الإنسان كطريدة هاربة

الإنسان كطريدة هاربة
تتناول الرؤية تسارع الأحداث وهيمنة الخوارزميات على تشكيل الوعي، وتبحث تراجع الفهم رغم وفرة المعلومات، وتحول الإنسان إلى متلقٍّ دائم للأزمات، مع التأكيد على استمرار المنطق التاريخي خلف فوضى اللحظة الراهنة...

لم تعد الأحداث بحاجة إلى تاريخ يشرحها، بل صارت هي نفسها من يصنع لحظته ويطويها قبل أن يفهمها أحد. كل صباح تولد أزمة، وقبل أن تكتمل ملامحها تولد أزمة أخرى تدفنها، فيصبح الزمن سلسلة من الولادات المتعجلة لا الحوادث المترابطة. لم يعد أحد يسأل: من أين جاءت هذه الحرب؟ بل: من سيغرد أولاً عنها؟ ولم يعد السؤال: لماذا سقطت هذه الحكومة؟ بل: كم استغرق سقوطها من الوقت ليصل إلى الشاشات؟

الغريب أن أدوات الفهم تضاعفت بينما الفهم نفسه تراجع. لدينا اليوم من المعلومات أضعاف ما كان يملكه مؤرخ في القرن الماضي، لكننا نعرف أقل، لأن المعلومة صارت ومضة لا خيطاً، ولأن الخوارزمية التي تنقل الخبر إلينا لا تهتم بالسياق بقدر ما تهتم بالبقاء أمام أعيننا أطول وقت ممكن. لم يعد المفكر ولا الفيلسوف من يرتب الأحداث في سردية، بل صار “الترند” هو من يقرر أي حدث يستحق أن يُذكر وأيها يُنسى في اليوم نفسه الذي وقع فيه.

وفي هذا الزخم صار كل إنسان محللاً سياسياً، لأن الشاشة الصغيرة في يده تمنحه وهم المعرفة الكاملة، فيتحدث عن الحروب والانقلابات كما لو أنه عاش تفاصيلها، بينما هو في الحقيقة لم يفعل أكثر من تمرير إصبعه على صور متتالية. هذه الديمقراطية الزائفة في المعرفة أنتجت جيلاً يعرف كل شيء عن كل حدث ولا يفهم أياً منها، لأن الفهم يحتاج إلى مسافة، والمسافة أول ضحايا هذا العصر السريع.

الأنظمة الكبرى ذاتها لم تعد تحتاج إلى فلاسفة يبررون وجودها، بل إلى مهندسي انتباه يديرون غضب الناس ويوجهونه نحو عدو مؤقت كل أسبوع. الحرب اليوم لا تُشن فقط بالسلاح بل بالسرديات المتنافسة التي تُبَث في اللحظة نفسها من عشرات المصادر، فيغرق المشاهد في بحر من الروايات المتناقضة حتى يفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والتمثيل، فيستسلم في النهاية لأسهل رواية، لا لأصدقها.

وما كان يُسمى بالصراع الطبقي أو الفكري تحول إلى صراع هويات متشظية، كل واحدة تدافع عن حدودها الصغيرة، بينما الأسئلة الكبرى عن العدالة والتوزيع والسلطة تُركت جانباً كأنها من مخلفات زمن ساذج. الأمم لم تعد تُقاس بمشاريعها بل بأزماتها، والدول تحوّلت من كيانات تخطط لعقود قادمة إلى غرف عمليات تدير الساعة القادمة فقط.

الأخطر أن هذه الحالة أنتجت نوعاً من الارتياح الكسول، فالناس تعوّدت أن تعيش في الطوارئ الدائمة حتى صارت الطوارئ هي الحالة الطبيعية، وأي دعوة للتأمل أو التمهل تبدو اليوم كأنها ترف لا يملكه أحد. والحقيقة أن هذا بالضبط ما يريده من يدير هذه اللعبة، أن يبقى الجميع في حالة رد فعل دائم، لأن الإنسان المرتبك لا يخطط ولا يقاوم ولا يسأل، بل يكتفي بأن ينجو من اللحظة الحالية إلى اللحظة التالية.

ومع ذلك، فإن التاريخ لم يمت كما أُعلن مراراً، بل تنكّر فقط في زي جديد، أسرع وأكثر فوضى، لكنه ما زال يسير بمنطقه الخفي الذي سيظهر لاحقاً حين يهدأ الغبار، كما حدث دائماً بعد كل عاصفة ظنّ أهلها أنها نهاية كل شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *