حصر السلاح بين الدولة الغائبة والمصالح الضيقة
عندما يكتب المرء عن العراق اليوم، لا يمكنه أن يتجاهل أن هذا البلد، الذي مزقته الحروب، وأتعبه الحصار، وأدماه الاحتلال، ووقف على مشارف الهاوية في ربيع 2014، لم ينجُ إلا بتكاتف أبنائه. فقد هبّوا كرجل واحد حين تخلى عنهم العالم، سوى من حتّم عليهم واجبهم الديني والأخلاقي تجاه هذا البلد ومقدساته وحرماته. ومن هنا، لا يمكن فصل سؤال حصر السلاح عن سؤال الدولة التي قدّم هؤلاء أرواحهم من أجل بقائها.
فقبل الحديث عن الأخطاء والإخفاقات، لا بد من وقفة إنصاف لمن كانوا سبباً في بقاء هذا الوطن على قيد الحياة.
في تلك الأيام العصيبة التي لن ينساها عراقي، حين كانت عصابات الظلام تتقدم نحو العاصمة وكأن الأرض تطوى تحت أقدامها، وكانت القوات النظامية تتهاوى أمام زحفها المرعب، خرجت فتوى المرجعية الدينية العليا تحث على الجهاد الكفائي.
وإذا بالشباب العراقي، من كل الطوائف والقوميات، يهب وكأنه روح واحدة في جسد واحد. وتشكلت هيئات المقاومة الشعبية التي حملت اسم «الحشد»، وتدفقت إليه الفصائل المختلفة، في مشهد مهيب لم تشهد له المنطقة مثيلاً.
ولم تقف المساعدة عند حدود الداخل العراقي، بل امتدت إليها أياد من خارج الحدود. إذ كانت إيران من أوائل الدول، إن لم تكن هي الدولة الوحيدة، التي بادرت إلى تقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي للحكومة العراقية في لحظة الانهيار. كما كان لحزب الله اللبناني دور بارز في تقديم خبرات قتالية واستشارية، ساهمت في إعادة تنظيم بعض التشكيلات المقاتلة على الأرض.
هذه المساعدات، مهما اختلفت القراءات السياسية لها، تبقى شاهداً على أن معركة الموصل وتكريت لم تكن عراقية خالصة فحسب، بل كانت إقليمية في مواجهة مشروع عابر للحدود.
وقد ساعدت هذه التشكيلات الجيش المنهار على إعادة بناء نفسه من تحت الرماد، وشرعت في معركة استعادة الأرض شبراً شبراً. فمن تكريت إلى الفلوجة، ومن الرمادي إلى الموصل، كان الدم العراقي الزكي يروي تراب الوطن ليحرره من أشد وحشية عرفها القرن الحادي والعشرون.
أولئك الرجال لم يقاتلوا من أجل منصب أو مال، ولم يسعوا إلى شهرة أو سلطان. بل قاتلوا لأن الأرض كانت تحترق تحت أقدام أهلها، ولأن البيوت كانت تُهدم على رؤوس ساكنيها، ولأن الإنسانية كلها كانت تتعرى أمام جحيم ذلك التنظيم الإرهابي.
وهذا الإنصاف واجب ديني ووطني وأخلاقي، لا منّة فيه على أحد، بل هو اعتراف بحقيقة تاريخية شهدتها المدن والقرى. كما شهدتها العوائل التي عادت إلى ديارها بعد تحريرها. هذا هو الوجه الأول للقصة.
الوجه السياسي وغياب الدولة
أما الوجه الآخر، فهو الأكثر مرارة: الوجه السياسي. وهنا يبرز السؤال الأثقل، السؤال الذي يظل يدور في الرأس كلما تذكرنا تضحيات أولئك الشبان: أين الدولة التي قدموا أرواحهم من أجلها؟
أليست الدولة التي كانوا يحلمون بها، الدولة القوية العادلة، الدولة التي تحتضن الجميع وتحمي السيادة وتصون الكرامة؟ أم أنها لا تزال غائبة، مختفية خلف حكومات مؤقتة تشكلت وفق محاصصة طائفية وحزبية ضيقة، وجعلت من مصالحها الشخصية والحزبية أولوية على مستقبل البلد ومصير الأمة؟
منذ سنوات، ونحن نرى ملفات ثقيلة بحجم الجبال تُغلق وكأن شيئاً لم يكن. تيارات الفساد التي نهبت المليارات، وصفقات السلاح المشبوهة التي استنزفت خزينة الدولة الفقيرة، وقضايا المياه والنزاعات الحدودية التي تهدد الأمن الغذائي لملايين العراقيين، كلها تُلقى في النسيان.
لماذا؟ ليس لأن الحكومات عاجزة فقط، بل لأن التحقيق فيها يعني كشف شركاء في الحكم أنفسهم، وقد يؤدي إلى انهيار التحالفات الهشة التي يمسك بها الفرقاء على حساب مصالح الشعب.
حصر السلاح بين تسليم السلاح وبقاء الاحتلال
الأغرب من ذلك أننا نجد بعض التشكيلات التي قدمت بطولاتها في ميادين القتال تعلن اليوم استعدادها لتسليم سلاحها والاندماج في المؤسسات الحكومية. كما تؤكد أن الوقت قد حان لبناء كيان قوي ذي سيادة كاملة.
في المقابل، ترفض تشكيلات أخرى، لا تقل بطولاتها في الماضي، التسليم بسبب الوجود الأجنبي الذي لا يزال قائماً. وترى أن سلاحها جزء من «المقاومة» التي لا يمكن نزعها إياه طالما المحتل على الأرض.
وهنا تكمن العقدة التي لا يريد الكثيرون فهمها، أو يتظاهرون بعدم فهمها: الفرق بين الدولة والحكومة. فالدولة هي الكيان الدائم الذي يجمع الشعب والأرض والسيادة، وهي الإطار الذي يحتضن المجتمع وينظم شؤونه ويستمر عبر الزمن. أما الحكومة فهي مجرد سلطة تنفيذية مؤقتة، تأتي وتذهب من خلال الانتخابات وما ينتج عنها من تحالفات، وتخضع للمساءلة والمحاسبة من قبل الأدوات الرقابية.
إن إدراك هذا الفرق ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو جوهر الأزمة السياسية في العراق. فحين تتصرف الحكومات المتعاقبة وكأنها تمثل الدولة، وتتخذ قرارات تخدم مصالحها الضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا، يختلط في أذهان الناس مفهوم الدولة بمفهوم الحكومة.
وعندما يحدث هذا الخلط، يضيع الفرق بين الولاء للوطن والولاء للسلطة. كما يصبح نقد الحكومة بمثابة خيانة للدولة، وهذا وهم قاتل.
حصر السلاح بوصفه حصر القرار السيادي
نحن حين نتحدث عن حصر السلاح بيد الدولة، لا نعني سحبه من أيدي الذين قدموا الغالي والرخيص دفاعاً عن الوطن. فهذا إجحاف بحقهم وتضييع لتضحياتهم. إن ما نعنيه بحصر السلاح هو حصر القرار السيادي.
الدولة، بوصفها صاحبة السيادة والمصالح العليا للشعب، وحدها من تملك الحق في تحديد متى يُستخدم السلاح، وفي أي اتجاه، ولأي غاية. أما الحكومة، وهي جهاز مؤقت يخضع للمحاصصة والضغوط، فلا يمكن أن نمنحها هذه الثقة العمياء.
غير أن الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة تظل مشروطة بقدرتها على إنتاج حكومات مؤتمنة على مستقبل البلد. فكيف يمكن تسليم السلاح إلى دولة لا تزال حكوماتها أسيرة المحاصصة، وعاجزة عن محاسبة الفاسدين، ومستضعفة أمام التدخلات الخارجية؟
إن حصر السلاح، في غياب حكومات وطنية قادرة، لن يكون أكثر من نقل للسلاح من أيادٍ إلى أيادٍ أخرى قد تكون أقل كفاءة أو أكثر فساداً.
أليس من التناقض أن نطلب من الفصائل تسليم سلاحها إلى حكومة لا تستطيع محاسبة أحد شركائها في الفساد؟ أليس من العبث أن نطمئن لسلاح بيد حكومة عاجزة عن إبعاد القواعد التركية عن أراضيها، وعن وقف التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية، وعن حماية حدودها من انتهاكات الجيران؟
الحكومة التي تتشكل وفق رؤى ضيقة، وتحتضن أطرافاً لها ولاءات خارجية، وتتغاضى عن الفساد لضمان استمرارها، لا يمكن أن تكون أمينة على قرار الحرب والسلم.
العراق بين حكومة عابرة ودولة مفقودة
العراق اليوم لا يحتاج إلى حكومة أخرى تأتي وتذهب، ولا إلى وعود انتخابية تتبخر مع أول اختبار، ولا إلى خطب رنانة في المناسبات الوطنية. العراق يحتاج إلى دولة تفصل نفسها عن رغبات الأحزاب وفصائلها، دولة تحاسب الفاسد حتى لو كان شريكاً في الحكم.
الغالبية العظمى من الشعب العراقي مع حصر السلاح بيد الدولة، لكن هذا المطلب النبيل لن يتحقق ما دامت الدولة غائبة، وما دامت الحكومات تُدار وكأنها إقطاعيات خاصة يتوارثها الأقوياء.
الفرق بين الحكومة والدولة ليس نظرياً، إنه عملي ومباشر. الدولة تجمع، والحكومة تفرق. الدولة تخطط لأجيال، والحكومة تفكر بالانتخابات القادمة. الدولة تعطي الأولوية للشعب، والحكومة تعطيها لأطرافها. الدولة تبقى، والحكومات ترحل.
إن لم نفرق بينهما اليوم، فسنستمر في هذا المسلسل الممل: حكومات تتغنى بحصر السلاح، وفصائل تبرر بقاء سلاحها بضعف الدولة، وشعب يدفع الثمن من أمنه ومستقبله.
وبالتالي، يظل إشكال الدولة هو العقدة التي تجعل تضحيات الماضي غير قادرة وحدها على بناء المستقبل. فطالما ظلت الحكومات تُدار وكأنها ملكية خاصة للتحالفات الضيقة، ستظل دعوة حصر السلاح بيد الدولة مجرد شعار خطابي.
وذلك ما لم تسبقها أو ترافقها إرادة سياسية قادرة على إنتاج حكومات وطنية مؤتمنة، تستحق أن تكون أمينة على قرار الحرب والسلم، وعلى دماء الشهداء ومستقبل الأجيال.


