مقترح لإشراك الكفاءات الأكاديمية الاقتصادية العراقية في معالجة الأزمة المالية والنقدية

الكفاءات الأكاديمية ومعالجة الأزمة المالية والنقدية في العراق
مقترح لإشراك الكفاءات الأكاديمية الاقتصادية العراقية في تشخيص الأزمة المالية والنقدية، ومراجعة السياسات، وبناء آلية علمية لصنع القرار...

الكفاءات الأكاديمية ومعالجة الأزمة المالية والنقدية

تواجه البيئة الاقتصادية العراقية في المرحلة الراهنة تحديات مالية ونقدية متشابكة. وتتطلب هذه التحديات توسيع دائرة التفكير وصنع القرار.

كما تتطلب إشراك الكفاءات الأكاديمية وعدم حصر معالجة الأزمات في الأطر التنفيذية التقليدية. ولا ينبغي أن تبقى المعالجة محصورة في مجموعة محدودة من المستشارين والمؤسسات الرسمية.

فالعراق يمتلك في جامعاته وكلياته الاقتصادية رصيداً كبيراً من الأساتذة والباحثين. ويشمل هذا الرصيد متخصصين في المالية العامة والسياسة النقدية والتنمية والاقتصاد الدولي.

إلا أن الاستفادة المؤسسية من هذا الرصيد العلمي في عملية صناعة القرار الاقتصادي ما تزال دون المستوى المطلوب.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء آلية منتظمة. وتتيح هذه الآلية للكفاءات الأكاديمية العراقية المساهمة في تشخيص الاختلالات المالية والنقدية.

كما تتيح لها اقتراح البدائل العملية. ولا سيما أساتذة كليات الإدارة والاقتصاد في الجامعات العراقية.

فهؤلاء يمتلكون خبرة علمية وبحثية طويلة في تحليل مشكلات الاقتصاد الوطني.

ولا ينبغي النظر إلى إشراك الأكاديميين بوصفه بديلاً عن المؤسسات التنفيذية المختصة. بل ينبغي النظر إليه باعتباره أداة لإثراء القرار الحكومي.

كما يفتح هذا الإشراك المجال أمام تعدد الرؤى الاقتصادية. ويخضع السياسات المقترحة لمناقشة علمية قبل اعتمادها.

وبذلك تقل احتمالات اتخاذ قرارات ذات آثار مالية أو نقدية واسعة. ولا سيما عندما لا تكون نتائجها المباشرة وغير المباشرة قد خضعت لتقييم كافٍ.

أولاً: مبادرة وطنية للاستفادة من الخبرات الأكاديمية الاقتصادية

يمكن إطلاق مبادرة وطنية تشارك فيها كليات الإدارة والاقتصاد في الجامعات العراقية الحكومية.

وتتم المشاركة من خلال تكليف هذه الكليات بإعداد دراسات مركزة وقصيرة الأجل. وتتناول هذه الدراسات الأزمة المالية والنقدية القائمة.

كما تقدم حلولاً عملية قابلة للتطبيق ضمن الإمكانات الفعلية للدولة.

ويُقترح أن تتولى كل كلية إعداد دراسة متخصصة. ويتم ذلك من خلال فريق يتكون من ثلاثة أساتذة من حملة المرتبة العلمية «أستاذ».

ويضمن هذا التشكيل مستوى مرتفعاً من الخبرة والرصانة الأكاديمية.

ويمكن توزيع الموضوعات بين الجامعات وفق الاختصاصات. فتتناول بعض الفرق السياسة المالية وإدارة الإنفاق العام.

بينما تركز فرق أخرى على السياسة النقدية والسيولة والمصارف. وتبحث فرق أخرى في الإيرادات غير النفطية والتنمية والاستثمار والتجارة الخارجية.

ولا ينبغي أن تتحول هذه المبادرة إلى مجرد إنتاج أوراق بحثية تحفظ في الأدراج.

بل يجب إنشاء مسار واضح لتحويل نتائج الدراسات إلى نقاش مؤسسي.

ويمكن تنظيم جلسة اقتصادية وطنية خاصة في الأمانة العامة لمجلس الوزراء.

وتُعرض خلالها أهم الدراسات والرؤى. ويتم ذلك بحضور الجهات الاقتصادية الأساسية في الدولة.

وفي مقدمة هذه الجهات وزارة المالية ووزارة التخطيط والبنك المركزي العراقي. إضافة إلى الجهات الاستشارية ذات العلاقة.

وتكمن أهمية هذه الآلية في أنها تسمح بمقارنة عدد كبير من البدائل الاقتصادية.

كما تمنع الاكتفاء بتبني رؤية واحدة. وتتيح إخضاع المقترحات للنقد العلمي والمناقشة المتبادلة.

ويؤدي ذلك إلى تحديد الخيارات الأكثر قابلية للتنفيذ. كما يساعد على اختيار البدائل الأقل كلفة على المالية العامة والمجتمع.

ثانياً: لجنة عليا لمراجعة السياسات والقرارات الاقتصادية

إلى جانب المبادرة الأكاديمية الواسعة، تبرز الحاجة إلى تشكيل لجنة اقتصادية مصغرة وعالية المستوى.

وتتولى هذه اللجنة مراجعة القرارات المالية والنقدية والاقتصادية ذات الأثر الاستراتيجي.

ولا سيما القرارات التي أُقرت في ظروف استثنائية. أو التي لم تحظَ بدراسة كافية لآثارها على الاقتصاد الكلي.

ويمكن أن تتكون اللجنة المقترحة من اثني عشر عضواً وفق التوزيع الآتي:

  • ثلاثة أساتذة جامعيين بمرتبة أستاذ متخصصين في المالية العامة والسياسة المالية.
  • ثلاثة أساتذة جامعيين بمرتبة أستاذ متخصصين في الاقتصاد النقدي والمصرفي.
  • أستاذان جامعيان بمرتبة أستاذ متخصصان في التنمية الاقتصادية.
  • ممثل عن البنك المركزي العراقي.
  • ممثل عن وزارة المالية.
  • ممثل عن وزارة التخطيط.
  • ممثل عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء.

ومن المهم أن يُراعى في اختيار الأعضاء معيار الاختصاص والكفاءة العلمية والاستقلال المهني.

ولا ينبغي الاكتفاء بالتمثيل الشكلي للمؤسسات فقط.

فالهدف الأساسي من اللجنة هو توفير منصة علمية قادرة على مراجعة القرارات الاقتصادية بصورة موضوعية.

كما تهدف إلى قياس آثار هذه القرارات المالية والنقدية والاجتماعية. ويتم ذلك قبل الاستمرار فيها أو تعديلها.

كما يمكن أن تعمل هذه اللجنة من دون تخصيص مكافآت أو رواتب إضافية لأعضائها.

وتُعد المشاركة فيها جزءاً من الواجب الأكاديمي والمؤسسي للأعضاء المنتدبين من جامعاتهم ومؤسساتهم.

وهذا يقلل التكلفة المالية. كما يؤكد أن الغاية الأساسية هي خدمة الاقتصاد الوطني.

ثالثاً: مراجعة القرارات الاقتصادية ذات الأثر المالي والنقدي

من أبرز الوظائف التي يمكن أن تضطلع بها اللجنة مراجعة القرارات الاقتصادية التي صدرت خلال الفترات السابقة.

ولا سيما تلك التي اتخذت في ظروف سياسية أو مالية استثنائية.

كما تشمل القرارات التي صدرت خلال مراحل تصريف الأعمال. أو من دون توفر تقييم اقتصادي متكامل لآثارها طويلة الأجل.

ولا ينبغي أن تُفهم المراجعة هنا بوصفها موقفاً سياسياً من حكومة سابقة أو جهة بعينها.

بل يجب فهمها باعتبارها ممارسة مؤسسية طبيعية.

فالسياسات الاقتصادية ليست قرارات جامدة. ومن حق الدولة أن تعيد تقييمها عندما تتغير الظروف.

كما يحق لها مراجعتها عندما تظهر نتائج لم تكن محسوبة عند إصدارها.

ومن الضروري أن تشمل عملية المراجعة القرارات المتعلقة بالإنفاق العام.

كما تشمل التوظيف الحكومي، والسياسة الضريبية والجمركية، وإدارة الدين العام، والائتمان المصرفي.

وتشمل أيضاً تنظيم الحصول على العملة الأجنبية وسياسات الاستيراد.

فضلاً عن القرارات التي تترك آثاراً مباشرة في سعر الصرف أو السيولة أو النشاط التجاري.

رابعاً: الكفاءات الأكاديمية وبناء آلية علمية لاتخاذ القرار الاقتصادي

المشكلة في الاقتصاد العراقي لا تكمن دائماً في نقص الأفكار.

بل تكمن في ضعف الآلية التي تنتقل من خلالها المعرفة الاقتصادية إلى القرار الحكومي.

فكثير من الدراسات والبحوث الجامعية تتناول مشكلات حقيقية في الاقتصاد العراقي.

لكنها تبقى منفصلة عن المؤسسات التنفيذية.

وفي المقابل، قد تصدر بعض القرارات الحكومية من دون وجود مسار مؤسسي واضح.

ويعني ذلك غياب آلية كافية لإخضاع هذه القرارات لتقييم أكاديمي مستقل.

ولهذا فإن الهدف الأبعد من هذا المقترح هو بناء حلقة اتصال مستمرة بين الجامعة وصانع القرار.

ولا ينبغي أن تقتصر الاستعانة بالأكاديميين على لحظة الأزمة.

بل يجب أن تصبح جزءاً من عملية تقييم السياسات العامة.

ويمكن أن تعتمد اللجنة منهجاً يقوم على إعداد ما يعرف في المؤسسات الاقتصادية بـ«تقييم الأثر الاقتصادي».

وبذلك لا يُنظر إلى أي قرار من زاوية واحدة فقط.

فعلى سبيل المثال، أي قرار يتعلق بتخفيض الإنفاق يجب ألا يقاس بمقدار الوفر الذي يحققه للخزينة فقط.

بل يجب أن يقاس أيضاً بأثره في الطلب المحلي والبطالة والاستثمار والنمو.

وأي قرار نقدي يتعلق بسعر الصرف أو تنظيم العملة الأجنبية يجب أن يدرس أثره في التضخم.

كما يجب أن يدرس أثره في الأسواق والتجارة والاستيراد والاحتياطيات والمصارف في الوقت نفسه.

خامساً: المخرجات والأهداف المتوقعة

يمكن أن تحقق هذه المبادرة مجموعة من النتائج المهمة.

وفي مقدمتها تقديم حلول عاجلة وقابلة للتنفيذ للمشكلات المالية والنقدية القائمة.

ويجب ألا تكتفي المبادرة بالتشخيص النظري أو المقترحات العامة.

كما يمكن تحويل التوصيات التي تحظى بالموافقة الحكومية إلى برامج تنفيذية محددة.

وتتولى الوزارات والمؤسسات المختصة تطبيق هذه البرامج.

ويجب أن يترافق ذلك مع تحديد الجهة المسؤولة والجدول الزمني ومؤشرات قياس النتائج.

فواحدة من مشكلات الإصلاح الاقتصادي في العراق تتمثل في وجود فجوة كبيرة بين إصدار التوصية وتنفيذها فعلياً.

ومن الأهداف الأساسية أيضاً صياغة سياسات اقتصادية تنطلق من الخصائص الحقيقية للاقتصاد العراقي.

ولا ينبغي نقل نماذج جاهزة من اقتصادات تختلف عنه في هيكل الإنتاج وسوق العمل ودور الدولة.

كما تختلف عنه في حجم الاقتصاد غير الرسمي ومستوى تطور القطاع المالي.

وينبغي أن تركز الدراسات على بناء رؤية طويلة الأجل لتنويع موارد الدولة.

فالنفط لا ينبغي أن يبقى المصدر شبه الوحيد لتمويل الموازنة.

ويتم ذلك من خلال تطوير الإيرادات الضريبية والجمركية. كما يتم من خلال إصلاح إدارة أملاك الدولة.

ويشمل ذلك أيضاً تنشيط القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية، وتحفيز الاستثمار الخاص.

كما يشمل زيادة مساهمة الاقتصاد المنتج في الناتج المحلي والإيرادات العامة.

سادساً: مراجعة سياسة التجارة الخارجية

ومن الملفات التي تستحق أن تحتل موقعاً أساسياً في هذه المراجعة سياسة التجارة الخارجية العراقية.

فالعلاقة بين الاستيراد والإنتاج المحلي وسعر الصرف والطلب على الدولار والإيرادات الجمركية علاقة مباشرة.

ولا يمكن إدارة الملف النقدي بمعزل عن هيكل التجارة الخارجية.

ويحتاج العراق إلى مراجعة نوعية الواردات.

كما يحتاج إلى معرفة مدى قدرة الإنتاج المحلي على إحلال جزء منها.

ويحتاج أيضاً إلى مراجعة كفاءة المنافذ الجمركية، وآليات حماية المنتج الوطني، وواقع الاتفاقيات التجارية.

كما ينبغي مراجعة حجم الاستيراد الاستهلاكي مقارنة باستيراد السلع الرأسمالية والمواد الأولية.

فهذه السلع والمواد تسهم في زيادة القدرة الإنتاجية.

فالهدف لا ينبغي أن يكون إغلاق السوق أو تبني سياسة حمائية مطلقة.

وإنما الهدف هو بناء سياسة تجارية تحقق توازناً بين حاجة المستهلك إلى السلع المستوردة وحاجة الاقتصاد إلى حماية قدرته الإنتاجية.

كما تهدف هذه السياسة إلى تقليل الطلب غير الضروري على العملة الأجنبية.

وتسعى أيضاً إلى زيادة القدرة التنافسية للقطاعات الوطنية.

سابعاً: من إدارة الأزمة إلى بناء السياسة الاقتصادية

إن أهمية إشراك الكفاءات الأكاديمية الاقتصادية العراقية لا ترتبط بالأزمة الحالية وحدها.

فاقتصاد بحجم الاقتصاد العراقي، وبحجم موارده وتحدياته، يحتاج إلى مؤسسة تفكير اقتصادي دائمة.

ويجب أن تسبق هذه المؤسسة القرار. ولا ينبغي أن تأتي بعد حدوث المشكلة.

ومن غير المنطقي أن تمتلك الجامعات العراقية مئات الأساتذة والباحثين في تخصصات الاقتصاد والمالية والمصارف والتنمية والتجارة الدولية والإدارة العامة.

وفي الوقت نفسه، تبقى مساهمتهم في صياغة السياسات الاقتصادية محدودة أو موسمية.

المطلوب هو تحويل هذه الخبرات إلى رأس مال معرفي للدولة.

ويتحقق ذلك عبر إنشاء قنوات مؤسسية تسمح للأكاديمي بدراسة المشكلة.

كما تسمح للجهة التنفيذية بتوفير البيانات. وتسمح لصانع القرار بمقارنة البدائل.

ثم تتيح تقييم النتائج بعد التطبيق.

فالاقتصاد العراقي اليوم لا يحتاج فقط إلى قرار يعالج أزمة سيولة أو عجز مالي آني.

بل يحتاج إلى إعادة بناء منهج صناعة القرار الاقتصادي نفسه.

وإشراك علماء الاقتصاد العراقيين في هذا المسار لا يمثل ترفاً أكاديمياً.

بل يمكن أن يكون أحد أدوات تصحيح اتجاه السياسة الاقتصادية.

ويشترط ذلك أن تكون المشاركة حقيقية. كما يجب أن تستند إلى البيانات والتحليل العلمي.

ويجب أيضاً أن تصل نتائجها إلى مواقع القرار والتنفيذ.

فالهدف في نهاية المطاف ليس تشكيل لجنة جديدة بقدر ما هو إنشاء آلية وطنية.

وتجعل هذه الآلية المعرفة الاقتصادية جزءاً أساسياً من صناعة القرار.

كما تمنح العراق فرصة للاستفادة من كفاءاته العلمية.

وبذلك ينتقل العراق من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى استباقها.

كما ينتقل إلى بناء سياسات أكثر استقراراً وكفاءة واستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *