في خضم المشهد العراقي المأزوم، انفجرت قضية عدنان الجميلي، وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية، كأحد أعنف فضائح الفساد التي هزت أركان الدولة، حيث كشفت التحقيقات عن ضبط مبالغ طائلة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون حصيلة اختلاس فرد واحد، فما إن ألقي القبض عليه حتى بدأت الكواليس تتكشف عن مبالغ نقدية هائلة تجاوزت مئات المليارت، إضافة إلى نصف طن من الذهب وعشرات العقارات الفاخرة ومعامل طحن تقدر قيمتها بعشرات المليارات، مخبأة في أوعية مياه وحفر تصريف أمطار وجدران منازل وأراضٍ زراعية، ما يثير التساؤل المشروع حول قدرة مسؤول مهما علت منزلته على تدبير هذه الثروة الخيالية بمفرده، لتبدو القضية أشبه بجبل جليدي يخفي تحته حقيقة مغيبة مفادها أن هذه الأموال قد تكون حصيلة تجميع من زعماء سياسيين فاسدين ونافذين في مؤسسات الدولة، وأن ما يجري الآن قد يكون مجرد تسويات سياسية تُبرم بأسماء صغار الفاسدين بينما يفلت كبارهم، خاصة مع ما كشفته اعترافات الجميلي نفسه من تورط 128 شخصاً بينهم نواب ومسؤولون، وما صرح به وزير الاتصالات من أن هذا “الحوت” كان يصرف أموال أربع مصافٍ لتمويل أحزاب سياسية، مما يعيد إلى الأذهان مشهداً متكرراً في العراق حيث يدفع الوسيط أو المنفذ الثمن مقابل إبقاء الرؤوس الكبيرة في مأمن، وتتحول قضية فساد مدوية إلى حلقة جديدة في مسلسل الإفلات من العقاب يضحي فيها شخص كالجميلي ليكون كبش فداء يغطي على شبكات الفساد الأوسع التي تستنزف مقدرات الشعب، ولا يقتصر ضرر هذه السرقات على كونها جريمة مالية نكراء، بل تمتد جذورها لتغرس سمها في عمق الاقتصاد العراقي الذي يعتمد على النفط في أكثر من 90% من إيراداته، فكل دولار يُسرق من قطاع النفط هو رواتب شهرية تتأخر عن ملايين الموظفين، ومشاريع خدماتية تتعطل كبناء المدارس والمستشفيات، وفرصة حقيقية للنهوض تُهدر أمام جشع الفاسدين، ليبقى الاقتصاد منهكاً غير قادر على تحقيق أي تنمية مستدامة، وتتحول مؤسسات الدولة إلى أداة نهب لا أداة بناء، ما يجعل المواطن البسيط يشهد بأم عينيه كيف تتبخر أموال بلاده في جيوب فئة نافذة بينما يعاني هو من أزمة خدمات خانقة وتضخم يلتهم مدخراته، وهذا الاستنزاف المتعمد للثروة النفطية هو في جوهره ضرب للسيادة الوطنية وتحويل العراق إلى دولة ريعية فاسدة يستحيل معها تحقيق أي إصلاح اقتصادي جدي.
ومع استمرار تدفق هذا المال الفاسد إلى جيوب المسؤولين والمحسوبين، لا يتوقف الضرر عند الحدود الاقتصادية، بل يولد عوامل اجتماعية مدمرة تتمثل في تآكل النسيج الأخلاقي للبلد، حيث تترسخ ثقافة الإفلات من العقاب وتتحول السرقة إلى وسيلة مشروعة للنجاح الاجتماعي، فيختل ميزان القيم وتصبح العبرة بمن يملك المال بغض النظر عن مصدره، وتتفشى مظاهر البذخ والاستهلاك المفرط بين أبناء الطبقة السياسية الفاسدة بينما تغرق الغالبية في الفقر والحرمان، ما يخلق حالة من الإحباط الجماعي وفقدان الثقة في أي مؤسسة، ويدفع شباب العراق إما إلى الهجرة أو إلى الانخراط في مسارات مشبوهة ليصنعوا لأنفسهم طريقاً نحو الثراء السريع، وهكذا يتكرس الانحلال الأخلاقي ويصبح الفساد جزءاً من التركيبة الاجتماعية اليومية، مما ينذر بكارثة حقيقية تهدد استقرار المجتمع برمته.
وفي مواجهة هذا الواقع الكارثي، لا مناص من أن تتحرك كل مؤسسات الدولة بجسارة وحزم غير مسبوقين؛ فالحكومة التي بدأت حملة “صولة الفجر” مطالبة بأن لاتكتفي بملاحقة الصغار وأن تمتد يدها بكل شجاعة إلى كبار المتورطين من الأحزاب والزعماء الذين يستترون خلف حصاناتهم وحصونهم السياسية، والقضاء العراقي الذي يعد الملاذ الأخير للشعب يجب أن يواصل تحقيقاته بنزاهة تامة وشفافية مطلقة، رافضاً أي ضغوط أو تسويات تكرس الفساد وتعطل العدالة، وألا يسمح بأن تتحول قضية الجميلي إلى مجرد قصة تنتهي بعقوبة رمزية بينما يخرج الفاعلون الأساسيون سالمي الذمة.
أما مجلس النواب، فعليه أن يستيقظ من سباته العميق ويكسر قيود المحاصصة الحزبية ليعود إلى دوره الرقابي الأصيل في كشف الفساد ومحاسبته، بدلاً من أن يكون غطاءً سياسياً لتمرير صفقات مشبوهة وحماية رموز النظام الفاسد. والأكثر إلحاحاً هو دور الزعامات الدينية والسياسية في تجريم الفساد ثقافياً ودينياً ونبذ الفاسدين اجتماعياً، فهذه الزعامات تملك النفوذ الروحي والمعنوي لتغيير قناعات الناس وخلق رأي عام رافض بشدة للفساد، ويمكنها أن تجعل من مكافحة السرقة والرشوة قيمة مقدسة لا تقبل المساومة، وأن تحاصر الفاسدين سياسياً وتحرمهم من أي شرعية شعبية أو دينية، ليتحولوا إلى منبوذين في مجتمعهم.
إن قضية عدنان الجميلي ليست مجرد محاكمة فردية عابرة، بل هي مفترق طرق مصيري للعراق، فإما أن تكون نقطة الانطلاق الحقيقية نحو تطهير مؤسسات الدولة وكشف المستور وقطع دابر شبكات الفساد المستشرية، وإما أن تتحول إلى حلقة جديدة في مسلسل الخيانة، يغتني فيها الزعماء على حساب دماء الفقراء، ويظل العراق أسير اقتصاد منهك ومجتمع فاسد، ولن يكون الخلاص إلا بإرادة حقيقية تتحد فيها كل سلطات الدولة والمرجعيات في معركة واحدة ضد هذا الوحش الذي التهم مستقبل الأجيال.
