واقع ..

إنّ صندوق الأجيال ليس بديلًا عن إصلاح الموازنة ، بل هو إحدى ثمار هذا الإصلاح . ونجاحه لا يُقاس بقرار تأسيسه أو بحجم الأموال التي يُعلن عن تخصيصها له ، وإنما بقدرته على تحويل جزء من الثروة النفطية الناضبة إلى استثمارات وأصول منتجة تضمن مستقبل العراق الاقتصادي ..

إصلاح الموازنة أولًا ، وتحقيق الفوائض ثانيًا ، وتمويل صندوق الأجيال ثالثًا . هذا هو التسلسل الاقتصادي المنطقي الذي يجعل الصندوق مشروعًا قابلًا للتحقق ، لا حلمًا جميلًا يصطدم بواقع العجز المالي ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *