يثير تدريب الجيش الأمريكي على الدفن الميداني المؤقت لأعداد كبيرة من القتلى تساؤلات عن طبيعة الحروب التي يستعد لخوضها وحجم التحديات البشرية والإدارية التي قد تواجه قواته عندما تتعطل وسائل الإخلاء أو تتعرض خطوط المواصلات للتهديد.
وتكتسب هذه التدريبات أهمية عسكرية لأنها تختبر قدرة الجيش على التعامل مع أحد أقسى احتمالات الحرب: استمرار القتال مع تعذّر نقل جثامين القتلى إلى مؤسسات شؤون الموتى و تسليمهم إلى ذويهم.
أولاً: طبيعة التدريب وأهدافه
- أعلن الجيش الأمريكي في ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ تنفيذ المرحلة الثانية من تمرين «Dragon Covenant» في فورت براغ بولاية نورث كارولينا بمشاركة قيادة الإسناد الثالثة ولواء المهندسين العشرين واختصاصيي شؤون قتلى العمليات والطب الوقائي والإسناد الديني.
- استهدف التمرين اختبار الدفن المؤقت مع الحفاظ على سلامة الرفات تمهيداً لاستخراجها والتعرّف على هويات أصحابها وإعادتها لاحقاً.
- استُخدمت نماذج محاكاة وليس جثامين حقيقية.
- بلغ متوسط حفر خندق يتسع لعشرين جثماناً ساعةً وخمس عشرة دقيقة.
- قدّر المخططون أن سرية هندسية مجهزة بثماني جرافات وأربع حفارات يمكنها تجهيز خنادق وردمها بسعة تصل إلى ٢٤٠٠ جثمان خلال ٢٤ ساعة من العمل المتواصل.
ثانياً: الدلالات العسكرية
يمكن قراءة التدريب بوصفه استعداداً لبيئة عمليات قد تتسم بما يأتي:
- ارتفاع نسبة الخسائر: بما يفرض أعباءً تتجاوز قدرة منظومات النقل والإخلاء المعتادة.
- تأخر الإخلاء: نتيجة خسائر كبرى لاحد الطرفين او نتيجة سوء ظروف المعركة .
- طول فترة القتال: بما يستوجب إجراءات مؤقتة تحفظ كرامة القتلى وبياناتهم إلى حين توافر ظروف الاستعادة والنقل.
- اختبار واقعية الخطط: فالتخطيط العسكري المتكامل يشمل وضع جميع الفرضيات منها معالجة الخسائر البشرية إلى جانب التسليح والمناورة والإدامة.
ثالثاً: التعامل مع الجثامين في الحوادث النووية والإشعاعية
يتطلب تناول هذا الجانب التمييز بين الجثث التي تعرضت للإشعاع و الجثث التي تلوثت بمواد مشعة. فالتعرض وحده لا يعني وجود مواد مشعة على الجسم أو داخله لذلك لا يصح وصف جميع ضحايا الانفجارات النووية بأنهم مصادر إشعاع خطرة .
عند الاشتباه بالتلوث تُفحص الجثامين بأجهزة مناسبة وتُحدد إجراءات التعامل معها بإشراف اختصاصيي الوقاية الإشعاعية وفق طبيعة المواد المشعة ومستوياتها.
وتشمل الاحتياطات بحسب الحالة:
- تطهير الجثث و إزالة التلوث الخارجي قدر الإمكان واحتواء المواد الملوثة.
- تزويد العاملين في عملية الإخلاء والدفن بوسائل الوقاية وأجهزة قياس الجرعات المناسبة.
- استخدام وسائل احتواء الاشعاع ومنع تسريبه من المقابر.
- منع حرق الجثامين الملوثة .
ويبقى السؤال الجوهري: هل نحن أمام استعداد لضربات شديدة التدمير قد تشمل أسلحة نووية أو قنابل تقليدية ضخمة تُعرف إعلامياً بـ«أم القنابل» وما قد يترتب عليها من خسائر بشرية كارثية تستدعي استجابة عاجلة لاحتواء تداعياتها؟ أم أمام تحضيرات لحرب برية يتوقع الجانب الأمريكي أن تتكبد قواته خلالها خسائر فادحة في الأرواح؟ أم أن هذه التدريبات تندرج ضمن الاستعداد الاحترازي لأسوأ احتمالات الحرب دون أن تعني اتخاذ قرار بتنفيذ أيٍّ من هذه السيناريوهات؟


