رسالة إلى السيد وزير الصحة عبد الحسين عزيز الموسوي

أزمة القطاع الصحي في العراق ورسالة إلى وزير الصحة عبد الحسين عزيز الموسوي
رسالة إلى وزير الصحة عبد الحسين عزيز الموسوي حول أزمة القطاع الصحي في العراق، وتدهور المستشفيات الحكومية، وارتفاع تكاليف العلاج، ومعاناة المرضى، وضرورة تفعيل قانون الضمان الصحي وإعادة بناء الثقة بالرعاية الصحية....

وزارة الصحة أم وزارة الألم؟

في الوقت الذي نثمّن فيه تشخيص السيد وزير الصحة، الدكتور عبد الحسين عزيز الموسوي، لواقع الوزارة،

ونعدّ ذلك مؤشرًا على حسن النية والشجاعة في مواجهة الواقع الصحي المتردي،

فإن حجم الأزمة التي يعيشها القطاع الصحي العراقي يتطلب وقفة وطنية جادة،

وإصلاحات عاجلة، وخططًا عملية تُعيد الثقة إلى المستشفيات الحكومية ومؤسسات الرعاية الصحية.

ففي ظل تدهور مستمر وبنية تحتية منهارة، تتحول كثير من المستشفيات الحكومية العراقية إلى أماكن انتظار مؤلمة لملايين المرضى.

ويطغى الإهمال وضعف الإدارة والفساد على جانب واسع من القطاع الصحي العام، ما يدفع المواطن العراقي،

مكرهًا، إلى اللجوء إلى قطاع خاص مكلف لا يرحم الفقراء.

أزمة صحية تتفاقم

يشهد القطاع الصحي في العراق أزمة متفاقمة تجمع بين ارتفاع تكاليف العلاج وتدهور الخدمات الحكومية،

الأمر الذي يدفع آلاف المواطنين سنويًا إلى السفر خارج البلاد بحثًا عن رعاية طبية موثوقة.

وتكشف الأرقام عن تخصيص الحكومة العراقية مبالغ سنوية لعلاج نحو 5000 مريض في الخارج،

بتكلفة متوسطة تصل إلى 4000 دولار للفرد،

وهو ما يشير بوضوح إلى عجز النظام الصحي المحلي عن التعامل مع كثير من الحالات المستعصية.

ويعاني المواطنون من نقص الأدوية والمعدات الطبية المتطورة، إلى جانب سوء الإدارة والفساد،

مما يزيد الفجوة بين الخدمات الصحية العامة والخاصة، ويجعل حق العلاج مرتبطًا بالقدرة المالية لا بالحاجة الإنسانية.

الرسوم الجديدة ومعاناة الأسر

يزيد قرار الوزارة المتعلق بجباية الرسوم على زيارة مرافقي المرضى من معاناة الأسر العراقية،

ولا سيما ذوي الدخل المحدود.

وقد أثار هذا القرار استياءً واسعًا عبر منصات التواصل الاجتماعي،

حيث عبّر كثير من المواطنين عن رفضهم لتحويل الرعاية الصحية إلى عبء مالي إضافي،

في وقت يعاني فيه المرضى وعوائلهم أصلًا من ارتفاع تكاليف العلاج والأدوية والتنقل.

إن مرافقة المريض ليست ترفًا، بل حاجة إنسانية واجتماعية،

خصوصًا في بيئة صحية تعاني أصلًا من نقص الخدمات وضعف الرعاية المباشرة.

القطاع الخاص بين الحاجة وغياب الرقابة

يبرز هذا الواقع تناقضًا واضحًا مع تزايد أعداد الأطباء والمستشفيات الأهلية،

التي غالبًا ما تكون باهظة التكلفة ولا تخضع، في كثير من الأحيان، للرقابة الكافية.

وبذلك تصبح هذه المؤسسات خارج متناول شريحة واسعة من المواطنين،

فيما يجد الفقراء أنفسهم أمام خيارين صعبين: إما الانتظار في مستشفيات حكومية مرهقة،

أو تحمل ديون وأعباء مالية قاسية للعلاج في القطاع الخاص.

العلاج خارج العراق ومخاطره

يدفع نقص الخدمات الطبية المتخصصة في العراق كثيرًا من المرضى إلى السفر نحو دول مثل الهند وإيران وتركيا بحثًا عن العلاج،

لكن هذا الخيار ليس خاليًا من المخاطر.

فهناك مشاهدات لحالات مؤلمة لعراقيين عالقين في الخارج،

ولا سيما في الهند، يعانون من مضاعفات علاجية وصعوبات مالية وإنسانية.

كما تشير بعض الإحصاءات إلى أن 10% من العمليات الجراحية التي أُجريت لعراقيين في الخارج انتهت بالفشل أو الوفاة،

بإجمالي 181 حالة فاشلة و372 وفاة، مقارنة بنسبة فشل أقل من 2% للعمليات التي أجراها أطباء أجانب داخل العراق.

وهذه الأرقام، إن صحت، تكشف الحاجة الملحة إلى إعادة بناء الثقة بالنظام الصحي العراقي،

وتطوير قدرته على استقطاب الخبرات، وتوفير العلاج داخل البلد بدل إرسال المرضى إلى مصير مجهول في الخارج.

نظام صحي بطبقتين

يعكس هذا الوضع فشل السياسات الصحية طويلة الأمد، حيث يؤدي الفساد وغياب التخطيط إلى إنتاج نظام صحي من مستويين.

الأول مخصص للأثرياء القادرين على تحمل تكاليف العلاج الخاص أو السفر إلى الخارج،

والثاني للفقراء الذين يواجهون خدمات متدهورة، ونقصًا في الأدوية، وطوابير انتظار طويلة، وضعفًا في الاستجابة الطبية.

وهذا الانقسام لا يهدد صحة المواطنين فقط، بل يهدد العدالة الاجتماعية،

ويعمق شعور الناس بأن الدولة عاجزة عن حماية أحد أبسط حقوقهم: الحق في العلاج.

ضرورة تفعيل قانون الضمان الصحي

نطالب السيد وزير الصحة بتدخل عاجل وفاعل لتفعيل قانون الضمان الصحي،

الذي تأخر تنفيذه بسبب الأزمات السياسية والإدارية.

كما نطالب بإعادة تأهيل المستشفيات الحكومية، وتحديث الأجهزة الطبية،

وتوفير الأدوية الأساسية، وتحسين إدارة الطوارئ،

وتعزيز الرقابة على المستشفيات الأهلية، ومحاسبة المقصرين والفاسدين وفق القانون.

إن إصلاح القطاع الصحي لا يتحقق بالشعارات، بل بخطة وطنية واضحة،

ومتابعة ميدانية صارمة، وإرادة سياسية جادة تعيد للمواطن ثقته بالمؤسسة الصحية.

سؤال إلى الدولة

يبقى السؤال المحوري:

كيف يمكن لبلد يمتلك ثروات نفطية هائلة أن يترك مواطنيه يصارعون من أجل حق أساسي كالرعاية الصحية؟

إن هذا السؤال لا يوجّه إلى وزارة الصحة وحدها، بل إلى الدولة بكل مؤسساتها،

لأن الصحة ليست ملفًا خدميًا عابرًا، بل قضية كرامة إنسانية وأمن اجتماعي واستقرار وطني.

خاتمة

نتمنى من السيد وزير الصحة الاستمرار في تشخيص الواقع الصحي كما هو، وعدم الاكتفاء بوصف المشكلات،

بل الانتقال إلى معالجتها بقرارات عملية واضحة،

وبخاصة تلك السلبيات التي تقف بوجه تطوير هذه الوزارة الحساسة، التي تمس حياة المواطن العراقي بشكل مباشر.

إن العراقي لا يطلب المستحيل، بل يطلب مستشفى يحفظ كرامته،

ودواءً متوفرًا، وطبيبًا قادرًا على علاجه، ونظامًا صحيًا لا يفرق بين غني وفقير.

فوزارة الصحة يجب أن تكون عنوانًا للحياة والأمل، لا رمزًا للألم والانتظار والمعاناة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *