تخفيض قيمة العملة .. متى يكون علاجًا ومتى يتحول إلى عبء ؟
تخفيض قيمة العملة ليس هدفًا اقتصاديًا بحد ذاته ، وإنما أداة تستخدمها الدول لمعالجة اختلالات معينة ، وفي مقدمتها اختلال الميزان التجاري وتعزيز القدرة التنافسية . فعندما تنخفض قيمة العملة ، تصبح الصادرات أرخص نسبيًا ، بينما تصبح الواردات أكثر كلفة ، بما يفترض أن يدفع نحو زيادة الصادرات وتقليص الواردات .. وتشير تجارب اقتصادية واسعة إلى أن سعر الصرف يمكن أن يؤثر في حركة التجارة ، فصندوق النقد الدولي يقدر أنّ انخفاض سعر الصرف الحقيقي الفعّال بنسبة 10% يرتبط في المتوسط بزيادة صافي الصادرات بنحو 1.5% من الناتج المحلي ، مع اختلاف كبير بين دولة وأخرى .. لكن هذه القاعدة لا تعمل في فراغ ..
فلكي تستفيد الدولة من خفض عملتها ، لا بدّ أن يكون لديها اقتصاد قادر على الإنتاج والتصدير ، ومنتجات تستطيع منافسة السلع الأجنبية ، وقطاعات يمكنها زيادة إنتاجها عندما تصبح الواردات أكثر كلفة .. وهنا تبدأ خصوصية الحالة العراقية ، العراق ليس اقتصادًا صناعيًا مُصدّرًا ، الدول الصناعية التي تستفيد من انخفاض عملاتها تمتلك قاعدة إنتاجية واسعة ، صناعة ، زراعة ، تكنولوجيا ، خدمات قابلة للتصدير ، وسلاسل إنتاج مرتبطة بالأسواق العالمية .. أما العراق فما زال يعتمد بصورة أساسية على النفط في صادراته وإيراداته العامة .. والنفط سلعة عالمية تُسعّر بالدولار ، وسعرها تحدده السوق العالمية إلى حد كبير ، في حين يعتمد العراق على الاستيراد لتلبية جزء كبير من احتياجاته الاستهلاكية والإنتاجية .. وهنا تظهر المفارقة ، نحن نبيع سلعتنا الرئيسية بالدولار ، ثم نحتاج إلى الدولار لشراء جزء كبير من احتياجات اقتصادنا ..
لذلك فإنّ السؤال الاقتصادي الأهم بعد رفع سعر الدولار ليس هل أصبح الدينار أرخص ؟ بل هل أصبح الاقتصاد العراقي أكثر قدرة على الإنتاج والتصدير ؟ إذا كانت الإجابة لا ، فإن انخفاض قيمة العملة قد يؤدي إلى نتائج مختلفة تمامًا عن تلك التي تستهدفها الدول ذات الاقتصادات المنتجة ..
أين تكمن الفائدة إذن ؟ يمكن أن يمنح انخفاض قيمة الدينار المنتج المحلي ميزة سعرية أمام بعض السلع المستوردة ، لكن هذه الفرصة لا تتحول إلى إنتاج حقيقي بمجرد تغيير سعر الصرف ، فالمصنع الذي يستورد الآلات والمواد الأولية وقطع الغيار سترتفع كلفة إنتاجه ، وكذلك المزارع الذي يعتمد على مستلزمات إنتاج مستوردة ، والمستثمر الذي يحتاج إلى معدات وتجهيزات أجنبية .. ولهذا فإنّ سعر الصرف يمكن أن يمنح المنتج المحلي فرصة ، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع منتجًا قادرًا على المنافسة .. فالمنتج يحتاج إلى كهرباء مستقرة ، وتمويل مناسب ، وبنية تحتية ، ونقل وموانئ فعالة ، وإجراءات حكومية سريعة ، وبيئة استثمارية مستقرة ، وحماية من المنافسة غير العادلة والفساد .. ومن دون هذه الشروط ، قد ترتفع كلفة المستورد من دون أن يرتفع الإنتاج المحلي بالقدر الذي يعوضه ..
الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاقتصاد لا من سعر الصرف ، وهنا نصل إلى جوهر القضية ، لا يمكن لسعر الصرف أن يقوم مقام الإصلاح الاقتصادي .. إذا أرادت الحكومة أن تجعل من قرار رفع سعر الدولار جزءًا من سياسة اقتصادية طويلة الأمد ، فعليها أن تربطه ببرنامج متكامل لزيادة الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الدخل .. العراق بحاجة إلى أن ينتقل من اقتصاد يبيع النفط ويستورد معظم احتياجاته ، إلى اقتصاد ينتج ويصدر ويستثمر موارده داخل البلاد .. وهذا يتطلب إجراءات حقيقية في الصناعة والزراعة والسياحة والنقل والخدمات والاتصالات والطاقة ، إلى جانب إصلاح مالي يضبط الإنفاق العام ..
فالعملة وحدها لا تستطيع أن تصنع اقتصادًا تنافسيًا ، كما أن انخفاض قيمتها قد يفقد أثره إذا أدى إلى ارتفاع الأسعار وتآكل الميزة التنافسية التي يفترض أن يحققها ..
العراق أمام خيارين :
الخيار الأول أن ننظر إلى رفع سعر الدولار باعتباره وسيلة للحصول على دنانير أكثر لتمويل الموازنة ، ونكتفي بذلك .. وفي هذه الحالة ستظل المشكلة الأساسية قائمة ، اقتصاد ريعي ، إنفاق عام مرتفع ، إيرادات غير نفطية محدودة ، وإنتاج محلي دون مستوى احتياجات السوق ..
أما الخيار الثاني ، وهو الأصعب والأكثر ارتباطًا بالإصلاح ، فهو أن يكون القرار جزءًا من تحول اقتصادي شامل ، تحول يجعل زيادة الإيرادات الدينارية فرصة لإعادة هيكلة المالية العامة ، ويجعل ارتفاع كلفة الاستيراد حافزًا للإنتاج المحلي ، ويجعل حماية المنتج العراقي جزءًا من سياسة صناعية وزراعية حقيقية ، ويجعل الاقتصاد أقل اعتمادًا على النفط عامًا بعد عام .. عندها فقط يمكن أن يتحوّل سعر الصرف من مجرد أداة مالية إلى أحد عناصر الإصلاح الاقتصادي .. أما أن نرفع سعر الدولار من دون أن نرفع مستوى الإنتاج ، فسنكون قد غيّرنا سعر العملة من دون أن نغيّر بنية الاقتصاد ..
وهذا هو الخطر الحقيقي ، فالعراق لا يحتاج إلى دينار أضعف فحسب ، وإنما يحتاج إلى اقتصاد أقوى ، اقتصاد ينتج ما يحتاجه ، ويصدر ما يستطيع إنتاجه ، ويخلق فرص العمل ، ويوسع الإيرادات غير النفطية ، ويقلل فاتورة الاستيراد ، ويجعل النفط مصدرًا لتمويل التنمية لا المصدر الوحيد لتمويل الدولة .. فالعملة لا تصنع اقتصادًا منتجًا ، الاقتصاد المنتج هو الذي يعطي العملة قوتها .. وهذه هي القضية التي ينبغي أن تضعها الحكومة أمامها بعد قرار رفع سعر الدولار ، ليس المطلوب فقط أن تحصل الخزينة على دنانير أكثر ، بل أن تجعل هذه الدنانير تموّل اقتصادًا ينتج أكثر ويستورد أقل ويعتمد على النفط بدرجة أقل .


