يوم السيادة.. عندما ترحل القوات الأجنبية وتبقى معركة القرار بين السلاح والولاء المنفلت

يوم السيادة.. عندما ترحل القوات الأجنبية وتبقى معركة القرار بين السلاح والولاء المنفلت
يمثل خروج القوات الأجنبية خطوة مهمة في استعادة السيادة العراقية، لكن اكتمالها يتطلب احتكار الدولة للقوة، واستقلال القرار، وقوة المؤسسات، ومنع التدخل الخارجي، مع حماية حرية التعبير وبناء علاقات دولية متوازنة تستند إلى المصلحة الوطنية...

في يوم السيادة يقف العراق أمام محطة وطنية تستحق التوقف والتأمل فجلاء القوات الأجنبية عن القواعد العسكرية العراقية وانتقال مسؤولية حماية البلاد إلى القوات المسلحة والأجهزة الأمنية العراقية يمثلان محطة مهمة في مسار استعادة الدولة لدورها الطبيعي في حماية أرضها وشعبها وصون قرارها الوطني.

وهو يوم يحق لكل عراقي أن يعتز به ويفتخر بعد سنوات طويلة من الحروب والأزمات والتدخلات الخارجية التي جعلت العراق ساحة لتقاطعات إقليمية ودولية وتركت آثارًا عميقة في الإنسان والدولة ومؤسساتها.

لكن، وسط مشاعر الاعتزاز بهذه المناسبة يبرز سؤال أكثر عمقًا:

هل خروج القوات الأجنبية يعني أن السيادة العراقية قد اكتملت؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب النظر إلى السيادة باعتبارها مفهومًا متكاملًا لا يختزل بمجرد وجود قوات أجنبية على الأرض أو انسحابها منها رغم ان وجودها و رحيلها كان بطلب رسمي عراقي .

السيادة ليست خروج الجندي الأجنبي فقط

السيادة الحقيقية تعني أن تكون الدولة صاحبة القرار النهائي على أراضيها وأن تكون مؤسساتها الدستورية هي المرجعية العليا في إدارة الأمن والدفاع والسياسة الخارجية وفي اتخاذ القرارات التي تمس حاضر العراق ومستقبله و منع قادة الأحزاب  و المليشيات من التأثير على قرارات الدولة.

ولهذا فإن خروج القوات الأجنبية مهما كانت أهميته لا يمثل سوى جانب واحد من جوانب السيادة.

أما الاختبار الحقيقي فيكمن في قدرة الدولة العراقية على اتخاذ  القرارات  و تنفيذها و حماية حدودها وفرض القانون وامتلاك القرار الأمني والعسكري ومنع تعدد مراكز القوة والقرار بحيث لا توجد جهة مسلحة  تستطيع أن تنافس مؤسسات الدولة أو تؤثر بصورة مستقلة في قرار الحرب والسلم خارج الإطار الدستوري.

السلاح والولاء.. معادلة السيادة

إن السلاح خارج إطار الدولة يمثل أحد أبرز التحديات أمام اكتمال السيادة لكن التحدي لا يتوقف عند السلاح المادي فقط فهناك أيضًا ولاء سياسي وفكري تبعي قد يتجاوز حدود الدولة الوطنية عندما تصبح مصالح الخارج مقدمة على المصلحة العراقية.

فالدولة لا تحتاج فقط إلى حصر السلاح بيد مؤسساتها وإنما تحتاج كذلك إلى أن يكون الولاء الوطني هو المرجعية الأولى لكل من يتصدى للعمل السياسي أو الأمني أو العسكري أو الإعلامي.

وهنا تكمن المعركة الأعمق: أن تتحول السيادة من شعار يُرفع في المناسبات الوطنية إلى ممارسة يومية تُترجم في القرار السياسي وفي احتكار الدولة للقوة وفي استقلال مؤسساتها وفي احترام دستورها وقوانينها.

السلاح خارج إطار الدولة.. الاختبار الأصعب

لا يمكن بناء دولة قوية مع تعدد مراكز القرار العسكري والأمني.

فالسلاح في الدولة الحديثة ليس مجرد وسيلة قتالية وإنما هو أحد أهم مظاهر السيادة. فلا سيادة بدون جيش قوي و اجهزة امنية قوية و مستقلة  ولذلك فإن حصر السلاح بيد الدولة لا ينبغي أن يكون شعارًا سياسيًا عابرًا بل مشروعًا وطنيًا ودستوريًا طويل الأمد.

ويحتاج هذا المشروع إلى مؤسسات عسكرية وأمنية مهنية قادرة على حماية العراق ومدربة وفق أحدث المناهج العسكرية ومجهزة بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الحديثة.

كما يحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة بحيث يشعر العراقي بأن أمنه وحقوقه وحمايته مسؤولية الدولة وليس مسؤولية أي جهة أخرى.

فالجيش العراقي القوي والمهني ليس مجرد مؤسسة عسكرية بل هو أحد أعمدة السيادة الوطنية وهو من يعزز من هيبة الدولة امام العالم و دول الجوار.

*تبعية السلاح و تبعية الولاء والقرار

هناك نوعًا آخر من التحديات لا يظهر في ساحات العمليات ولا يمكن قياسه بعدد البنادق والصواريخ.

إنه التبعية في الولاء و القرار والخطاب السياسي والفكري و الإعلامي.

وخاصة الذي نشاهده على شاشات الفضائيات من ممثلي الأحزاب والتيارات و المليشيات و أصحاب الأقلام الاجيرة

فقد تنسحب القوات الأجنبية من أرض العراق بينما تبقى بعض التأثيرات الخارجية حاضرة في السياسة والإعلام ومراكز القرار.

وهنا ينبغي التفريق بوضوح بين العلاقات الدولية الطبيعية وبين التبعية.

العراق دولة ذات مصالح ومن الطبيعي أن تربطه علاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع دول الجوار و العالم. كما أن الاستفادة من الخبرات الدولية في التدريب والتسليح والتعليم وتطوير المؤسسات لا تتعارض مع السيادة ما دامت تتم وفق المصلحة العراق وقرار مؤسسات الدولة.

أما المشكلة فتبدأ عندما يصبح القرار العراقي مرتبطًا بمصالح خارجية على حساب المصلحة الوطنية.

حرية الرأي مابين غياب المسؤولية الوطنية  والتبعية المطلقة

من المهم  التأكيد هنا الفرق مابين حرية الرأي و نقد سياسة الدولة ومابين الآراء التبعية الموالية لغير العراق و ترجيح مصالح دول على مصالح العراق  أن مواجهة التبعية الفكرية لا تعني إسكات المعارضين أو منع النقد أو مصادرة الرأي الاخر .

الديمقراطية الحقيقية تحتاج إلى تعدد الآراء والصحافة الحرة والنقد السياسي والمعارضة.

لكنها تحتاج في الوقت ذاته إلى خطاب مسؤول يحترم سيادة العراق  و وحدة المجتمع ويرفض التحريض الطائفي والقومي ولا يحول المنابر الإعلامية إلى ساحات لتكريس الانقسام أو تبرير العنف أو تقديم المصالح الخارجية باعتبارها بديلًا عن المصلحة العراقية.

المطلوب ليس حصر العقول وإنما بناء وعي وطني يجعل العقل العراقي سليم و مستقلًا في قراره قادرًا على التعامل مع العالم دون أن يفقد بوصلته الوطنية.

العراق لا يحتاج إلى عزلة.. بل إلى استقلال القرار

السيادة لا تعني أن يغلق العراق أبوابه أمام العالم.

العراق يحتاج إلى علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية وتركيا وإيران ودول آسيا وجميع دول العالم وفق قاعدة واضحة:

العراق أولًا.

من جلاء القوات إلى جلاء التبعية

مخرجات السيادة العراقية

  • استقلال القرار: القرار العراقي يجب أن يصدر من مؤسسات الدولة بعيدًا عن أي إملاءات أو تأثيرات خارجية.
  • حصر السلاح: لا سيادة مكتملة دون حصر السلاح بيد الدولة وفرض القانون على الجميع ولا يستثنى اي سلاح من هذا القرار .
  • إنهاء الولاءات الخارجية: الولاء الأول والأخير يجب أن يكون للعراق والدستور والمؤسسات الوطنية.
  • إعلام وطني مسؤول: تعزيز المهنية الإعلامية ومنع التحريض الطائفي وخطابات الكراهية و مروجي الولاءات الخارجية ومحاسبة المخالفين وفق القانون ومنع ظهور اي ناطق بأسم مليشيات او أحزاب مسلحة .
  • مؤسسات قوية: بناء مؤسسات عسكرية وأمنية وسياسية مستقلة و وطنية و مهنية قادرة على اتخاذ القرار وحمايته وتنفيذه.
  • وعي وطني مستقل: ترسيخ ثقافة حب الوطن و المواطنة ووحدة العراق فوق الانتماءات والارتباطات الخارجية.
  • علاقات متوازنة: الانفتاح على جميع الدول وفق المصالح العراقية أولا والاحترام المتبادل بعيدًا عن التبعية.
  • المعادلة النهائية:لا سيادة مع سلاح خارج سلطة الدولة ولا استقلال مع قرار مرتهن للخارج.

فجلاء القوات الأجنبية خطوة في طريق السيادة أما اكتمالها فيبدأ عندما يصبح القرار عراقيًا والسلاح للدولة والولاء للوطن.

ويبقى السؤال الجوهري: هل يدرك قادة الفصائل المسلحة خطورة المرحلة المقبلة في ظل استمرار تحدّي قرارات الدولة ورفض حصر السلاح بيد مؤسساتها وربط القرار العراقي بحسابات وولاءات خارجية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *