لطالما اتسمت العلاقات بين إيران والعراق، بوصفهما جارتين تربطهما روابط جغرافية وتاريخية ودينية عميقة، بمزيج معقد من التنافس والشراكة، تخللته فترات من المد والجزر. فقد مرَّ البلدان بصراعات دامية، رسم معالمها المحيط الإقليمي والدولي، وكانت أبرزها الحرب الضارية في ثمانينيات القرن الماضي، التي هدفت إلى إرهاق الشعبين الشقيقين وزرع بذور العداوة والتفرقة بينهما. وبعد زوال النظام البعثي المجرم، شهدت هذه العلاقات مراحل متقدمة من التقارب الاقتصادي والسياسي.
إلا أن المشهد الحالي يشهد تحولاً نوعياً أعمق، يتجاوز المصالح المادية والتفاهمات السياسية العابرة، ليصل إلى مستوى “شراكة عقائدية ومصيرية استراتيجية”. وكشفت التطورات الأخيرة، خاصة في أعقاب العدوان الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية واستهداف أمنها القومي، عن هذا البُعد الثالث بجلاء، وهو بُعد أفرزته معطيات حاسمة أبرزها الانتماء الروحي المشترك لدى شريحة واسعة من الشعب العراقي، وإدراكهم أن مصيرهم مرتبط بمصير إيران في مواجهة المخططات المعادية.
فقد كشفت الأحداث الأخيرة، لاسيما الهجمات التي استهدفت إيران في سياق التوترات الإقليمية المتصاعدة، عن عمق استراتيجي جديد في العلاقة. فقد تجاوزت الاستجابة العراقية، الرسمية والشعبية، حدود التضامن الدبلوماسي والمصالح الاقتصادية الضيقة. فما برز بوضوح هو قوة الانتماء الديني والعقائدي المشترك، خاصة لدى قطاعات واسعة من العراقيين. فحين تعرضت إيران للتهديد في سياق “المشروع التصادمي” مع محور المقاومة، استحضر ذلك مشاعر عميقة بالتضامن والتآخي العقائدي. إذ رأى كثيرون في الدفاع عن إيران – التي تمثل في نظرهم قلب العالم الشيعي وقائدة محور المقاومة – دفاعاً عن هويتهم الدينية ومقدساتهم ذاتها. هذا الانتماء الروحي ليس وليد اللحظة، لكنه تجلى بقوة غير مسبوقة في اختبار الأزمة الأخيرة، متجاوزاً الحدود السياسية وحسابات المكاسب المادية.
أما بُعد المصير المشترك، فيكمن في اقتناع شريحة مؤثرة من العراقيين بأن مصيرهم مرتبط وجودياً بمصير الجمهورية الإسلامية. فهم يرون أن المخططات التي تستهدف إيران هي حلقة في مشروع إقليمي ودولي أوسع، يهدف إلى إعادة تشكيل خريطة المنطقة وقمع أي قوة تتبنى خطاب المقاومة وتقف في وجه هيمنة الاستكبار العالمي. وتستند هذه الرؤية إلى التزام عقائدي واستراتيجي، قائم على تصور مشترك للعدو وللمستقبل المنشود. وفي هذا السياق، يرى هؤلاء أن العراق سيكون الهدف التالي حتماً في حال نجاح هذا المخطط ضد إيران. هذا الإدراك للمصير المشترك يُنشئ رابطة وجودية تفوق في متانتها أي شراكة اقتصادية أو سياسية.
وهذا البُعد الجديد لا يقتصر على الخطاب الرسمي أو الشعبي المؤيد، بل يتجلى أيضاً في مواقف الخصوم، كما تبدو في التصريحات الصادرة عن بعض قادة المكونات الأخرى وبقايا النظام البعثي المجرم، الذين يتبنون خطاباً طائفياً وقومياً متطرفاً ضد المكون الشيعي وعلاقته بإيران.
*تطبيقات البُعد الثالث على الأرض: مستويات متعددة*
المستوى الأول
العسكري والأمني:- ويشمل تعاوناً استخباراتياً مكثفاً، وتنسيقاً عملياتياً بين البلدين الشقيقين لمواجهة التهديدات المشتركة (مثل داعش سابقاً، والتهديدات الحالية)، مع التهديد بالرد الموحد على أي عدوان.
المستوى الثاني
السياسي:- ويتمثل في دعم الموقف الإيراني في المحافل الدولية والإقليمية، والسعي لتخفيف تلك الضغوط الدولية المفروضة على طهران.
المستوى الثالث
الثقافي والديني:- ويتجسد في تعزيز الروابط عبر المؤسسات الدينية، وتيسير الزيارات المليونية للمراقد المقدسة في البلدين، واستخدام الخطاب الديني المشترك في تعبئة الرأي العام.
المستوى الرابع
التحديات والآفاق:- ورغم قوة هذا البُعد، فإن العلاقة تواجه تحديات جادة:-
1- الانقسام الداخلي العراقي:- وجود تيارات سياسية واجتماعية ترفض هذه الرؤية العقائدية وتعتبر التقارب مع إيران تهديداً للسيادة الوطنية واستمراراً للهيمنة الخارجية.
2- الضغوط الإقليمية والدولية:- معارضة شديدة من دول عربية وغربية (خاصة الولايات المتحدة وإسرائيل) لهذا التحالف، ومحاولات مستمرة لتقويضه عبر العقوبات ودعم القوى المعارضة داخلياً.
3- إدارة التوازنات:- حاجة الحكومة العراقية الدائمة لإيجاد توازن دقيق بين علاقتها الاستراتيجية مع إيران وعلاقاتها مع جيرانها العرب والغرب.
لذا لم تعد العلاقة بين إيران والعراق مجرد شراكة جوار أو تعاون اقتصادي وسياسي. لقد تطورت، مدفوعة بالانتماء الديني المشترك، وإدراك التهديد الوجودي من خصوم مشتركين، وتجارب الصراعات المريرة، إلى مستوى “الشراكة العقائدية الاستراتيجية”. فالهجمات الأخيرة على إيران لم تُنشئ هذا البُعد، بل كشفت النقاب عنه بقوة، وعرضته للعالم من خلال المواقف والفعاليات المتعددة.
إن إدراك شريحة مؤثرة من الشعب العراقي أن مصيرها مرتبط بمصير إيران، وأن أي ضربة موجّهة الى إيران هي ضربة للعراق، يجعل من هذا التحالف أكثر من تحالف ظرفي؛ إنه تحالف وجودي. مستقبل هذا التحالف سيكون محورياً ليس فقط لمصير البلدين، بل لملامح النظام الإقليمي في الشرق الأوسط برمته، حيث يبدو أن بغداد وطهران قد اختارتا، بوعي، السير معاً في مواجهة العواصف القادمة، مستندتين إ
لى قوة العقيدة وإدراك وحدة المصير.


