إذا تحوّلت أزمة ٢٨ فبراير إلى حربٍ إقليمية شاملة، فلن يواجه أيّ بلدٍ ضغوطاً أمنية ومالية وطاقوية متزامنة بقدر ما سيواجهه العراق. فالعراق لا يقع جغرافياً في قلب الممرات العسكرية واللوجستية للمنطقة فحسب، بل يرتبط اقتصادياً أيضاً ارتباطاً عميقاً بصادرات النفط، وواردات الطاقة، وتدفّقات التمويل الخارجية. إنّ هذا التداخل في الاعتمادات يجعل الاقتصاد العراقي من أكثر اقتصادات المنطقة هشاشةً أمام صدمة اتساع النزاع.
الاقتصاد العراقي أحاديّ البنية إلى حدٍّ بعيد: إذ يأتي أكثر من ٩٠٪ من عائدات العملة الأجنبية ونحو ٨٥–٩٠٪ من إيرادات الموازنة الحكومية من صادرات النفط. ويبلغ إنتاج العراق النفطي في الظروف الطبيعية نحو ٤ إلى ٤٫٥ ملايين برميل يومياً، وتتمّ معظم صادراته عبر الموانئ الجنوبية في البصرة. وفي سيناريو حربٍ إقليمية، فإن أيّ تهديد للموانئ الجنوبية أو خطوط الأنابيب أو مياه الخليج يمكن أن يعطّل حتى جزءاً من هذه الصادرات. إنّ انخفاض مليون برميل فقط من الصادرات اليومية، على أساس سعر ١٠٠ دولار للبرميل، يعني خسارة سنوية تقارب ٣٦ مليار دولار من الإيرادات بالعملة الأجنبية؛ وهو مبلغ كفيل بإدخال الموازنة العامة في أزمة سريعة.
ظاهرياً، قد يبدو ارتفاع أسعار النفط العالمية نتيجة الحرب مفيداً لبغداد. فإذا ارتفع السعر إلى ١٥٠ أو ١٨٠ دولاراً، تزداد الإيرادات الاسمية. غير أنّ المعادلة أكثر تعقيداً. أولاً، قد يدفع الخطر الأمني الشركات الدولية العاملة في الحقول الجنوبية إلى خفض نشاطها أو تعليق مشاريعها. ثانياً، قد تمحو زيادة تكاليف التأمين والنقل جزءاً من ميزة السعر المرتفع. ثالثاً، إنّ أيّ إغلاق أو تعطّل في مضيق هرمز سيوقف صادرات العراق عملياً حتى لو استمرّ الإنتاج. وفي هذه الحالة لن تترجم الأسعار العالمية المرتفعة إلى دخلٍ فعلي لأن حجم الصادرات سيتراجع.
ومن جهة أخرى، يعتمد العراق على واردات الطاقة. فهو يستند في تزويد الكهرباء إلى واردات الغاز والطاقة الكهربائية من إيران. وإذا توسّعت الحرب وانقطع هذا التدفق أو تعثّر، فسيواجه العراق نقصاً حاداً في الكهرباء، وهي أزمة قد تفجّر استياءً اجتماعياً في أشهر الصيف الحارّة. وفي الوقت ذاته، سيؤدي ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية عالمياً إلى زيادة فاتورة الواردات. فالعراق يستورد سنوياً بضائع بعشرات المليارات من الدولارات، وأيّ زيادة بنسبة ٢٠ إلى ٣٠٪ في تكاليف النقل والتأمين قد ترفع التضخم المستورد بشكلٍ ملحوظ.
النظام المالي العراقي بدوره هشّ أمام صدمة إقليمية. فالدينار العراقي مرتبط عملياً بالدولار، ويُدار جزء كبير من تدفّق العملة الصعبة عبر آليات مالية مرتبطة بالولايات المتحدة. وفي حال تصاعد التوتر والضغوط السياسية، فإن تقييد وصول العراق إلى الدولار قد يربك سوق الصرف الداخلي. وقد أظهرت تجارب السنوات الماضية أنّ أصغر قيود على عرض الدولار تؤدي إلى قفز سعر الصرف في السوق الموازية وارتفاع أسعار السلع المستوردة. وإذا تراجع سعر العملة بنسبة ٢٠–٣٠٪ فقط، فقد يرتفع تضخم المستهلك سريعاً إلى مستويات مرتفعة ذات رقمين (أكثر من ١٥ أو ٢٠٪)، وهو تطور ذو تداعيات اجتماعية خطيرة في اقتصاد تتجاوز فيه بطالة الشباب ٢٠٪.
موازنة الدولة العراقية بدورها شديدة الجمود. فمعظم الإنفاق مخصّص لرواتب الموظفين والمتقاعدين والدعم الحكومي. وإذا انخفضت الإيرادات النفطية أو تأخرت، ستواجه الحكومة عجزاً قد يتجاوز ١٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وفي هذه الحالة، سيكون أمام بغداد خياران: السحب من الاحتياطيات الأجنبية ـ وهي كبيرة لكنها ليست غير محدودة ـ أو اللجوء إلى الاقتراض الداخلي والخارجي. غير أنّ ارتفاع أسعار الفائدة العالمية وتصاعد المخاطر الإقليمية سيرفعان كلفة الاقتراض ويزيدان الضغط على الاستدامة المالية.
كما أنّ اتساع الحرب قد يحوّل العراق إلى ساحة صراعٍ بالوكالة. فوجود قواعد وقوات أجنبية على أراضيه يجعله عرضةً لضربات انتقامية. وسيؤدي انعدام الأمن الواسع إلى تجميد الاستثمار الأجنبي، وهو محدود أصلاً. وستتعرّض مشاريع البنية التحتية في مجالات الطاقة والبتروكيماويات والنقل للتأجيل أو التعليق. وكل شهر تأخير في مشاريع بمليارات الدولارات يعني كلفة فرصة كبيرة لاقتصاد يحتاج إلى إعادة إعمار وتنمية.
سلاسل الإمداد الداخلية أيضاً عرضة للخطر. فالعراق يستورد جزءاً كبيراً من غذائه وسلعه الاستهلاكية. وإذا ارتفعت كلفة الشحن البحري بنسبة ٢٠٠ أو ٣٠٠٪ نتيجة عدم أمن مسارات الخليج، فسوف ترتفع أسعار الغذاء مباشرة. وفي بلدٍ يعتمد فيه قسم كبير من السكان على رواتب حكومية ثابتة، يمكن لارتفاع الأسعار السريع أن يولّد استياءً اجتماعياً وعدم استقرار سياسي. وقد أظهرت احتجاجات السنوات الماضية أنّ الضغط الاقتصادي يتحوّل بسرعة إلى أزمة سياسية.
على المستوى الكلي، إذا كان النمو الاقتصادي العراقي في الظروف العادية يدور حول ٣–٤٪، فإن سيناريو حربٍ إقليمية قد يدفعه إلى الصفر أو حتى إلى الانكماش. فخفض الصادرات النفطية، وتعطّل الواردات، وهروب رأس المال المحدود أصلاً، وارتفاع النفقات الأمنية، جميعها عوامل تضغط على الناتج المحلي الإجمالي. وفي الوقت نفسه ستضطر الحكومة إلى زيادة الإنفاق العسكري والأمني، وهو إنفاق يأتي على حساب الاستثمار التنموي ويضعف النمو طويل الأمد.
ثلاثة مسارات محتملة للاقتصاد العراقي في ظلّ الحرب
السيناريو الأول: احتواء سريع للصراع وبقاؤه محدوداً لأسابيع. في هذه الحالة، إذا لم تتعطل صادرات النفط، قد يستفيد العراق من الأسعار المرتفعة ويعزّز احتياطياته الأجنبية، بينما يبقى التضخم المستورد ضمن حدود يمكن إدارتها.
السيناريو الثاني: حرب إقليمية استنزافية تترافق مع هجمات متفرقة على البنية التحتية للطاقة وانعدام أمن مزمن. هنا تتعطل الصادرات النفطية بصورة متقطعة، ويتوقف الاستثمار الأجنبي، ويتراجع النمو إلى المنطقة السالبة، ويتزايد العجز المالي، ويتصاعد الضغط على سعر الصرف والاحتياطيات.
السيناريو الثالث: توسّع واسع للحرب مع إغلاق طويل لمضيق هرمز. في هذا الوضع، حتى مع أسعار نفط مرتفعة جداً، يفقد العراق إيراداته من العملة الأجنبية بسبب عجزه عن التصدير. وقد تدفع أزمة العملة، والتضخم المرتفع، ونقص السلع الأساسية، والاضطراب الاجتماعي، الاقتصاد إلى مرحلة حرجة قد يستغرق التعافي منها سنوات.
في المحصلة، يواجه العراق أكثر من غيره من الفاعلين الإقليميين ما يمكن تسميته «مخاطر التقاطع»: تقاطع الاعتماد النفطي، والهشاشة المؤسسية، والاعتماد الطاقوي على الجار الشرقي، والوجود العسكري الأجنبي على أراضيه. فإذا اندلعت حرب إقليمية، فلن يتأثر الاقتصاد العراقي بصدمة الطاقة العالمية فحسب، بل سيصبح أيضاً عرضة مباشرة لاختلالات تشغيلية ومالية. وسيعتمد مستقبل بغداد الاقتصادي في مثل هذا السيناريو قبل كل شيء على قدرتها على الحفاظ على صادرات النفط، وإدارة سوق الصرف، ومنع انتقال الفوضى الأمنية إلى الداخل؛ وهي ثلاثة متغيرات تواجه جميعها مستويات عالية من عدم اليقين في زمن الحرب.


