حين تتقدم المرجعية خطوة إلى الأمام.. مبادرة المدرسي لحماية زوار العراق وإيران

حين تتقدم المرجعية خطوة إلى الأمام.. مبادرة المدرسي لحماية زوار العراق وإيران
تتناول الرؤية مبادرة السيد محمد تقي المدرسي بشأن حماية حركة الزائرين الإيرانيين، وتؤكد الفصل بين الخلافات السياسية والشعائر الدينية، مع الدعوة إلى تطوير المنافذ والبنى التحتية وتعزيز التواصل العراقي–الإيراني بما يحفظ سيادة العراق ومكانته الدينية....

في خضمّ مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، جاءت مبادرة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي لتقدم موقفاً يستحق التوقف عنده، ليس فقط بسبب مضمونه، وإنما بسبب توقيته وطبيعته والجهة التي صدر عنها.

فالبيان الصادر عن مكتب المرجع المدرسي بشأن العقوبات الأمريكية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتحذير من أن تتحول هذه العقوبات إلى إجراءات عراقية تضيّق على حركة الزائرين الإيرانيين، يحمل رسالة واضحة: الخلافات السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى حواجز بين الشعوب، ولا ينبغي أن تدفع ثمنها العلاقات الدينية والإنسانية الممتدة بين العراق وإيران.

وهذه هي النقطة الأكثر إيجابية في المبادرة.

فالزائر الإيراني الذي يأتي إلى العراق لزيارة كربلاء والنجف وسائر العتبات المقدسة لا يأتي، بالضرورة، ممثلاً لحكومة أو حزب أو جهة سياسية. إنه يأتي بوصفه مسلماً يؤدي شعيرة دينية، تماماً كما يأتي ملايين المسلمين من مختلف البلدان إلى العراق سنوياً.

ومن هنا تأتي أهمية تأكيد المرجع المدرسي أن التعامل مع هؤلاء الزائرين ينبغي أن ينطلق من طبيعة مقصدهم الديني والإنساني، لا من الخلافات السياسية بين الدول.

والأهم أن البيان لم يتوقف عند الاعتراض، بل طرح رؤية عملية تقوم على تسهيل دخول الزائرين، وتطوير المنافذ الحدودية والمطارات والطرق والبنى التحتية بما يتناسب مع الملايين الذين يقصدون العراق سنوياً. وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ لأنها تنقل النقاش من مربع الاحتجاج إلى مربع الحلول العملية.

إن المرجعية الدينية، حين تتحدث في قضية تمس ملايين الناس، لا تتحدث فقط عن سياسة عابرة، وإنما تؤكد وظيفة أخلاقية واجتماعية للمرجعية: حماية المجتمع، وصيانة العلاقات بين الشعوب، ومنع الخلافات السياسية من تمزيق الروابط الدينية والتاريخية.

ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن النظر إلى مبادرة السيد المدرسي باعتبارها خطوة مهمة في تطوير خطاب المؤسسة المرجعية العراقية تجاه قضايا العلاقات الإقليمية.

فالعراق ليس بلداً عادياً في هذه المسألة. إنه يحتضن العتبات المقدسة في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء، ويقصده ملايين الزائرين من مختلف أنحاء العالم. وبالتالي فإن أي سياسة تتعلق بحركة الزائرين لا ينبغي أن تُقاس فقط بمقاييس الأمن والسياسة والعقوبات، وإنما يجب أن تأخذ في الاعتبار أيضاً البعد الديني والإنساني والاقتصادي والثقافي لهذه الحركة.

ومن هنا يمكن الإشادة بموقف المرجع المدرسي باعتباره محاولة لإعادة ترتيب الأولويات: الدين لا ينبغي أن يكون رهينة للصراع السياسي، والشعائر الدينية لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.

كما أن دعوته إلى استمرار التواصل والتعاون بين الشعبين العراقي والإيراني، في مواجهة ما وصفه البيان بالضغوط والإملاءات، تحمل رسالة تتجاوز الظرف الحالي إلى المستقبل: العلاقات بين الشعوب لا تُبنى فقط عبر الحكومات والاتفاقيات، وإنما أيضاً عبر الزيارات والمصالح المشتركة والروابط الدينية والثقافية.

ولذلك فإن قيمة هذه المبادرة لا تكمن فقط في مضمونها المباشر، وإنما في أنها تفتح الباب أمام دور أوسع للمرجعية الدينية في حماية المجال الشعبي من آثار الصراعات السياسية.

وإذا كانت هذه المبادرة تُعد من أوائل، أو أول، المواقف المرجعية العراقية البارزة بهذا الوضوح في هذه القضية تحديداً، فإن أهميتها تستحق أن تُقرأ باعتبارها إشارة إلى إمكانية أن تكون المرجعية جسراً بين الشعوب، لا طرفاً في الخلافات السياسية بينها.

وهنا تكمن الرسالة الأعمق للبيان:

العراق يستطيع أن يحافظ على سيادته وقراره الوطني، وفي الوقت نفسه يحافظ على أبوابه مفتوحة أمام الزائرين، وعلى علاقاته التاريخية والشعبية مع جيرانه.

وهذا ليس تناقضاً.

بل إن حماية السيادة لا تعني إغلاق الأبواب أمام الشعوب، كما أن الحفاظ على العلاقات الأخوية لا يعني التخلي عن القرار الوطني.

وبين هذين المبدأين، يأتي موقف السيد المدرسي ليقدم مبادرة تستحق الإشادة والنقاش والتطوير، لأنها تضع الإنسان والزائر والشعيرة الدينية فوق الحسابات السياسية الطارئة.

وقد يكون الأهم أن تتحول هذه المبادرة من بيان إلى مشروع حوار عراقي–إيراني أوسع، تشارك فيه المرجعية والمؤسسات الدينية والحكومتان والجهات المعنية، بهدف ضمان استمرار الزيارات وتسهيلها وحمايتها من أي توظيف سياسي، مع احترام كامل لسيادة العراق وقوانينه.

فالعراق، في نهاية المطاف، ليس مجرد دولة تستقبل الزائرين؛ إنه جزء أساسي من الذاكرة الدينية والحضارية للمسلمين.

ومن هنا، فإن حماية طرق الزائرين وحركة الشعائر ليست قضية إيرانية فقط، ولا عراقية فقط، وإنما قضية تتصل بمكانة العراق الدينية ودوره الحضاري في المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *