بلقنة العراق… مؤامرة تحاك على أنقاض وطن لم يمت

بلقنة العراق… مؤامرة تحاك على أنقاض وطن لم يمت
يرى الطرح أن استدعاء مصطلح «بلقنة العراق» بالتزامن مع ضغوط حصر السلاح يثير مخاوف من توظيف الملف لإضعاف بنية القوة الداخلية، مؤكداً أن صيانة وحدة العراق وسيادته تتطلب معالجة وطنية مستقلة للتعدد والسلاح والتدخلات الخارجية....

ما زال العراق ينزف من جراح لم تندمل، وما زالت أيادي العبث تمتد إلى جسده المتعب، تارة بحديث “حصر السلاح”، وتارة أخرى بخنجر “التقسيم” على أسس اثنية وقومية وطائفية. تصريح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الأخير لم يكن زلة لسان عابرة، بل كان وميض سكين قديم يعاد شحذه في العلن، وكأن العراق بات لعبة في يد من ظن أنهم أسقطوا نظامه ليسقطوا كرامته إلى الأبد. إنه تصريح يحمل في طياته سموم مشروع قديم جديد، مشروع لم يمت في عقول من يحيكون، بل ظل يتربص بالعراق في كل منعطف، ينتظر اللحظة المواتية ليعود إلى الواجهة.

لقد راهنت أمريكا، بعد عام ٢٠٠٣، على أن العراق سيبقى جسدا بلا مناعة، بعد أن دمرت أجهزته الأمنية، ونسفت بنيانه الاقتصادي، وخلخلت نسيجه الاجتماعي. ظنوا أنهم سيرسمون خرائط النفوذ على أرض الرافدين، وأن العراق سيصبح حديقة خلفية لمشاريعهم، وممرا آمنا لأطماعهم، ومحطة يمرون بها متى شاؤوا دون حساب ولا عقاب. لكن العراق — بفضل الله، ثم بفضل أبنائه المؤمنين — أبى أن يموت. نهض من الركام، وخاض حربا شرسة ضد أشرس تنظيم إرهابي دولي عرفه التاريخ، وخرج منها منتصرا مرفوع الرأس، مذهلا من راهنوا على سقوطه. لقد أثبت العراق للعالم كله أن الإرادة الوطنية أقوى من كل المؤامرات، وأن الدم العراقي الزكي قادر على صناعة النصر من قلب الرماد.

لكن الأعداء لم يهدأ لهم بال. لما عجزوا عن المواجهة العسكرية المباشرة، لجؤوا إلى النخر من الداخل. حركوا الشارع تحت شعارات براقة، واستغلوا حقوقا مشروعة لأبناء المجتمع العراقي، فحولوها إلى فوضى عارمة، عطلت المؤسسات، واستباحت الحرمات، وولغت في دماء الأبرياء. وما دم الشاب هيثم علي إسماعيل عنا ببعيد، حين أعدم في ساحة الوثبة في منتصف بغداد، لما رفض أن يجلسوا أمام داره صارخين ببذاءة ألفاظهم. تلك الدماء الزكية ليست مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل هي شواهد على أن من حركوا الشارع لم يكونوا يوما طلاب حقوق، بل كانوا أدوات مشروع خارجي أراد تمزيق النسيج الوطني. لقد عطلت تلك الفوضى مشروعا كان يمكن أن يخلص العراق من أزماته، ومهدت الطريق أمام الفاسدين ليعبثوا بخيرات الشعب العراقي، ويسرقوا ثرواته تحت غطاء الفوضى والانفلات.

واليوم يعود ذات المشروع بلغة جديدة: “حصر السلاح”. وكأن السلاح الذي حمى أرض العراق وعرضه هو المشكلة، لا التدخلات السافرة، ولا القواعد الأجنبية. إنهم يريدون عراقا بلا سلاح يحميه، ليكون لقمة سائغة للتقسيم. فبعد أن فشلوا في إسقاطه من الخارج، يحاولون تقطيعه من الداخل: كردستان هنا، سنة هناك، شيعة في الوسط والجنوب… وكأن العراق قطعة قماش بالية يمكن تمزيقها على مقاس الأطماع. وإن السعي إلى نزع السلاح الذي حمى الأرض والعرض ليس سوى مقدمة لخيار أخطر، ألا وهو خيار التفتيت والتقسيم على أسس اثنية وقومية وطائفية، وهو مشروع يخدم أعداء العراق قبل أصدقائه، ويعيد عقارب الساعة إلى زمن الفتنة والانقسام.

لكن العراق الذي انتصر على الإرهاب، قادر على إفشال المؤامرة. إن وحدة العراق ليست ترفا سياسيا، بل هي ضمانة بقائه، وأساس مستقبله، وحجر الزاوية في كل مشروع وطني حقيقي. ومن يظن أن بلقنة العراق ستمرر تحت شعارات “حقوق الأقليات” أو “حصر السلاح”، فهو واهم. فالعراق ليس لقمة سائغة، وشعبه ليس قطيعا يقاد إلى المسلخ. لقد دفع العراق ثمنا باهظا من دماء أبنائه، ولن يسمح بأن تسرق تضحياتهم على طاولة المفاوضات، أو أن تباع وحدة أرضه في أسواق السياسة الدولية.

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تصريح عابر، بل هو إعلان حرب ناعمة على وحدة العراق. ومن واجب كل عراقي حر أن يقف في وجه هذا المشروع المشؤوم، وأن يعلن بصوت واحد: العراق واحد… لا للتقسيم، لا للبلقنة، لا للهيمنة. سيبقى العراق عصيا على كل من يحاول كسره، لأن فيه من الرجال من لا يبيعون الوطن بثمن بخس، ومن النساء من يربين الأجيال على حبه. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *