گول ساعة بالسبعة: سبب الأزمات المتكررة من إدارة الانطباع إلى أزمة الإدارة

گول ساعة بالسبعة سبب الأزمات المتكررة من إدارة الانطباع إلى أزمة الإدارة
يتناول النص تكرار الأزمات في العراق منذ عام 2003، رابطاً ذلك بضعف التخطيط وإدارة الطوارئ والفجوة بين واقع المواطنين والخطاب الرسمي. ويؤكد ضرورة الانتقال من إدارة الانطباعات إلى التخطيط الاستراتيجي والمساءلة والحلول المستدامة...

حياة العراقيين مع الأزمات تبدو كقصة لها أول، لكننا ما زلنا ننتظر نهايتها. اليوم سعر الصرف، وبالأمس المشتقات النفطية، وغدًا الله أعلم… فما إن تنتهي أزمة حتى تفتح أخرى أبوابها، وبينهما مساحة واسعة من التبريرات الجاهزة؛ مرةً بسبب الشتاء، وأخرى بسبب الصيف والعيد والتبريد والسخانات والظروف الاقتصادية والاستهلاك المتزايد والحالة النفسية والضغط السكاني، وأحيانًا بسبب ظرف طارئ لا نعرف متى يبدأ ومتى ينتهي. لكن… وما أدراك ما «لكن»؟ السؤال الأهم: لماذا تتكرر الأزمات أصلًا، ولماذا تبدو الدولة في كل مرة وكأنها تواجه المشكلة للمرة الأولى؟ هنا نصل إلى جوهر المسألة، والإجابة بلا رتوش يمكن اختزال جزء كبير من المشكلة في عاملين مترابطين: أولًا، غياب التخطيط الفعلي للطوارئ وإدارة المخاطر والأزمات. ثانيًا، طبيعة الأداء الإداري والسياسي للمسؤولين والمؤسسات التنفيذية. فالأزمة ليست دائمًا في الحدث نفسه، وإنما في قدرة الدولة على توقعه والاستعداد له واحتوائه، ثم معالجة جذوره حتى لا يتحول إلى أزمة متكررة.

سوسيولوجيا الأزمة: دولة بلا طوارئ ومجتمع اعتاد على الطابور

بعد عام ٢٠٠٣، كان العراق أمام لحظة تاريخية استثنائية، حيث كان من الممكن إدارة مرحلة الانتقال بطريقة أكثر توازنًا، تجمع بين التخلص من آثار النظام السابق والمحافظة على مؤسسات الدولة وقدراتها البشرية والإدارية والإنتاجية. لكن القرارات الكبرى التي اتُّخذت في السنوات الأولى، وخصوصًا خلال فترة إدارة سلطة الائتلاف المؤقتة، تركت آثارًا بنيوية امتدت إلى سنوات لاحقة. لحظة التأسيس الخاطئة: كان ينبغي أن تُدار مرحلة ما بعد التغيير بوصفها مرحلة بناء دولة، لا مرحلة إدارة مرتجلة وتجريب. ضاع العامان الأول والثاني في ظل رؤية حاكم عسكري هو جاي غارنر، ثم حاكم مدني بصلاحيات عسكرية مطلقة هو بول بريمر (Paul Bremer)، الذي ترأس إدارة سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق بين أيار ٢٠٠٣ وحزيران ٢٠٠٤، وكان أحد أبرز وجوه تلك المرحلة. وهنا لا يتعلق الأمر بشخص بعينه بقدر ما يتعلق بمنهج صناعة القرار في مرحلة تأسيسية كان يُفترض أن تكون أكثر اعتمادًا على المعرفة العراقية والخبرة المؤسسية المحلية. فلو أن بعض القرارات الكبرى أُديرت بمشورة عراقية أوسع، وبمنظور يجمع بين معارضة النظام السابق والحفاظ على مقومات الدولة، لربما كانت النتائج مختلفة. ومن الأمثلة على ذلك حل الجيش والأجهزة الأمنية؛ فهذا القرار لم يكن مجرد قرار إداري ينتهي بانتهاء مفعوله، بل كان له أثر طويل في بنية الدولة والأمن والمجتمع. واليوم، وبعد أكثر من عقدين، ما زلنا نناقش واحدة من القضايا التي ارتبطت بذلك المسار: كيف تُحصر القوة والسلاح بيد الدولة ضمن منظومة وطنية مستقرة؟ ومثال آخر يتعلق بالمنشآت والمعامل والشركات الصناعية. فلو حافظ العراق بصورة أوسع على بنيته الصناعية والإنتاجية، وطوّرها وأعاد هيكلتها، لربما سلكت مشكلة الاعتماد المفرط على الوظيفة الحكومية مسارًا مختلفًا.

لم تصبح الوظيفة الحكومية مجرد مصدر للدخل، بل تحولت تدريجيًا إلى إحدى أهم أدوات الأمان الاجتماعي في بلد تراجعت فيه قدرة القطاعات الإنتاجية على استيعاب قوة العمل. هكذا تتداخل السياسة مع الاقتصاد، والاقتصاد مع المجتمع، والمجتمع مع الدولة.

من القرار إلى الأزمة

الأزمات لا تولد منفردة؛ فأزمة الأمن ترتبط بسوق العمل، وسوق العمل يرتبط بالتعليم، والتعليم يرتبط بالاقتصاد، والاقتصاد يرتبط بالإنتاج، والإنتاج يرتبط بالطاقة والمياه والاستثمار، وكل ذلك يرتبط في النهاية بكفاءة الدولة في التخطيط والتنفيذ. لهذا وجدنا أنفسنا أمام سلسلة طويلة من الأزمات: أزمة أمن، وأزمة قوة عمل، وأزمة كهرباء، وأزمة مشتقات نفطية، وأزمة سكن، وأزمة سيولة واقتصاد وتجارة، وأزمة في التربية والتعليم، وأزمة مياه وزراعة. ثم جاءت منظومة القطاع المالي والمصرفي ومزاد العملة لتضيف طبقات أخرى من التعقيد إلى الاقتصاد العراقي، في ظل اختلالات بنيوية جعلت الاستقرار المالي أكثر صعوبة، وفتحت مساحات واسعة للإنفاق غير المنضبط ومظاهر الفساد التي أصبح تفكيكها أكثر تعقيدًا بمرور الزمن.

المشكلة ليست أن العراق يواجه أزمات؛ فكل الدول تواجه أزمات. المشكلة أن الأزمة عندنا كثيرًا ما تتحول من حادث استثنائي إلى نمط متكرر. هذا هو الفرق بين دولة تدير الأزمة ودولة تعيش داخل الأزمة.

غياب عقل الطوارئ

الدولة الحديثة لا تنتظر الأزمة حتى تبدأ بالتفكير؛ لأن لديها خططًا بديلة وسيناريوهات ومخزونات استراتيجية وبدائل تشغيل ومراكز قرار ومسؤوليات واضحة ومراجعة دورية للخطط. أما حين تغيب ثقافة الطوارئ، فيصبح كل حدث مفاجئ وكأنه مفاجأة كاملة. هنا تبدأ دوامة البيانات والتصريحات والاجتماعات واللجان، ثم تأتي الحلول المؤقتة وتنتهي الأزمة مؤقتًا، لنعود إليها بعد أشهر أو سنوات بالعنوان نفسه تقريبًا. إن غياب التخطيط للطوارئ لا ينتج أزمة واحدة، بل ينتج قابلية مستمرة لإنتاج الأزمات، وهذا هو البعد البنيوي للمشكلة.

هل نجح الجهاز الحكومي في إدارة الأزمات؟ أم المسؤول والناطق الرسمي؟ بين إدارة الأزمة وإدارة الصورة

لم ينجح الجهاز الحكومي التنفيذي دائمًا في تحويل معالجة الأزمات إلى حلول مستدامة، لكنه نجح في أحيان كثيرة في إنتاج منظومة من المسؤولين والناطقين الرسميين، مهمتها الأساسية تقديم صورة مطمئنة عن أداء المؤسسة. المشكلة هنا ليست في وجود الناطق الرسمي؛ فهذا جزء طبيعي من عمل الدولة. المشكلة تظهر عندما تتحول وظيفة الاتصال الحكومي من شرح الواقع ومصارحة المواطن إلى حماية صورة المسؤول الأعلى، فتصبح اللغة أكثر وردية من الواقع، ويبدو الإنجاز أكبر في التصريحات منه على الأرض، بينما يعيش المواطن تفاصيل الأزمة اليومية بكل ثقلها. وهنا يظهر خلل مهم في العلاقة بين الدولة والمجتمع: المواطن يعرف الواقع لأنه يعيشه، بينما يرى المسؤول الواقع أحيانًا من خلال التقارير. وعندما تتسع المسافة بين الاثنين، تصبح الأزمة أزمة ثقة أيضًا.

گول ساعة بالسبعة… حين تختصر عبارة صغيرة أزمة دولة

لعل أجمل ما يختصر هذه الفكرة موقف عابر بين عامي ٢٠٠٣ و٢٠٠٤. كانت أزمة المشتقات النفطية في ذروتها، وكانت واحدة من الأزمات اليومية الثقيلة؛ فالبنزين حلم، والنفط الأبيض معركة، وأسطوانة الغاز هي الطفل المدلل الذي لا يأتي إلا بشق الأنفس. وكان المواطن يقضي يومًا أو يومين في طابور للتزود بالبنزين أو الحصول على النفط الأبيض والغاز. وكانت أسطوانة غاز واحدة، على سبيل المثال، قصة بحد ذاتها. لم يكن الطابور مجرد مكان لاستلام مادة أساسية، بل تحول إلى مساحة للتعارف والتكافل وتبادل الأخبار، وفي الوقت نفسه كان يكشف معدن الإنسان: من يتقدم على الآخرين، ومن ينتظر دوره، ومن يساعد، ومن يستغل حاجة غيره…

في أحد أيام الشتاء القاسية، كنت في طابور طويل قرب محطة الكيلاني، في قلب بغداد، بانتظار افتتاح المحطة للتزود بالوقود (البنزين). كانت ساعات الانتظار قد تجاوزت اثنتي عشرة ساعة، وكان موعد الافتتاح، بحسب الظروف الأمنية وتوفر المنتج، عند الساعة الثامنة صباحًا تقريبًا. اقتربت الساعة الثامنة، وفجأة بدأ طرق قوي على زجاج السيارات، ومنها سيارتي. كان مسلحون ينتشرون بكثافة ويتحركون بسرعة بين السيارات. فتحنا النوافذ لنعرف ماذا يحدث: هل هناك تحذير أمني؟ هل هناك حركة عسكرية؟ هل هناك رتل أمريكي؟ هل حدث طارئ؟ فأنت لا تعلم متى يحدث الخرق الأمني. كانت المفاجأة أن هناك عبارة قيلت ببساطة وعلى عجل، كما كان يرددها المسلحون ومن يرتدون الزي الأمني: «گول ساعة بالسبعة». في البداية لم أفهم المقصود، ولم أكن الوحيد الذي لم يفهمه؛ لأن الجميع كان ينتظر فتح أبواب المحطة، ولم يبقَ على الموعد سوى وقت قصير. لكن سرعان ما اتضحت الصورة. كان هناك مسؤول رفيع المستوى محاط بحماية مسلحة، يسأل سائقي السيارات واحدًا واحدًا، وبعبارات ودية من نوع: «حجي، أبويه، أخوية، ابني…» ثم يأتي السؤال: «بيش الساعة لازم سَرّة؟». هنا اكتملت الأحجية. كان المطلوب أن يسمع المسؤول ما يطمئنه، لا ما يعكس حقيقة ما يكابده الناس الواقفون أمامه. فالمواطن الذي قضى ساعات طويلة في البرد ينتظر البنزين، ويحلم بكوب شاي ساخن وشيء يأكله وقليل من النوم، لم يكن في وضع يسمح له بنقاش طويل. وفي المقابل، كان المسؤول في موقع أكثر راحة، محاطًا بالحماية والحاشية. هنا يصبح الحوار بين الطرفين أشبه بنقاش بيزنطي بين طرفين غير متكافئين: طرف يعيش الأزمة، وطرف يراقب الأزمة. والفارق بين الاثنين هو جوهر المشكلة.

«گول ساعة بالسبعة» ليست قصة بنزين؛ لأنها اليوم، بعد مرور سنوات طويلة، تبدو أكبر من حادثة عابرة. لقد أصبحت العبارة رمزًا لطريقة التعامل مع الأزمات: لا تسأل المواطن عمّا يحدث فعلًا، بل اسأله عمّا تريد أن تسمعه.

هنا تبدأ المشكلة. عندما يصل الواقع إلى المسؤول مصفّى من الشكاوى، ومخففًا من الحقائق، ومزينًا بالتقارير، يصبح القرار مبنيًا على صورة غير مكتملة. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تتكرر بعض الأزمات؛ فالقرار الخاطئ لا ينهي الأزمة، بل يؤجلها، والحل المؤقت لا يعالج الجذر، بل يمنح المشكلة فرصة للعودة، والتصريح المتفائل لا يغير الواقع، بل يؤخر الاعتراف به.

الأزمة ليست قدرًا

العراق ليس محكومًا بأن يعيش في الأزمات، ولا توجد قاعدة تقول إن الكهرباء يجب أن تبقى أزمة، أو إن السكن أزمة، أو المياه أزمة، أو فرص العمل أزمة، أو المشتقات النفطية أزمة. تصبح الأزمة مزمنة عندما تتكرر الأسباب نفسها، وتتعطل آليات التصحيح، ويغيب التخطيط بعيد المدى، ولا توجد مساءلة حقيقية عن فشل الحلول السابقة. لهذا فإن الإصلاح المطلوب لا ينبغي أن يكون حملة مؤقتة لمعالجة أزمة جديدة، بل نحتاج إلى إعادة بناء عقل الدولة في إدارة الأزمات، من خلال التخطيط بعيد المدى، ووضع خطط طوارئ حقيقية، وإنشاء مراكز معلومات دقيقة، واتخاذ قرارات مبنية على البيانات، وإجراء تقييم دوري للسياسات، وترسيخ المساءلة عن النتائج، واعتماد إدارة تتعامل مع المواطن باعتباره شريكًا في الحل لا رقمًا في تقرير. والأهم من ذلك كله أن نسمع المواطن كما هو، لا كما نرغب أن يكون. فالمواطن الذي يقف ساعات طويلة في طابور لا يحتاج إلى من يقنعه بأن الأزمة غير موجودة؛ إنه يحتاج إلى دولة تسأله: لماذا انتظرت كل هذه الساعات؟ وكيف نمنع تكرار ذلك؟ وهنا تعود العبارة القديمة «گول ساعة بالسبعة» لتتحول من ذكرى مرتبطة بطابور بنزين إلى سؤال أكبر عن الدولة: هل نريد معرفة الحقيقة كما هي، أم نريد فقط سماع الوقت الذي يريح المسؤول، وهو أحد أسباب تكرار الأزمات؟

في الختام، منذ عام ٢٠٠٣ وحتى اليوم، ما زالت الحاجة قائمة إلى تشخيص الأخطاء بعيدًا عن الانطباع والتبرير، والانتقال إلى تحليل بنيوي واجتماعي ومؤسسي يضع الحلول الاستراتيجية المستدامة على الطاولة. فنحن أمام طرفين غير متكافئين: طرف أول مسؤول في قمة الراحة يريد سماع الوهم، وطرف ثانٍ مواطن في قمة الإرهاق مجبر على صناعة الوهم. لن يكون الحل بترقيع الأزمات، بل بالانتقال من عقلية إدارة الأزمة بالانطباع إلى عقلية إدارة الدولة بالتخطيط الاستراتيجي المستدام، وبعيون مهنية وتشخيص للأخطاء بشجاعة. لأن العراق لا يحتاج إلى إدارة الأزمة المقبلة فقط، بل يحتاج إلى منظومة تمنع الأزمة من أن تصبح أسلوب حياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *