قراءة في حملة «الجبهة الثامنة»: كيف تخوض (إسرائيل) حرب المليار دولار على العقول؟

الجبهة الثامنة وحرب المليار دولار على العقول
قراءة في حملة الجبهة الثامنة، وشبكات التمويل والتأثير، وأدوات الدعاية الإسرائيلية، وحدود نجاحها أمام تراجع الرأي العام...

الخلاصة التنفيذية

تكشف ورقة معهد كوينسي أن (إسرائيل) لم تعد تتعامل مع تراجع صورتها بوصفه أزمة علاقات عامة مؤقتة، بل باعتباره «جبهة» قائمة بذاتها، لها ميزانيات وقيادة وشركات متخصصة وأهداف ديموغرافية وأدوات قياس.

التحول الأهم ليس فقط زيادة الإنفاق، وإنما الانتقال من الدبلوماسية العامة التقليدية إلى ما يمكن وصفه بـ«هندسة بيئة المعلومات»: التأثير في المؤثرين، والخوارزميات، ونتائج البحث، وإجابات الذكاء الاصطناعي، والقيادات الدينية، والصحفيين، وموظفي الكونغرس.

لكن الدراسة تكشف مفارقة مركزية: الحملة تحقق أرقامًا كبيرة في الوصول والإنتاج، بينما تستمر مؤشرات الرأي العام في التراجع. وهذا يعني أن (إسرائيل) قد تكون ناجحة تكتيكيًا في إيصال الرسالة، لكنها لا تزال عاجزة استراتيجيًا عن معالجة أثر السياسات والمشاهد القادمة من الميدان. وهذه هي نقطة الضعف الأساسية التي ينبغي أن تنطلق منها أي حملة مضادة.

تعتمد الورقة على بيانات قانون تسجيل الوكلاء الأجانب FARA، ووثائق مشتريات حكومية (إسرائيل)ية، ومقابلات، وتحقيقات صحفية؛ ما يمنحها قيمة توثيقية مرتفعة، مع ضرورة التمييز بين الأموال المرصودة والأموال المنفقة فعليًا، وبين مؤشرات الوصول وبين تغير القناعات.

أولًا: ماذا تغيّر في بنية الدعاية (الإسرائيلية)؟

1. الانتقال من «اللوبي الصديق» إلى الإدارة الحكومية المباشرة

تاريخيًا، استفادت (إسرائيل) من منظمات أميركية داعمة مثل «إيباك» ومنظمات المسيحية الصهيونية، وهي جهات ممولة أميركيًا ولا تظهر قانونيًا بوصفها أذرعًا للحكومة ال(إسرائيل)ية.

الجديد بعد 7 أكتوبر هو دخول الحكومة ال(إسرائيل)ية بصورة أكثر مباشرة عبر التعاقد مع وكلاء وشركات مسجلة بموجب FARA. ويتيح ذلك لها:

  • التحكم المباشر في الرسالة.
  • تحديد الجمهور المطلوب بدقة.
  • التحرك بسرعة خلال الأزمات.
  • توزيع العمل على شركات متخصصة.
  • شراء الوصول بدل الاعتماد على التأييد الطوعي وحده.

هذا التحول خلق بصمة مالية وقانونية يمكن تتبعها، لكنه في المقابل جعل الشبكة أكثر مهنية وتعقيدًا.

2. بناء شبكة موزعة لا جهاز دعائي واحد

تعمل شركة Havas Media وسيطًا مركزيًا بين الحكومة ال(إسرائيل)ية والشركات الأميركية. وهذه هندسة تنظيمية ذكية؛ لأن الحكومة لا تدير كل حملة بصورة مباشرة، بل تشتري قدرات جاهزة:

الجهة الوظيفة الأساسية
Clock Tower X الذكاء الاصطناعي، المواقع، الرسائل النصية، استهداف الجيل Z
Show Faith by Works استهداف الإنجيليين والكنائس
Bridges Partners إدارة مجموعة من المؤثرين
Targeted Communications الوصول إلى الإعلام المحافظ
SKDK علاقات إعلامية وبرنامج تضخيم رقمي
شركات أخرى صناعة المحتوى، الوفود، الضغط السياسي والإعلانات

الدلالة هنا أن الحملة تعمل بمنطق «تقسيم السوق»: شركة لكل جمهور، ومنصة، ووظيفة.

ثانيًا: الأدوات والتقنيات المستخدمة

الأداة طريقة الاستخدام الهدف الدعائي نقطة الضعف
المؤثرون المدفوعون دفع الأموال أو تغطية الرحلات والإقامة تمرير الرسالة بصوت يبدو مستقلًا انكشاف التمويل يهدم الثقة
الوفود الموجهة رحلات للصحفيين والقساوسة والمؤثرين ببرنامج مضبوط صناعة تجربة عاطفية وتغيير المواقف إظهار ما حُجب عن الزائرين
الإعلانات الرقمية شراء انتشار واسع على Google وMeta وX إغراق المجال برسالة محددة الوصول المدفوع لا يعني الاقتناع
المواقع المتخصصة إنشاء مواقع تبدو بحثية أو تعليمية إنتاج مراجع قابلة للاقتباس كشف التمويل وتشابه البنية والمحتوى
التأثير في الذكاء الاصطناعي تحسين المحتوى لمحركات البحث ونماذج GPT إدخال الرواية في إجابات الأدوات الذكية يمكن مواجهته بمحتوى موثق ومهيكل أفضل
الرسائل النصية التواصل المباشر من واجهات تحمل أسماء عامة تجاوز الإعلام والوصول إلى الفرد غياب الإفصاح يثير الشكوك القانونية
الاستهداف الجغرافي استهداف الحاضرين في الكنائس بالإعلانات ربط الرسالة بالمكان والهوية الدينية انتهاك الخصوصية يولد رد فعل عكسيًا
المحتوى الديني دراسات كتابية ومتاحف متنقلة وتجارب واقع افتراضي دمج الموقف السياسي بالعقيدة أصوات المسيحيين الفلسطينيين قادرة على تفكيكه
الإعلام المحافظ علاقات ومقابلات ومواد موجهة إلى Fox News وغيرها تحصين القاعدة الجمهورية الانقسام داخل «أميركا أولًا» يتسع
الحملات الخفية حسابات أو منصات تبدو إخبارية مستقلة غسل مصدر الرسالة التحقيق في الملكية والتمويل يكشفها

ثالثًا: التكنيكات النفسية والسردية

1. استعارة المصداقية

بدل أن تقول الحكومة ال(إسرائيل)ية الرسالة بنفسها، تقولها شخصية يثق بها الجمهور: مؤثر، قس، صحفي، فنان أو خبير. وبذلك يجري نقل الثقة من صاحب الرسالة إلى مضمونها.

2. تثبيت الرسالة داخل الهوية

خطاب الحملة لا يقول للجمهور الإنجيلي: «غيّر موقفك»، بل يقول: «هذا ما كنت تؤمن به دائمًا». وهذه تقنية تهدف إلى جعل التراجع عن دعم (إسرائيل) يبدو تراجعًا عن الهوية الدينية أو السياسية نفسها.

3. دمج الخصوم في تهديد واحد

تعمل الرسائل على دمج حماس وإيران والاحتجاجات الجامعية وانتقادات الحرب ضمن حزمة تهديد واحدة، ثم تقديم دعم (إسرائيل) بوصفه دفاعًا عن الأمن الأميركي.

4. قلب موقع الضحية والمتهم

بدل مناقشة الوقائع، يجري الطعن مسبقًا في صدقية الصور والتقارير، واتهام الإعلام بأنه يكرر «دعاية حماس». الهدف ليس دائمًا إقناع الجمهور برواية بديلة، بل جعله يشك في إمكانية معرفة الحقيقة.

5. الانتقال من الخبر إلى البيئة المعرفية

إنشاء مواقع مثل Paxpoint وJustorium وCompassionpulse لا يستهدف القارئ المباشر فقط، بل يسعى إلى إنتاج «مخزون معرفي» تستشهد به محركات البحث وأدوات الذكاء الاصطناعي. هذه أخطر النقاط مستقبلًا، لأن الرواية تتحول إلى بنية مرجعية قابلة لإعادة التدوير.

6. التجربة العاطفية المضبوطة

الوفد الزائر لا يتلقى بيانًا صحفيًا فقط؛ بل يعيش أيامًا داخل بيئة منتقاة، ويلتقي أطرافًا محددة، ويشاهد مواد عاطفية، ثم يعود لينقل تجربته الشخصية. إنها عملية تحويل الزائر إلى حامل رسالة.

رابعًا: قراءة الأرقام ودلالاتها

المؤشر الرقم الدلالة
الإنفاق المقدر منذ 2023 أكثر من مليار دولار اعتبار السمعة جزءًا من الأمن القومي
مخصصات 2023 نحو 50.5 مليون دولار نقطة الانطلاق بعد الحرب
مخصصات 2025 أكثر من 190 مليون دولار تضاعف سريع في التمويل
مخصصات 2026 نحو 750 مليون دولار قرابة 4 أضعاف 2025 و14.9 ضعف 2023
الإنفاق المرتبط بـFARA منذ 2023 أكثر من 100 مليون دولار توسع التدخل الحكومي المباشر في الولايات المتحدة
الشركات الجديدة المسجلة في 2024–2025 17 شركة تحول الحملة إلى قطاع مهني واسع
عقد Clock Tower X 46.5 مليون دولار لسنة أولوية الذكاء الاصطناعي والتأثير الرقمي
الحملة الإعلانية في 2025 نحو 45 مليون دولار اعتماد واسع على شراء الوصول
المحتوى الموجه للجيل Z 80% من أحد العقود الإقرار بأن المعركة الأساسية طويلة المدى
الوفود خلال 2025 300 وفد، 6 آلاف مشارك من 70 دولة متوسط 20 مشاركًا في الوفد؛ أي تركيز على النوع لا الحشود
رحلة القساوسة ألف مشارك استهداف قاعدة كانت مضمونة تاريخيًا
مخرجات رحلة القساوسة 30 ألف منشور وأكثر من 20 مليون مشاهدة نحو 30 منشورًا لكل مشارك؛ لكنه قياس انتشار لا اقتناع
دعم (إسرائيل) بين الإنجيليين 70% لمن فوق 60 مقابل 39% للفئة 18–29 فجوة جيلية تبلغ 31 نقطة

الرقم الأهم ليس مليار دولار، بل توجيه 80% من محتوى أحد أكبر العقود إلى الجيل Z. فهذا يدل على أن (إسرائيل) لا تخوض حملة أزمة قصيرة، بل تحاول إعادة تشكيل الوعي السياسي لجيل كامل.

خامسًا: هل نجحت الحملة؟

وفق معيار الانتشار: حققت نتائج كبيرة، من ملايين المشاهدات إلى آلاف المنشورات ومئات الوفود.

أما وفق معيار تغيير المواقف، فالنتيجة مختلفة:

  • أظهر غالوب في فبراير/شباط 2026 أن 41% من الأميركيين يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين مقابل 36% مع ال(إسرائيل)يين، للمرة الأولى التي تفقد فيها (إسرائيل) تفوقها التاريخي في هذا المؤشر. وبين الفئة 18–34 عامًا بلغت النسبة 53% للفلسطينيين مقابل 23% لل(إسرائيل)يين.
  • وجد مركز بيو في ربيع 2026 أن 60% من الأميركيين ينظرون إلى (إسرائيل) بصورة سلبية، ارتفاعًا من 53% في 2025، وأن غالبية من هم دون الخمسين في الحزبين يحملون تقييمات سلبية.
  • سبق أن سجل غالوب في يوليو/تموز 2025 رفض 60% من الأميركيين للعمل العسكري (الإسرائيلي) في غزة.

لا تثبت هذه البيانات أن الحملة لم تحقق أي تأثير؛ فقد تكون أبطأت التراجع أو حصّنت بعض الشرائح. لكنها تؤكد أن عدد المشاهدات والمنشورات لا يمكن تقديمه دليلًا على تغيير الاتجاه العام.

سادسًا: كيف تُبنى حملة مضادة فعالة؟

1. عدم تقليد الدعاية الإسرائيلية

الحملة المضادة الأنجح ليست «دعاية فلسطينية» مغلقة، وإنما حملة شفافية وتوثيق ومساءلة. تقليد الحسابات الخفية أو المؤثرين غير المعلنين سيقضي على أهم عنصر قوة فلسطيني: صدقية الواقع والأدلة.

2. إطلاق مسار «اتبع المال»

يمكن بناء حملة تحت عنوان:

من يدفع هذه الرواية؟ – Who Paid for This Narrative?

وتتضمن:

  • خريطة للشركات والعقود والوسطاء.
  • بطاقات تعريف بالمؤثرين والرحلات المدفوعة.
  • رصد إعلانات المنصات ومصادر تمويلها.
  • نشر مقتطفات موثقة من سجلات FARA.
  • توضيح الفرق بين المحتوى المستقل والمحتوى المدفوع.

3. إنشاء بنية معرفية موجهة للذكاء الاصطناعي

لا تكفي المنشورات السريعة. المطلوب تأسيس مركز محتوى متعدد اللغات يتميز بـ:

  • صفحات مستقلة لكل ادعاء.
  • صيغة ثابتة: الادعاء، الحكم، الدليل، المصدر، التاريخ.
  • روابط إلى وثائق أصلية وتقارير أممية.
  • جداول وبيانات قابلة للتحميل.
  • عناوين واضحة ومحتوى منظم لمحركات البحث.
  • تحديث وتصحيح معلن عند ظهور معلومات جديدة.

الهدف أن تصبح الأدلة الفلسطينية «قابلة للاسترجاع والاستشهاد» من محركات البحث ونماذج الذكاء الاصطناعي.

4. مخاطبة كل شريحة من داخل منظومتها القيمية

  • الشباب: فيديو قصير، دليل بصري، سلسلة تحقق، ومصادر قابلة للفحص.
  • الإنجيليون: أصوات مسيحية فلسطينية، حماية الكنائس، الحقوق الدينية، وشهادات رجال دين أميركيين مستقلين.
  • المحافظون: تكلفة التمويل على دافع الضرائب، شفافية التدخل الأجنبي، الخصوصية، ومبدأ «أميركا أولًا».
  • الصحفيون: حزم جاهزة تشمل وثائق وعقودًا وقوائم جهات ومتحدثين موثوقين.
  • المشرعون وموظفوهم: موجزات من صفحة واحدة تربط التمويل بالمواقف والأنشطة المسجلة.

5. تحويل التفنيد إلى محتوى استباقي

بدل انتظار انتشار الرواية، يُنشأ بنك للادعاءات المتوقعة، مع مواد جاهزة بثلاثة مستويات:

  1. بطاقة خلال ساعة.
  2. فيديو موثق خلال ست ساعات.
  3. ملف تحقيقي خلال 24–48 ساعة.

6. استخدام أصوات مستقلة وشفافة

القيمة ليست في كثرة المؤثرين بل في ملاءمة حامل الرسالة:

  • صحفيون استقصائيون.
  • خبراء قانون دولي.
  • أطباء وعاملون إنسانيون.
  • فلسطينيون مسيحيون.
  • دبلوماسيون وعسكريون أميركيون سابقون.
  • أصوات يهودية معارضة لسياسات الحكومة الإسرائيلية.

ويجب الإفصاح عن أي تمويل أو تنسيق بصورة واضحة.

7. قياس الأثر لا الضجيج

مؤشرات الأداء الصحيحة تشمل:

  • نسبة من عرف مصدر تمويل الرسالة الإسرائيلية.
  • تغير تصديق ادعاء محدد قبل الحملة وبعدها.
  • ارتفاع الاستشهاد بالمصادر الفلسطينية.
  • ظهور الأدلة الموثقة في نتائج البحث وإجابات الذكاء الاصطناعي.
  • عدد الصحفيين الذين استخدموا البيانات.
  • تغير المواقف داخل الشرائح المستهدفة.

المشاهدات والتفاعلات تبقى مؤشرات مساعدة، وليست النتيجة النهائية.

التقدير النهائي

تكمن قوة الحملة ال(إسرائيل)ية في التمويل، والتخصص، وتقسيم الجمهور، واستعارة المصداقية، واحتلال المساحات الجديدة قبل الخصم، وخصوصًا الذكاء الاصطناعي. أما ضعفها الأكبر فهو أنها تحاول معالجة أزمة ناتجة عن الوقائع والسياسات بأدوات اتصالية.

لذلك لا ينبغي خوض المنافسة على قاعدة «من يملك أموالًا أكثر»، بل على قاعدة: من يملك الدليل الأكثر صدقية، والشبكة الأكثر شفافية، والمحتوى الأكثر قابلية للتحقق والاسترجاع والتداول.

كما ينبغي التعامل بحذر مع رقم المليار دولار؛ فهو يجمع مخصصات وإنفاقًا أوسع للدبلوماسية العامة، ولا يعني أن المبلغ كله أُنفق داخل الولايات المتحدة أو نُفذ كاملًا. كذلك تبقى مزاعم نجاح التأثير في إجابات الذكاء الاصطناعي غير مثبتة ببيانات مستقلة حتى الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *