هل تسهم زيادة سعر صرف الدولار في زيادة وعي الجماهير في العراق؟
ثمة نقاط وجب تثبيتها في البحث عن تبعات توالي أزمات البلاد التي كان اخرها ما أقدمت عليه حكومة رجل الاعمال (الزيدي) من زيادة في سعر صرف الدولار التي ترتب عليها ارتفاع في أسعار السلع والمواد والخدمات في عموم البلاد ، بما ينذر بخطر يهدد استقرار واستمرار حياة الناس . أولى هذه النقاط هي ان الشعب لا يزال متمسكاً بفكرة صحيحة لكنها لم تعد صالحة في العمل السياسي في ظل نظام عالمي أمريكي ، وهي ان الدولة مسؤولة بشكل كامل عن امن وسلامة وحقوق الشعب .
هذه الفكرة الصحيحة انتهى مفعولها عندما سمح رأس المال العالمي بوصول رجل اعمال مثل (ترامب) الى مركز القرار العالمي ، ذلك المركز الذي يتدخل بصناعة القرار في كل مكان حول العالم تقريباً ، خصوصاً في بلد محتل مثل العراق ، وفي تبرير رئيس الحكومة لسبب رفع سعر الصرف ما يؤكد ان الحكومة غير معنية بالشعب الا بالقدر الذي يبقيها متسلطة عليه ، فأول ما ذكره في البرلمان ان الحكومة ستستفيد كثيراً من المال بسبب هذه الزيادة ، والحكومة تعلم ان في العراق اكثر من عشرة ملايين مواطن يعيش تحت خط الفقر منذ سنين طويلة ، وتعلم ان زيادة سعر الصرف سيزيد أسعار السلع والمواد والخدمات ، وتعلم ان الموظف العادي والمواطن الكاسب ليسا طرفاً في الأزمة المالية التي تسببت بها أحزاب السلطة ، ومع ذلك حصر الحلول بالموظف لا بالمسؤول الذي تكلف رواتبه ونفقاته وحماياته ومخصصاته مبالغ تفوق راتب الموظف غير المسؤول .
قال احد المتسلطين ان ما حصل كان بتوجيهات من البنك الدولي ، وبرغم الاقتراحات الكثيرة المفيدة التي ذكرها غير واحد من المعنيين والمختصين لتجاوز الأزمة المالية الحكومية ، لم يجد سيادته غير هذا الحل ، لأنه الحل الذي يضمن بقاء امتيازات السلطة كما هي او اقل بقليل ، والأهم من ذلك انه حل سيسهل على السلطة حصر أموال الناس بيد الدولة بالتزامن من حملتها لحصر السلاح بيدها ، هكذا تتحول الإدارات الفاشلة الى قدر سيء يلاحق الناس ويتلبسهم ليحركهم في كل دورة انتخابية لاعادة انتخاب الفشل وتكرار الخيبة والتفاهة .
هكذا تتخطى العلاقة بين الحكومة والشعب ثنائية المواطن والمسؤول ، لتصبح علاقة قائمة على قبول الشعب لما تعطيه الدولة ، واذعانه لما تمليه عليه . هكذا تصبح الحكومات معنية بالتسلط على اشخاص داخل البقعة الجغرافية للبلاد .
ليس هذا شأناً خاصاً في العراق ، بل هو شأن عالمي تقريباً ، فقد رأينا الحكومة الفرنسية تعامل طلبة المدارس والجامعات بالعنف والخوف لأنهم تظاهروا ضدها . وقوات الحكومة البلجيكية تشتبك مع مئات المتظاهرين المحتجين على إجراءات التقشف التي تعتزم الحكومة اجراءها .
ورأينا موقف رئيس أمريكا من تظاهرات الأمس الرافضة لخوض بلادها حرباً في الشرق ، حين رأى ان الحزم والصرامة كانتا ستمنعان هؤلاء المتظاهرين من الخروج . وبالرجوع الى الماضي سنكون امام موقف مشابه لرئيس امريكي قبل سنة 2003 حين خرجت تظاهرات ضخمة في اكثر من 400 دولة وعاصمة وولاية ومدينة ومنطقة حول العالم ، تطالب بتجنيب الشعب العراقي اضرار الحرب الامريكية المرتقبة ضد نظام صدّام ، حينها رد الرئيس الأمريكي ان هذه التظاهرات لن يكون بوسعها منع اندلاع الحرب .. انه الفعل نفسه الذي سترتكبه حكومة بغداد مع المتظاهرين ، خصوصاً بعد ان يستتب لها حصر المال والسلاح بيد الدولة ، فقد رأينا افرادا في قوات أمن الدولة وهم يضربون امرأة معلمة في تظاهرة مدنية سلمية ، ورأيناهم يوجهون خراطيم المياه الى أصحاب شهادات عليا وموظفين يطالبون بحقوقهم ..
النقطة الثانية التي نحتاج الى تثبيتها في حديثنا هذا ، هي ان ما يحصل في البلاد مرتبط بمشروع النظام العالمي الجديد في الشرق الأوسط الرامي الى تمكين إسرائيل من إدارة المنطقة ، فإذا كانت اغلب بلدان العالم العربي قد تم معالجتها اما بالخضوع او بالجوع ، فإن العراق يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة للإدارة العالمية ، لأنه مجتمع جرّب الجوع والصبر فقال فيه الشاعر:
إنا معشر صبر نفضي الى حد ثوب الصبر ينبزل
لكننا حين يستعدى على دمنا وحين تقطع باطفالنا السبل
نضج لا حي الا الله يعلم ما قد يفعل الغيظ فينا حين يشتعل .
لذا لم تر الإدارة العالمية والادارة المحلية – وكلاهما لم يبلغ في الفهم عمق طبيعة المجتمع العراقي – ان لا سبيل امام ادخال المجتمع العراقي في مشاريع النظام العالمي الجديد في الشرق الأوسط ، مثل مشروع الإسلام الأمريكي ، ومشروع امركة العالم ثقافياً ، ومشروع شرق أوسط جديد بإدارة إسرائيلية ، بغير الإعلام المفبرك والخطاب العاطفي واللهجة المنمقة والوعود المعسولة و( العنتريات التي ما قتلت ذبابة) كما قال نزار قباني ، لأن المجتمع العراقي لا يزال يتعامل بلغة إنسانية عاطفية انفعالية ، وهذا ما يجعله يتردد او يتأخر في إظهار موقفه من حدث خطير مثل رفع سعر صرف الدولار ، حتى
ان بعضهم استعجل التعبير فوصف الشعب بـ ( النائم ، الخاضع …). يعيش المواطن العراقي اليوم صراعاً غير مسبوق في تاريخ المجتمع ، بحكم مناخه الديني وجوّه المذهبي ونظامه الاجتماعي وطباعه وسلوكه. فهو يرى ان استقراره النفسي وسلامة بنائه الاجتماعي مضمونة بضمان استمرار منظومة القيم هذه ، وبالمقابل لا خيار لديه في تعامله مع طريقة الحياة المادية الجافة التي اصابت جغرافيا مدن العالم تقريباً وما لها من أعراض جانبية على منظومة القيم والدين والأخلاق التي يتمسك بها في زمن تتسابق فيه كبرى شركات الإنتاج الرقمي لتطوير تقنية رقمية ذكية نتج عنها جيوش الكترونية وتطبيقات ومنصات وظفتها السلطات الحاكمة في البلدان المتأخرة لصالح بقائها وتدعيم نفوذها على حساب المجتمع ، وقد رأينا كيف وظفت حكومة بغداد هذه التقنية الرقمية لجمع مبالغ مالية كبيرة من الناس ، منها منصة طلبة الجامعات ، ومنصة العقاري ، وكاميرات المراقبة الذكية ، وغيرها ..
ازمة سعر صرف الدولار اليوم تضع المجتمع امام محنة كبيرة جداً ، لأن الحكومة لن تستجيب لإرادة الجماهير المتظاهرة ، وستعمل على فرض ادارتها الفاشلة ، فالحكومة التي تستحدث وزارتين جديدتين وهي تشهد ازمة مالية كبيرة جداً ، هي دولة لا علاقة لها بالشعب . والشعب الذي يخضع لهكذا إدارات فاشلة ، هو شعب يختار الانتحار على الانتصار . في المجتمع العراقي وفي الشخصية العراقية عاملان يحولان دون انتحار المجتمع ، بل يحثانه على الانتصار ، هما الظلم الاجتماعي والقهر النفسي ، وقد اوغلت الحكومات في ترسيخ هذين العاملين في الفرد والمجتمع ، ربما لأنه أريد منها ذلك ، فالنظام العالمي الجديد يتجاوز حدود وضوابط وقواعد الانظمة السياسية والقانونية والدولية والاجتماعية ، فالسياسة باتت تتسلل الى القانون الدولي وتتلاعب بمقرراته لصالح المركزية الامريكية العالمية وقد سجلت شواهد كثيرة على ذلك منها ما جابهت به ادارة ترامب قرار المحكمة الجنائية الدولية القاضي بإلقاء القبض على الإسرائيلي نتنياهو كمجرم حرب ، وخرق القوات الامريكية للضوابط الحربية بقصفها مدرسة ابتدائية في ايران ، كما قصفت القوات الاسرائيلية مشفى في فلسطين . كما يحاول الإعلام السلبي إظهار جرائم الحرب التي يقودها ترامب على انها لحفظ السلام العالمي ، ورأينا كيف وصف ترامب عدم حصوله على جائزة نوبل للسلام بالعار وراح يتهجم على النرويج بسبب ذلك .. ان المشهد العالمي اليوم معقد وسيء ايضاً ، والمشهد العراقي أنموذج لاحداث العالم ، وسنسمع من رئيس الحكومة ومن معه تبريرات وتصريحات تخدع الجماهير لتكحل قرار زيادة سعر صرف الدولار ، لذا ينبغي على المتظاهرين اليوم ان يدركوا ان خلاص الجماهير من الظلم الاجتماعي والقهر النفسي لا يتحقق فقط بالمطالبة بإعادة سعر صرف الدولار الى ما كان عليه ؟ بل بالمطالبة بالتغيير الجذري للمنظومة الادارية في مؤسسات الدولة بعد ان نخرها الفساد المالي والاخلاقي حتى ما عادت نشرات الاخبار تخلو يوماً من كشف لفضيحة فساد أو تلاعب ، ومن اخبار القاء القبض على مفسد هنا وهناك . انها ثورة الاصلاح ، وهيهات من العراقيين الذلة .


