خطاب نعيم قاسم: نصر الله لم يغب.. والمقاومة لم تُدفن

خطاب نعيم قاسم نصر الله لم يغب.. والمقاومة لم تُدفن
يعكس خطاب نعيم قاسم محاولة لتثبيت ثلاث رسائل: استمرار إرث نصر الله، ورفض اعتبار الوجود الإسرائيلي في الجنوب أمراً دائماً، وربط مستقبل سلاح حزب الله بالانسحاب والسيادة. لكن الخطاب السياسي يحتاج إلى الفصل عن التقييم الموضوعي لموازين القوة...

لم يكن خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم أمس مجرد كلمة في مناسبة لإطلاق مؤسسة لحفظ ونشر تراث السيد حسن نصر الله. المناسبة كانت عنواناً، لكن الرسالة كانت أكبر بكثير: السيد الذي غاب جسداً لم يغب مشروعاً، والمقاومة التي تعرضت لأقسى الضربات لم تُدفن تحت أنقاض الحرب، والجنوب الذي تحاول إسرائيل تحويل احتلاله إلى أمر واقع لن يبقى إسرائيلياً.

هذه هي الخلاصة السياسية الأهم في خطاب الأمس.

حين يقول نعيم قاسم إن “تحرير الجنوب نراه أمام أعيننا”، فهو لا يتحدث عن أمنية بعيدة ولا عن شعار للاستهلاك السياسي، وإنما يضع الاحتلال في موقعه الطبيعي في قاموس المقاومة: وضع مؤقت مهما طال الزمن.

وهنا بالضبط تكمن أهمية الخطاب. فإسرائيل، بعد كل ما فعلته في لبنان خلال السنوات الماضية، تريد أن تفرض معادلة جديدة: تضرب، تحتل، تقصف، تقتل، ثم تطلب من لبنان أن يتعامل مع نتائج القوة الإسرائيلية وكأنها حقائق سياسية نهائية.

لكن خطاب قاسم جاء ليقول: لا. الأرض المحتلة ليست أرضاً إسرائيلية، والعدوان لا يتحول إلى شرعية لمجرد أنه استمر، والاحتلال لا يصبح أمراً طبيعياً لأن المجتمع الدولي اعتاد بيانات الإدانة ثم انتقل إلى جدول أعمال آخر.

لقد حاولت إسرائيل أن تجعل اغتيال السيد حسن نصر الله لحظة فاصلة بين زمنين: زمن المقاومة القوية التي صنعت معادلة الردع، وزمن جديد يُفرض فيه على حزب الله أن يتراجع ويتخلى عن سلاحه ويقبل بتغيير قواعد اللعبة. لكن خطاب الأمس يقدم قراءة مختلفة تماماً.

نصر الله رحل، لكن المدرسة التي بناها باقية.

ولهذا لم يكن إطلاق مؤسسة حفظ ونشر تراثه مجرد عمل أرشيفي أو ثقافي. إنه إعلان سياسي وفكري بأن تجربة الرجل لن تُختصر في صور وخطب وذكريات، بل ستُدرس وتُجمع وتُحلل وتُقدّم للأجيال باعتبارها تجربة سياسية وعسكرية وفكرية امتدت لعقود.

وقد ركز قاسم في خطابه على حفظ نتاج نصر الله الفكري والثقافي والسياسي والعملياتي، وعلى اعتبار إرثه جزءاً من بنية المقاومة ومستقبلها. وهذا يحمل دلالة شديدة الوضوح:

من أراد أن ينهي مشروع نصر الله باغتياله، عليه أن يواجه أولاً السؤال الأصعب: ماذا بقي من المشروع بعد اغتيال صاحبه؟

والجواب الذي قدمه قاسم أمس هو: بقي الكثير. بقيت الفكرة. وبقيت البيئة الشعبية. وبقيت الذاكرة. وبقيت قضية الجنوب. وبقي الصراع مع إسرائيل.

وبقي السؤال الذي لم تستطع كل الحروب الإجابة عنه: من يملك الحق في تقرير مستقبل أرض لبنانية محتلة؟

الجنوب هو كلمة السر

الخطاب وضع الجنوب في مركز المعادلة. وهذه ليست مصادفة. فبينما تُمارس ضغوط سياسية متزايدة على لبنان لنزع سلاح حزب الله، ما زالت إسرائيل تحتفظ بمواقع في الجنوب وتواصل عملياتها العسكرية. وفي خطاب سابق في سبتمبر، كان قاسم قد ربط بوضوح بين أي نقاش حول سلاح المقاومة وبين انسحاب إسرائيل وعودة الأهالي إلى مناطقهم.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى. يقال للبنان: سلّموا سلاح المقاومة. لكن ماذا عن السلاح الذي يحتل الأرض اللبنانية؟

يقال: يجب أن تكون الدولة صاحبة القرار. نعم، ولكن ماذا تفعل الدولة عندما لا تنسحب إسرائيل؟

يقال: لنبدأ بإنهاء دور المقاومة. والسؤال المقابل: هل ينتهي الاحتلال أولاً أم يُطلب من المقاومة أن تنتهي أولاً؟

هذه الأسئلة هي التي تجعل خطاب قاسم يتجاوز حدود حزب الله إلى قلب النقاش حول مستقبل لبنان.

المعركة ليست على السلاح فقط، المعركة الحقيقية أوسع من سلاح حزب الله. إنها معركة على تعريف السيادة اللبنانية نفسها.

هل السيادة تعني أن تكون للدولة مؤسساتها وأجهزتها فقط، أم تعني أيضاً أن تكون الأرض اللبنانية محررة وأن لا تكون الحدود مفتوحة أمام الاعتداءات؟

هذا هو السؤال الذي لا تستطيع الضغوط الأمريكية والإسرائيلية الإجابة عنه.

فالحديث عن “احتكار الدولة للسلاح” يبدو بسيطاً عندما يُطرح مجرداً، لكنه يصبح أكثر تعقيداً عندما تكون هناك أرض محتلة وعدوان مستمر.

ومن هنا يمكن فهم إصرار قاسم على أن الحل يبدأ من الجنوب. انسحبوا من الأرض، أوقفوا العدوان، أعيدوا الأهالي، ثم افتحوا كل الملفات اللبنانية على الطاولة.

هذه ليست مجرد صيغة تفاوضية؛ إنها محاولة لإعادة ترتيب الأولويات.

من لبنان إلى العراق واليمن

الأكثر أهمية أن خطاب قاسم لم يبق محصوراً في الجغرافيا اللبنانية. فقد استحضر العراق، وأشاد بصمود الشعب العراقي والمرجعية الدينية والقوات المسلحة والحشد الشعبي، معتبراً أن الانسحاب الأمريكي من العراق يمثل محطة في مسار مقاومة الوجود الأجنبي.

وهنا تتضح صورة أوسع للمشهد. من لبنان إلى العراق، ومن فلسطين إلى اليمن، تدور معركة واحدة حول سؤال مركزي: هل تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل فرض نظام إقليمي جديد بالقوة، أم أن قوى المنطقة قادرة على منع اكتمال هذا المشروع؟

ولهذا فإن ما يجري في اليمن ليس بعيداً عن لبنان. وما يجري في الجنوب اللبناني ليس منفصلاً عن البحر الأحمر. وما يحدث في العراق لا يمكن فصله عن الصراع على النفوذ الأمريكي في المنطقة.

إنها ساحات مختلفة، لكن الصراع على قواعد القوة واحد.

وفي هذا السياق تحديداً يصبح خطاب نعيم قاسم أكثر أهمية؛ لأنه لم يقدم المقاومة كتنظيم لبناني منعزل، بل كجزء من شبكة أوسع من الأفكار والتجارب التي ترى أن المنطقة لا يمكن أن تستعيد قرارها ما دامت الإرادة الخارجية قادرة على فرض شروطها بالقوة.

نصر الله يتحول من قائد إلى إرث

ربما كانت أكثر الرسائل عمقاً في خطاب الأمس هي أن حزب الله لا يريد أن يبقى السيد حسن نصر الله مجرد “قائد شهيد”.  إنه يريد أن يحوله إلى مدرسة. وهذه نقطة شديدة الأهمية.

القادة يمكن اغتيالهم. لكن المدارس الفكرية لا تُغتال بالصواريخ. والأفكار لا تُستهدف بالطائرات. والذاكرة السياسية لا يمكن محوها بمجرد اغتيال أصحابها.

لقد كان نصر الله طوال سنوات عنواناً لمرحلة كاملة من تاريخ المقاومة في لبنان والمنطقة. ولذلك فإن معركة ما بعد نصر الله لم تعد فقط معركة عسكرية؛ إنها أيضاً معركة على تفسير تجربته: هل كانت مرحلة وانتهت؟ أم أنها تحولت إلى إرث قابل للاستمرار؟ وخطاب قاسم أمس يجيب بوضوح: الإرث مستمر.

بل إن المؤسسة التي أُطلقت أمس تقول بصورة غير مباشرة إن الحزب يريد الانتقال من مرحلة “قيادة نصر الله” إلى مرحلة “مدرسة نصر الله”. وهذا انتقال بالغ الدلالة.

إسرائيل أمام السؤال الأصعب

أما إسرائيل، فالمشكلة التي تواجهها ليست في خطاب نعيم قاسم نفسه. المشكلة في المعادلة التي يحاول الخطاب تثبيتها:

لا احتلال دائم في الجنوب.

يمكن لإسرائيل أن تضرب. يمكنها أن تحتل. يمكنها أن تدمر. لكنها، وفق رؤية المقاومة التي عبّر عنها قاسم، لن تستطيع تحويل كل ذلك إلى تسوية تاريخية تعترف لها بحق البقاء في الأرض اللبنانية.

وهنا تكمن الرسالة الأشد وضوحاً في قوله إن تحرير الجنوب “نراه أمام أعيننا”.

إنها ليست عبارة عابرة. إنها إعلان بأن المقاومة لا ترى الوضع الحالي نهاية الصراع، بل مرحلة منه. والآن تبدأ المرحلة الأصعب

اغتيال نصر الله لم يكن نهاية الطريق. بل ربما كان، في نظر الحزب، بداية مرحلة جديدة يصبح فيها الرجل الذي قاد المقاومة لعقود جزءاً من ذاكرتها الفكرية، فيما يتولى الجيل الجديد مهمة حمل المشروع.

ولهذا فإن المؤسسة التي تحمل تراثه ليست ضريحاً سياسياً. إنها، كما أراد لها أصحابها، منصة للمستقبل.

أما الجنوب، فليس صفحة من الماضي. والاحتلال ليس قدراً. والمقاومة، وفق الرسالة التي حملها خطاب نعيم قاسم أمس، لا ترى نفسها أمام خيار الرحيل، بل أمام معركة طويلة عنوانها:

أن تبقى الأرض لأهلها، وأن يبقى القرار لأصحابه، وأن يعرف الاحتلال أن الزمن لا يمنحه حقاً لا يملكه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *