لم يعد اليمن بالنسبة إلى واشنطن مجرد حرب أهلية بعيدة عن الحسابات الأمريكية. فالمشهد اليمني دخل مباشرة في معادلة إقليمية أوسع، بعدما أصبحت سواحل البحر الأحمر وباب المندب جزءاً من الصراع الممتد من إيران إلى الخليج. ومع ذلك، فإن ما تكشفه التطورات الأخيرة هو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يريد أن تتحول الجبهة اليمنية إلى حرب أمريكية جديدة، حتى لو أدى ذلك إلى خيبة أمل واضحة في الرياض.
المفارقة أن السعودية طلبت من ترامب تدخلاً عسكرياً مباشراً ضد أنصار الله، لكن واشنطن اختارت حتى الآن مساراً مختلفاً. فقد رفض ترامب، وفق تقارير نقلت عن مصادر مطلعة، طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان شن ضربات أمريكية مباشرة، بينما وافقت واشنطن على تقديم معلومات استخبارية ودعم في مجال الاستهداف.
وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل في الموقف الأمريكي: ترامب يريد من السعودية أن تتحمل العبء العسكري في اليمن، لا أن تتحول الولايات المتحدة إلى طرف رئيسي في الحرب.
لماذا يتجنب ترامب القصف؟
السبب الأول هو أن اليمن لم يعد جبهة منفصلة. فالولايات المتحدة تخوض مواجهة مفتوحة مع إيران، وأي ضربات أمريكية واسعة في اليمن يمكن أن تفتح جبهة جديدة في البحر الأحمر، وتدفع أنصار الله إلى إعادة استهداف المصالح والسفن الأمريكية.
والأهم أن واشنطن لديها تفاهم سابق مع أنصار الله. فقد أكدت تقارير أن اتصالات جرت في مسقط، وأن الحركة أبلغت الجانب الأمريكي بأن تفاهم 2025 لا يزال قائماً وأنها لا تنوي استهداف السفن الأمريكية في البحر الأحمر.
ومن منظور ترامب، فإن الحفاظ على هذا التفاهم يحقق مكسباً عملياً: إبقاء القوات الأمريكية خارج دائرة الاستهداف، مع ترك الصراع السعودي – اليمني يأخذ مساره المحلي والإقليمي.
باب المندب هو جوهر المسألة:
لكن التطورات الميدانية وضعت هذه الاستراتيجية أمام اختبار حقيقي.
فالتقدم الذي حققته أنصار الله باتجاه الساحل الغربي وباب المندب جعل الجغرافيا اليمنية مرتبطة مباشرة بأمن الملاحة والطاقة. وقد تحدثت تقارير عن سيطرة الحركة على ميناء المخا وجزيرة ميون، فيما تصاعدت المخاوف من تأثير ذلك على حركة السفن والطاقة في البحر الأحمر.
بالنسبة إلى الرياض، المشكلة أكثر حساسية: إذ إن اضطراب البحر الأحمر وباب المندب يضيف ضغطاً إلى أزمة طرق تصدير النفط التي تأثرت أصلاً بالحرب مع إيران ومخاطر الملاحة في المنطقة.
ولهذا عادت السعودية إلى واشنطن طالبةً تدخلاً أمريكياً مباشراً.
لكن الرد الأمريكي جاء مختلفاً: مساعدة السعودية على الدفاع عن نفسها، لا خوض الحرب نيابة عنها.
بريطانيا تدخل.. ولكن بحدود:
وعندما لم تحصل الرياض على المشاركة الأمريكية التي طلبتها، اتجهت إلى حلفاء آخرين. أعلنت بريطانيا في 22 سبتمبر تقديم طائرة من طراز RAF Voyager للتزود بالوقود جواً دعماً للنشاط الدفاعي السعودي، مع التأكيد أن المهمة محدودة زمنياً وتحت المراجعة.
لكن حتى هذا الدعم لا يعني دخول بريطانيا حرباً شاملة ضد أنصار الله. فالمعلن هو دعم دفاعي ولوجستي، وليس إطلاق حملة جوية بريطانية مستقلة.
وهنا تظهر المفارقة مرة أخرى: السعودية تطلب حرباً أوسع، بينما الحلفاء الغربيون يتجهون إلى إجراءات محدودة لحماية المصالح والمنشآت وطرق الطاقة.
ترامب يفكر في إيران أولاً:
يمكن فهم السياسة الأمريكية في اليمن من خلال الأولوية التي يعطيها ترامب للجبهة الإيرانية.
ففي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، صعّد ترامب لهجته ضد طهران، مطالباً باتفاق شامل، ومهدداً النظام الإيراني في حال رفض مطالبه.
لكن تحويل اليمن إلى ساحة مواجهة أمريكية مباشرة في هذه اللحظة يحمل بالنسبة إلى واشنطن مخاطر إضافية: توسع رقعة الحرب، ارتفاع أسعار الطاقة، تهديد الملاحة، وزيادة احتمال تعرض القوات والقواعد الأمريكية في المنطقة لهجمات.
وقد انعكس هذا القلق بالفعل في الحسابات الأمريكية. فالتقارير التي تناولت قرار ترامب عدم توجيه ضربة إلى أنصار الله أشارت إلى تحذيرات من أن الهجوم قد يؤدي إلى تصعيد أوسع وتهديد طرق الملاحة.
ماذا يعني ذلك لأنصار الله؟
من دون الدخول في توصيفات سياسية، فإن النتيجة العملية حتى الآن واضحة: أنصار الله يواجهون السعودية والقوى اليمنية المتحالفة معها بصورة أساسية، بينما تفضل واشنطن إبقاء تدخلها في مستوى الاستخبارات والدعم المحدود، مع الاحتفاظ بقنوات اتصال غير مباشرة.
وهذا لا يعني أن واشنطن تخلت عن مصالحها في البحر الأحمر، ولا يعني أن الصراع حُسم. لكنه يكشف حدود استعداد ترامب لاستخدام القوة الأمريكية لمصلحة حليف إقليمي في هذه المرحلة.
فالولايات المتحدة تريد حرية الملاحة، وحماية قواتها، وضبط التصعيد مع إيران؛ أما السعودية فتريد منع التحولات الميدانية في اليمن من الوصول إلى باب المندب.
وهذه الأهداف ليست متطابقة تماماً.
لذلك يمكن قراءة الاستراتيجية الأمريكية الحالية باعتبارها محاولة للفصل بين أمرين: حماية المصالح الأمريكية من جهة، وترك الحلفاء الإقليميين يتحملون الجزء الأكبر من كلفة المواجهة من جهة أخرى.
وفي هذه المعادلة، يصبح اليمن أكثر من مجرد جبهة عسكرية. إنه اختبار حقيقي لمدى استعداد الولايات المتحدة لخوض حروب جديدة من أجل حلفائها، واختبار مقابل لقدرة الأطراف اليمنية على تحويل الجغرافيا والممرات البحرية إلى عناصر مؤثرة في الحسابات الإقليمية والدولية.
والأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان ترامب سيواصل سياسة “عدم التدخل المباشر”، أم أن تطورات باب المندب والملاحة والطاقة ستفرض عليه إعادة حساباته.


