أزمة دفع الرواتب بين الرواية السياسية والجذور الفعلية
في الرواية السائدة التي أخذت تتشكل خلال الأشهر الأخيرة في جزء من الأوساط السياسية العراقية، تكاد أزمة دفع الرواتب تُختزل في سلسلة سببية بسيطة: بدأت الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، فقامت طهران، رداً على ذلك، بتقييد حركة الملاحة في مضيق هرمز، فتراجعت صادرات النفط العراقية، ونتيجة لذلك واجهت الحكومة نقصاً في الموارد اللازمة لدفع الرواتب. تفسر هذه الرواية جزءاً من الواقع، لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تتحول إلى رواية سياسية تهدف إلى نقل المسؤولية؛ إذ ثمة فارق جوهري بين العامل الذي فاقم الأزمة والسبب الذي أوجدها.
لا شك في أن حرب عام 2026 وجهت ضربة بالغة الشدة إلى الاقتصاد العراقي. فقد بدأت الحرب في 28 شباط/فبراير بهجمات منسقة شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وتضررت صادرات النفط العراقية، التي كانت تعتمد بصورة رئيسية على مسار الخليج ومضيق هرمز، بشكل حاد. وقدّر مظهر محمد صالح، المستشار المالي والاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي، حجم خسائر العراق حتى نهاية حزيران/يونيو بنحو 40 إلى 45 مليار دولار. كما أعلن وزير النفط أن التحويلات الشهرية للقطاع النفطي إلى الخزانة العامة انخفضت من نحو 7 إلى 8 مليارات دولار قبل الحرب، إلى قرابة 1.5 مليار دولار.
لكن لا يمكن استناداً إلى هذه الحقيقة وحدها الاستنتاج بأن إيران هي السبب الجوهري لأزمة الرواتب في العراق. ومن منظور القانون الدولي أيضاً، تكتسب نقطة انطلاق الأزمة أهمية خاصة. فقد بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 شباط/فبراير هجمات عسكرية ضد إيران. ولم تحظَ هذه العمليات بتفويض من مجلس الأمن، كما رأى عدد من المتخصصين في القانون الدولي أن المبررات المقدمة لها لا تتوافق بصورة واضحة مع المعايير المعروفة للدفاع المشروع المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. كما قامت إيران، في رد مشروع، بالدفاع عن نفسها وممارسة سيادتها على الملاحة عبر مضيق هرمز.
أما المعضلة الاقتصادية العراقية فواضحة: لماذا ينبغي لحرب خارجية أن تهدد، خلال بضعة أشهر فقط، قدرة الدولة العراقية على دفع رواتب موظفيها؟ لا ينبغي البحث عن إجابة هذا السؤال في طهران وواشنطن بالدرجة الأولى، بل في بغداد قبل أي مكان آخر.
هرمز لم يُنشئ أزمة دفع الرواتب بل أزاح الستار عنها
تتعرض الاقتصادات النفطية دائماً لصدمات الأسعار والتصدير. والفرق بين دولة قادرة على الصمود ودولة هشة هو أن الأولى تبني، خلال سنوات الوفرة، احتياطيات وقدرات بديلة لمواجهة أوقات الأزمات. في حين تقوم الثانية بتحويل الإيرادات المؤقتة إلى نفقات دائمة.
وقد سار العراق، خلال العقدين الماضيين، في المسار الثاني إلى حد كبير. فقد حذّر صندوق النقد الدولي، قبل حرب عام 2026، من أن السياسة المالية للعراق كانت تسير نحو عدم الاستدامة حتى من دون وقوع حرب إقليمية. وبلغ عجز الموازنة في عام 2024 نحو 4.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وكان من الممكن، وفق سيناريو الصندوق آنذاك، أن يرتفع في غياب الإصلاحات إلى 9.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026.
كما ارتفعت حصة الرواتب والتقاعد من 22 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 إلى 24 في المئة في عام 2025، وكانت تتجه إلى 24.5 في المئة في عام 2026. والأهم من ذلك أن سعر النفط اللازم لتحقيق التوازن في الموازنة، قبل الحرب، ارتفع من نحو 54 دولاراً في عام 2020 إلى 84 دولاراً في عام 2024.
وتحمل هذه الأرقام رسالة واضحة: كانت بغداد، حتى قبل إغلاق مضيق هرمز، تتحرك باتجاه قيود مالية متزايدة. ولم تفعل الحرب سوى تسريع اصطدامها بالجدار.
التوظيف بدلاً من سياسة التشغيل
يجب البحث عن أحد الجذور المهمة للأزمة في تحوّل الدولة العراقية إلى أكبر آلية لتوزيع الوظائف السياسية. ففي العديد من البلدان، تقوم الدولة بالتوظيف من أجل تقديم الخدمات العامة. أما في العراق، فقد انعكست هذه العلاقة في حالات عديدة؛ إذ توسع جزء من الجهاز الحكومي لا على أساس الحاجة الإدارية، وإنما من أجل توزيع الدخل، وإدارة السخط الاجتماعي، وصناعة الولاء السياسي.
وقد ذكر البنك الدولي صراحة، في تقييمه للاقتصاد السياسي العراقي، أن الأحزاب المهيمنة استخدمت قوائم رواتب الدولة لمكافأة الولاء السياسي. كما أشار إلى أن الوعود بالتوظيف الحكومي، ولا سيما خلال الانتخابات والأزمات الاجتماعية، استُخدمت لكسب الأصوات أو تهدئة الاحتجاجات. وأكد التقييم نفسه أن جزءاً مهماً من عمليات التوظيف الواسعة لم يقم على أساس الكفاءة والاستحقاق، وإنما جرى في إطار شبكات المحسوبية والرعاية السياسية.
ولا تقتصر هذه المسألة على السنوات الأولى التي أعقبت عام 2003. فقد كتب «تشاتام هاوس» في تحليله لانتخابات عام 2025 أن القدرة على توزيع الوظائف العامة بقيت إحدى أدوات كسب الأصوات التي تمتلكها الحكومة القائمة. وذكر أنه خلال السنوات الثلاث من حكومة محمد شياع السوداني أُعلن عن نحو مليون موقع وظيفي جديد. كما وصف التحليل ذاته استخدام موارد الدولة وإمكاناتها لتوفير أفضلية انتخابية باعتباره إحدى السمات الأساسية للمنافسة السياسية في العراق.
ومن ثم، فعندما يعزو سياسيون اليوم أزمة الرواتب حصراً إلى مضيق هرمز، فإن جزءاً حاسماً من أصل المشكلة يجري استبعاده: من الذي ضخم فاتورة رواتب الدولة إلى هذا الحد خلال سنوات الوفرة النفطية؟
التوظيف الحكومي بين التأمين ضد البطالة وشراء الولاء
أصبح التوظيف الحكومي في العراق تدريجياً بديلاً عن سياسة حقيقية للتشغيل. فبدلاً من أن تنشئ الدولة بيئة تمكّن الشركات الخاصة من استيعاب القوى العاملة، أصبحت الدولة نفسها مسؤولة عن استيعاب جزء كبير من الطلب على الوظائف.
وكانت النتيجة نشوء حلقة تعزز نفسها باستمرار. يرى الشاب العراقي في الوظيفة الحكومية قدراً أكبر من الأمان والراتب والتقاعد والمكانة الاجتماعية، ومن ثم تنخفض رغبته في الالتحاق بالقطاع الخاص. ويواجه القطاع الخاص بدوره نقصاً في القوى العاملة الماهرة وضعفاً في الطلب. ثم تجد الدولة نفسها مجدداً، بسبب ضعف سوق العمل، تحت ضغط يدفعها إلى استحداث المزيد من الوظائف الحكومية.
وقد سلّط صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2025 الضوء على المشكلة نفسها، مؤكداً أن الحجم الكبير للقطاع العام والامتيازات التي يوفرها رفعا مستوى الأجور التي يتوقعها العمال، وشوّها سوق العمل، وخفّضا الإنتاجية. بل إن الصندوق اقترح أن يجري، في بعض قطاعات الدولة، تعيين موظف جديد واحد فقط مقابل كل موظفين اثنين يحالان إلى التقاعد. وكان من شأن هذا الإجراء، وفق حسابات الصندوق، أن يحقق بحلول عام 2030 وفورات تعادل ما لا يقل عن 2.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.
ويبين هذا الاقتراح أن المشكلة لا تتعلق بارتفاع الرواتب فقط؛ بل إن عدد الأشخاص الذين يتقاضون الرواتب، والمنطق الذي يحكم دخولهم إلى جهاز الدولة، يمثلان جزءاً من المشكلة أيضاً.
حين لا تعرف الدولة حتى لمن تدفع الرواتب
لكن الأزمة تنطوي على طبقة أعمق أيضاً: سلامة قوائم الرواتب وتكاملها. يُستخدم في الأدبيات السياسية العراقية مصطلح «الفضائيين» للإشارة إلى أشخاص توجد أسماؤهم في قوائم رواتب مؤسسة حكومية، لكن حضورهم الفعلي أو أداءهم للخدمة موضع شك.
وليست قضية الموظفين الوهميين جديدة. فقد أقرت اللجنة المالية في مجلس النواب منذ سنوات بوجود هذه الظاهرة، واعتبرت استخدام الأدوات المصرفية والإلكترونية إحدى وسائل مكافحتها. وحتى في آب/أغسطس 2026، عادت قضية «الموظفين الوهميين» في وزارة الكهرباء إلى المجال العام، رغم أن مصرف الرشيد نفى أي مسؤولية له عن تلك القضية.
ولا تكمن أهمية القضية في الفساد الفردي فحسب. فإمكانية دفع راتب لشخص لا يمكن التحقق من أدائه خدمة فعلية تعني أن الدولة لا تزال تفتقر إلى منظومة وطنية شاملة للموارد البشرية. وهذه المنظومة ينبغي أن تربط، في اللحظة نفسها، بين التوظيف والحضور والهوية والحساب المصرفي والتقاعد والحالة الحيوية لكل شخص يتلقى مدفوعات من الدولة.
ويؤدي هذا الضعف إلى كلفة متعددة المستويات. فقد يكون لدى الدولة في موقع ما عدد من الموظفين يفوق الحاجة الفعلية. وقد يتلقى شخص واحد مدفوعات من عدة قنوات حكومية. وقد يتأخر انعكاس خروج فرد من الخدمة على نظام الرواتب. كما أن غياب الربط الكامل بين السجل المدني، ونظام التقاعد، وشبكة الحماية الاجتماعية، والنظام المصرفي، يتيح أشكالاً مختلفة من المدفوعات غير المصرح بها.
كما تكررت في المجال العام العراقي ادعاءات بشأن استمرار دفع الأموال لأشخاص متوفين، أو لأشخاص لم يعودوا مستوفين لشروط الحصول على بعض الامتيازات. ولا تتوفر إحصاءات وطنية رسمية وموثوقة بشأن العدد الحالي لهذه الحالات، ولذلك لا يمكن الدفاع عن استخدام أرقام وسائل التواصل الاجتماعي في تحليل اقتصادي جاد. غير أن أصل وجود تسربات في منظومة المدفوعات الاجتماعية لم يعد مجرد ادعاء.
380 ألف ملف ورقم لا ينبغي تجاهله
أعلنت وزارة العمل العراقية في عام 2026 أنه حتى 4 أيار/مايو تم اكتشاف أكثر من 380 ألف حالة أو أسرة مخالفة ضمن شبكة الحماية الاجتماعية، وأن نحو 140 مليار دينار من الأموال المدفوعة قد استُعيدت أو وُضعت في مسار الاسترداد. ولا يحل هذا الرقم، في حد ذاته، أزمة الموازنة العراقية، لكنه بالغ الأهمية من منظور الحوكمة.
فإذا كانت مؤسسة حكومية واحدة قادرة، ضمن برنامج اجتماعي واحد، على اكتشاف مئات الآلاف من حالات عدم الاستحقاق، فإن السؤال التالي يصبح: ما حجم التداخل والأخطاء أو إساءة الاستخدام في مجمل منظومة الرواتب والتقاعد والمساعدات الاجتماعية والحصة التموينية والإعانات والمدفوعات الحكومية؟ عند هذه النقطة تحديداً تنفصل أزمة دفع الرواتب عن قضية النفط، وتتحول إلى مسألة تتعلق بجودة الدولة نفسها.
فالدولة الكفوءة، قبل أن تخفض مستوى الرواتب، يجب أن تعرف بدقة كم شخصاً تدفع له، وعلى أي أساس، ومقابل أي خدمة. إن مشكلة العراق ليست نقص المال فحسب؛ بل ضعف «الدولة الإحصائية» أيضاً. وهذا أحد الأبعاد الأقل إثارة للاهتمام في أزمة العراق، أي ضعف القدرة الإحصائية للدولة.
ولإدارة قوائم الرواتب بصورة صحيحة، ينبغي أن تكون الدولة قادرة على الإجابة عن مجموعة من الأسئلة البسيطة. كم عدد الموظفين الفاعلين؟ كم منهم في إجازة؟ كم شخصاً أحيل إلى التقاعد؟ كم شخصاً توفي؟ كم فرداً يحصل في الوقت نفسه على دخل من عدة مؤسسات؟ وكم مستفيداً من المساعدات الاجتماعية ما زال يحصل عليها رغم تغير دخله أو محل إقامته وعدم استمرار أهليته؟
وإذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب مراسلات بين عدة وزارات وفحص الملفات يدوياً، فإن المشكلة لا تعود مجرد فساد؛ بل تصبح غياباً للبنية التحتية للحوكمة.
وقد حذّر صندوق النقد الدولي أيضاً، بصورة صريحة في تقريره، من أوجه القصور الخطيرة في البيانات والإحصاءات العراقية، مشيراً إلى أن هذه الاختلالات قد تجعل حتى التقييم الدقيق للوضع الاقتصادي وتصميم السياسات المناسبة أمراً صعباً. ومن ثم، يجب أن يبدأ مشروع إصلاح الرواتب، قبل «خفض الرواتب»، بتنقية قوائم الرواتب.
الاحتياطيات الأجنبية والكلفة الخفية لاستمرار الوضع القائم
في المقابل، تشكل أزمة هرمز متغيراً حقيقياً وباهظ الكلفة للغاية، ولا ينبغي التقليل من أهميتها. وقد حذّر مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، من أن اضطراب الصادرات فرض ضغوطاً جدية على موارد العراق من النقد الأجنبي.
ووفق التصريحات المنشورة عنه، بلغت الاحتياطيات الأجنبية مستوى يقارب 85 مليار دولار، في حين كانت أرقام أعلى، تتجاوز 100 مليار دولار، تُطرح قبل تفاقم الأزمة باعتبارها الغطاء الاحتياطي للعراق من النقد الأجنبي. وكان صندوق النقد الدولي قد سجل احتياطيات نهاية عام 2024 عند 100.3 مليار دولار، وتوقع حتى قبل الحرب تراجعها تدريجياً في حال استمرار السياسة المالية القائمة.
وإذا اعتُمد مستوى يقارب 105 مليارات دولار قبل الأزمة ونحو 85 مليار دولار حالياً، فإن العراق يكون قد فقد خلال فترة قصيرة قرابة 20 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 19 في المئة من ذلك الغطاء الاحتياطي الأولي. لكن هذه المسألة نفسها تعزز الحجة الأساسية لهذا التحليل.
فالاحتياطيات الأجنبية لم تُنشأ لتعويض ضعف هيكلي ودائم في منظومة الرواتب. وإنما يفترض بهذه الاحتياطيات أن تحمي سعر الصرف والواردات والاستقرار المالي. وإذا استخدمت الحكومة بصورة مستمرة الغطاء الأجنبي للبلاد من أجل الحفاظ على قائمة رواتب متضخمة، فقد تتحول أزمة الموازنة في المرحلة التالية إلى ضغوط على الدينار وإلى التضخم.
وكان صندوق النقد الدولي قد حذّر، حتى قبل الحرب، من أن التمويل النقدي لعجز الحكومة يمكن أن يستنزف احتياطيات النقد الأجنبي ويضعف الميزانية العمومية للبنك المركزي.
حلول أزمة دفع الرواتب
إن الحل المستدام لأزمة الرواتب في العراق لا يكمن، بالدرجة الأولى، في الخفض الفوري للنفقات أو الاستخدام المؤقت للاحتياطيات الأجنبية، بل في إعادة تصميم البنية التحتية للحوكمة المالية والإدارية للدولة.
ويجب أن تتمثل الخطوة الأولى في الانتقال من اقتصاد قائم على النقد إلى اقتصاد رقمي، والتوسع الشامل في المدفوعات الإلكترونية. إذ ما دام جزء كبير من المعاملات، ودفع الرواتب، والمستحقات التقاعدية، والإعانات والمساعدات الاجتماعية يجري خارج منظومة شفافة وقابلة للتتبع، فإن قدرة الدولة على اكتشاف المدفوعات المكررة، والموظفين الوهميين، والمدفوعات للأشخاص غير المستوفين للشروط، وتسرب الموارد العامة ستظل محدودة.
وينبغي للحكومة أن تربط جميع المدفوعات العامة بحساب مصرفي شخصي، ورقم وطني موحد، وهوية بيومترية لكل فرد، وأن تقلل استخدام النقد في المدفوعات الحكومية إلى أدنى حد ممكن.
وإلى جانب ذلك، يحتاج العراق إلى منظومة وطنية موحدة للمعلومات تربط بصورة مباشرة وآنية بين السجل المدني، والبطاقة الوطنية، والجوازات والهجرة، ووزارة المالية، ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وصناديق التقاعد، والمصارف، والجهات الحكومية المعنية بالتوظيف، والمؤسسات الأمنية.
وفي مثل هذه البنية، ينبغي أن تنعكس وفاة الفرد، أو الهجرة طويلة الأمد، أو تغير وضعه الوظيفي، أو إحالته إلى التقاعد، أو حصوله في الوقت نفسه على أكثر من راتب أو إعانة، أو تغير مستوى دخله، بصورة آلية في جميع المنظومات ذات الصلة. ويمكن لهذا التكامل أن يلغي جزءاً كبيراً من المدفوعات غير المصرح بها من دون الحاجة إلى عمليات تفتيش حالة بحالة، مكلفة ومتفرقة.
أما الإصلاح الثاني، فيجب أن يستهدف نظام التوظيف الحكومي. فلا ينبغي أن يبقى التوظيف في العراق أداة لكسب الأصوات، أو توزيع الريع، أو الاستجابة المؤقتة للضغوط الاجتماعية. وينبغي للحكومة ألا تجري تعيينات جديدة إلا على أساس الحاجة الفعلية للمؤسسات، والسقف المالي المعتمد، ومن خلال آليات تنافسية وشفافة.
كما أن إنشاء بنك وطني للوظائف الحكومية، وتقييم إنتاجية الموظفين، وربط دفع الرواتب بالحضور المسجل، وإلغاء الوظائف الزائدة، يمكن أن يضبط كلفة القوى العاملة من دون اللجوء إلى خفض واسع للأجور.
وفي الوقت نفسه، يصبح رفع الإيرادات غير النفطية أمراً ضرورياً. فرقمنة الجمارك، وإصدار الفواتير الإلكترونية، وربط الشركات بالنظام الضريبي، وتتبع المعاملات الكبيرة، وتقليص الاقتصاد النقدي، يمكن أن تحد من التهرب الضريبي والتهريب. ولا تؤدي هذه الإصلاحات إلى زيادة إيرادات الدولة فحسب، بل تقلل أيضاً من اعتمادها على النفط.
وفي النهاية، يجب أن ينتقل العراق من نموذج «الدولة الموزعة للرواتب» إلى دولة قائمة على البيانات والكفاءة. وينبغي أن يكون مبدأ الإصلاح بسيطاً: قبل أن تطالب الدولة بمزيد من الموارد لدفع الرواتب، يجب أن تكون قادرة على تحديد من يتقاضى راتباً، وعلى أي أساس، ومقابل أي خدمة، وبأي مستوى من الاستحقاق، بصورة دقيقة.
ومن دون مثل هذه البنية التحتية، فإن أي زيادة في الإيرادات النفطية لن تفعل سوى تأجيل الأزمة، لا حلها.


