النفط والسلاح والدولار: العقد الثلاث الرئيسية في الاقتصاد السياسي لحكومة علي الزيدي

حكومة علي الزيدي أمام عقد النفط والسلاح والدولار
قراءة في الاقتصاد السياسي لحكومة علي الزيدي، بين اضطراب صادرات النفط، وحصر السلاح، وعنق الزجاجة الدولاري، وإصلاح الدولة...

حكومة علي الزيدي أمام عقد النفط والسلاح والدولار

تسلّمت حكومة علي الزيدي زمام السلطة في بغداد في ظرف لم تعد فيه المعضلة العراقية مقتصرة على إصلاح اقتصاد يعاني من الاختلالات الهيكلية. بل باتت تتمثل في مجموعة متداخلة من التحديات، تشمل الحفاظ على الاستقرار المالي للدولة، وإدارة ملف الجماعات المسلحة، ومكافحة الفساد، ومعالجة أزمة الخدمات العامة المتردية، وإعادة تعريف موقع العراق في خضمّ التنافس بين القوى الإقليمية والدولية.

وقد ورث الزيدي بنية سياسية ـ اقتصادية تشكّلت على مدى العقدين الماضيين. وقامت هذه البنية على عائدات النفط، والتوسع الكبير في التوظيف الحكومي، ونظام المحاصصة، والموازنة بين مطالب الولايات المتحدة ومقتضيات المصلحة الوطنية العراقية. وهي بنية تواجه اليوم، بفعل الحرب الإقليمية واضطراب صادرات النفط، أحد أخطر اختباراتها منذ عام 2003.

تمكّنت الحكومات العراقية منذ عام 2003 من احتواء جانب كبير من تداعيات ضعف الحوكمة، وتردي الخدمات العامة، والفساد البنيوي، والكلفة الاقتصادية لنظام المحاصصة السياسية، عبر التوسع في إنفاق العائدات النفطية الوفيرة. ونتيجة لذلك، لم يعد النفط مجرد مصدر رئيس لإيرادات الدولة، بل تحوّل إلى الركيزة الأساسية للعقد الاجتماعي وللنظام السياسي العراقي برمته.

غير أن الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وما رافقها من اضطراب مستمر في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أصابت هذا النموذج في أكثر نقاطه هشاشة. فالعراق لا يزال يمتلك النفط، إلا أن قدرته على تحويل هذا النفط إلى تدفق مستقر ومستدام للإيرادات الحكومية قد تراجعت.

وقبل اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير، كانت صادرات العراق النفطية تتراوح بين 3.5 و3.6 ملايين برميل يومياً. إلا أن حجم النفط العراقي الذي عبر مضيق هرمز خلال تموز/يوليو 2026 انخفض إلى نحو 35.5 مليون برميل طوال الشهر، أي ما يعادل قرابة 1.15 مليون برميل يومياً. وعليه، لا ينبغي توصيف الأزمة الراهنة في العراق باعتبارها مجرد «صدمة في أسعار النفط»؛ إذ تكمن المعضلة الأساسية في صدمة الوصول إلى الأسواق، وفي تعثر قدرة الدولة على تحويل طاقتها الإنتاجية إلى إيرادات فعلية.

رئاسة الوزراء في ظل مأزق جيوسياسي

تكشف الطريقة التي وصل بها علي الزيدي إلى رئاسة الوزراء بوضوح عن القيود التي يفرضها الاقتصاد السياسي العراقي. فقد واجه الإطار التنسيقي الشيعي، عقب انتخابات عام 2025، مأزقاً حاداً في اختيار رئيس الحكومة. كما أن الضغوط الأمريكية على الحكومة، والتهديد بفرض قيود سياسية ومالية، أسهما في تعقيد عملية اختيار رئيس الوزراء.

غير أن ذلك لا يعني أن الزيدي بات مستقلاً بصورة كاملة عن البنية السياسية القائمة. فحكومته لا تزال تعتمد، من أجل البقاء، على ائتلاف يرتبط جزء مهم من مكوناته بشبكات حزبية واقتصادية وأمنية ذات صلات بالحشد الشعبي والجماعات المسلحة.

وهنا يبرز تناقض جوهري. فرئيس الوزراء يحتاج، من أجل تخفيف الضغوط الأمريكية، إلى تعزيز سيطرة الدولة على السلاح والمصارف والحدود والموارد المالية. غير أن تطبيق هذه السياسات ذاتها قد يؤدي إلى إضعاف دعم بعض القوى التي تشكل القاعدة السياسية للائتلاف الحاكم.

اقتصاد كان هشاً قبل حكومة علي الزيدي والحرب

لم تكن المشكلات الاقتصادية العراقية وليدة الحرب الراهنة. فقد حذّر صندوق النقد الدولي مراراً خلال السنوات الأخيرة من تنامي الإنفاق الجاري، وتضخم فاتورة الرواتب والتقاعد، واتساع العجز المالي، واستمرار الاعتماد المفرط على النفط.

كما ارتفع سعر النفط اللازم لتحقيق التوازن في الموازنة العراقية من نحو 54 دولاراً للبرميل في عام 2020 إلى قرابة 84 دولاراً في عام 2024. وإلى جانب ذلك، كانت تقديرات عام 2026 تشير إلى اقتراب كلفة الرواتب والتقاعد من ربع الناتج المحلي الإجمالي.

وتُعد الموازنة الثلاثية التي أُقرت عام 2023 مثالاً واضحاً على هذا المسار. فبدلاً من توظيف الزيادة في الإيرادات النفطية لإصلاح بنية الاقتصاد وتقليص الاعتماد على القطاع العام، توسعت الدولة في استحداث مئات الآلاف من الوظائف والعقود الحكومية الجديدة.

كما أدى نظام المحاصصة إلى تعميق هذه الاختلالات. فالمحاصصة في العراق لا تقتصر على كونها آلية لتوزيع المناصب السياسية، بل تمثل شبكة متكاملة لتوزيع فرص التوظيف، والعقود الحكومية، وإدارة الشركات العامة، والتراخيص الاقتصادية، والمنافذ الحدودية، والموارد المالية بين الأحزاب والقوى السياسية.

ومن ثم، فإن إصلاح الموازنة ليس مسألة تقنية بحتة. ذلك أن تقليص التوظيف، أو الحد من الامتيازات، أو خفض حجم القطاع العام، يمس بصورة مباشرة المصالح السياسية للأحزاب والتوقعات الاقتصادية لملايين المواطنين.

ولهذا السبب تحديداً، تحولت مسألة الرواتب إلى أحد أكثر الملفات حساسية أمام حكومة الزيدي. فبحسب التقديرات المنشورة، تحتاج الحكومة العراقية إلى نحو 10.8 تريليونات دينار شهرياً، أي أكثر من 8 مليارات دولار، لتغطية الرواتب والنفقات الأساسية. وتقترب فاتورة رواتب موظفي الدولة وحدها، وفق بعض التقديرات، من 7.8 تريليونات دينار شهرياً. وفي المقابل، انخفضت الإيرادات النفطية الشهرية للدولة في بعض مراحل الأزمة إلى حدود 2 ـ 2.5 تريليون دينار فقط.

ولا ينبغي مساواة هذا الوضع بالإفلاس التقليدي للدولة. فالعراق لا يزال يمتلك احتياطيات من النقد الأجنبي، وأصولاً خارجية، وثروات نفطية هائلة. وإنما تتمثل المعضلة الأساسية في الفجوة المتزايدة بين التدفقات النقدية الداخلة والالتزامات المالية المستمرة للحكومة.

فنفقات الدولة شهرية وشبه حتمية، في حين أصبحت إيرادات النفط شديدة التقلب بفعل الحرب وكلفة التأمين والنقل وصعوبة الوصول إلى الأسواق.

واستمرار هذا الوضع سيدفع الحكومة إلى المفاضلة بين خيارات بالغة الصعوبة. وتشمل هذه الخيارات الاقتراض الداخلي، والسحب من الاحتياطيات، وتأخير دفع الرواتب، وتقليص الإنفاق الاستثماري، أو الحد من الإنفاق على الخدمات العامة.

ومن شأن زيادة الاقتراض الداخلي أن تقلص الموارد المصرفية المتاحة للقطاع الخاص، فيما يؤدي خفض الإنفاق الاستثماري إلى تعميق الركود. أما تأخير الرواتب، فيضغط مباشرة على الطلب الاستهلاكي والاستقرار الاجتماعي.

وفي اقتصاد مثل الاقتصاد العراقي، حيث تمثل الدولة أكبر ربّ عمل وأكبر مشترٍ ومستثمر، تنتقل الأزمة المالية الحكومية بسرعة إلى الاقتصاد الحقيقي. فتأخر الرواتب يؤدي إلى تراجع استهلاك الأسر، والمقاولون المتعاقدون مع الدولة يواجهون شحاً في السيولة، والمشروعات الاستثمارية تتباطأ أو تتوقف، فيما تواجه المصارف طلباً متزايداً من الحكومة على التمويل.

وعلى هذا الأساس، يمكن لأزمة سيولة الخزانة العامة أن تتحول إلى حلقة ركودية واسعة تشمل مجمل النشاط الاقتصادي.

هرمز وغياب مسارات التصدير البديلة

في ظل هذه الظروف، يصبح تطوير مسارات بديلة لتصدير النفط ضرورة استراتيجية، لا خياراً ثانوياً. ويمكن لخط أنابيب العراق ـ تركيا ومسار جيهان أن يخففا جزئياً من الاعتماد على مضيق هرمز، غير أن طاقتهما الحالية تبقى محدودة مقارنة بحجم صادرات النفط من جنوب العراق.

أما المسار السوري وميناء بانياس، فرغم جاذبيتهما من الناحية الاستراتيجية، فإن إنشاء البنية التحتية اللازمة أو إعادة تأهيلها يتطلب مليارات الدولارات وعدة سنوات من العمل.

وبذلك، توجد فجوة واضحة بين زمن الأزمة وزمن الحل. فأزمة الإيرادات العراقية تتحرك على مستوى الأسابيع والأشهر، بينما يحتاج إنشاء طاقة تصديرية بديلة إلى سنوات. وتمثل هذه الفجوة إحدى أهم القيود التي تواجه حكومة الزيدي.

كما أن ارتفاع كلفة التأمين والنقل، إلى جانب الخصومات السعرية التي يضطر العراق إلى تقديمها للمشترين مقابل تحمّل مخاطر المرور عبر المنطقة، يؤدي إلى خفض القيمة الصافية لكل برميل مُصدّر. ولذلك، حتى عندما تستمر الصادرات، فإن جزءاً من الريع النفطي العراقي يتآكل قبل أن يصل إلى الخزانة العامة.

وترتبط أزمة الخدمات العامة بالبنية نفسها. فعلى الرغم من امتلاك العراق احتياطيات واسعة من النفط والغاز، فإنه لا يزال يعتمد على واردات الغاز الإيراني لتشغيل جزء من منظومة إنتاج الكهرباء. ومن ثم، فإن الحرب والاضطرابات التي تطال منشآت الطاقة الإيرانية يمكن أن تنعكسا مباشرة على شبكة الكهرباء العراقية.

وهكذا، تواجه حكومة الزيدي أزمة ذات منشأ خارجي، لكنها في الوقت نفسه تستند إلى اختلالات داخلية عميقة ومتراكمة.

الحشد الشعبي وقضية تتجاوز مجرد نزع السلاح

يحظى ملف الحشد الشعبي، من منظور الاقتصاد السياسي، بأهمية تتجاوز كونه قضية أمنية محضة. فقد اندمجت أجزاء من الجماعات المسلحة، خلال السنوات الماضية، في هياكل الدولة الرسمية، والموازنة العامة، والعقود الحكومية، والتجارة، والمنافذ الحدودية، والشبكات الاقتصادية.

كما تمتلك بعض أقوى الجماعات الشيعية، إلى جانب قدرات عسكرية مستقلة، نفوذاً سياسياً واقتصادياً واسعاً. ولذلك، فإن إعادة احتكار الدولة للسلاح لا تعني مجرد تسليم الأسلحة، بل تقتضي إعادة صياغة العلاقة بين الحزب والسلاح والموارد المالية والقوة السياسية.

وقد تعهدت حكومة الزيدي بتعزيز سلطة الدولة على السلاح، والحد من نفوذ الجماعات المسلحة الواقعة خارج نطاق القيادة الفعلية للدولة، أو دمجها ضمن الهياكل الرسمية. غير أن هذه السياسة تأتي في سياق تتركز فيه الضغوط الأمريكية بصورة واضحة على الجماعات الشيعية القريبة من إيران، فيما كثّفت الحكومات العراقية منذ عام 2025 مفاوضاتها الرامية إلى نزع سلاح هذه الجماعات أو دمجها.

وهنا يبرز سؤال سياسي وقانوني جوهري أمام حكومة الزيدي: إذا كان المبدأ الذي تستند إليه سياسة الدولة هو «حصر السلاح بيد الدولة»، فلماذا يُطبّق هذا المبدأ بصورة أساسية على الجماعات المسلحة الشيعية؟

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند مقارنتها بالقوات المسلحة الكردية. فمن الناحية القانونية، لا يمكن مساواة قوات البيشمركة بالجماعات المسلحة غير الحكومية؛ إذ تمنح المادة 121 من الدستور العراقي الإقليم صلاحية تشكيل قوى للأمن الداخلي و«حرس الإقليم».

غير أن الإشكالية الأساسية المتعلقة بالبيشمركة لا تتمثل في وجود السلاح بحد ذاته، وإنما في مدى اندماج هذه القوات ضمن البنية الرسمية، وفي استمرار النفوذ الحزبي على أجزاء منها. بل إن رئاسة إقليم كردستان سبق أن شددت على ضرورة إنهاء نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على قوات البيشمركة، وتنظيم جميع الوحدات ضمن إطار مؤسسي موحد.

كما شهدت المناطق السنية وجود قوات تعبئة عشائرية وشبكات مسلحة محلية، نُظم جزء منها ضمن هياكل رسمية أو مرتبطة بالحشد الشعبي، وإن كانت أوضاعها القانونية ومستويات استقلالها لا تتطابق مع وضع الجماعات الشيعية القريبة من إيران.

ومن ثم، فإن القضية الأساسية لا تكمن في مساواة جميع هذه القوى بعضها ببعض، بل في ضرورة وضع معيار وطني موحد يحدد طبيعة العلاقة بين الحزب والسلاح والدولة.

فإذا طالبت الحكومة بنزع سلاح الجماعات التي تعتبرها واشنطن مصدراً للتهديد فقط، في الوقت الذي تتعامل فيه بصورة مختلفة مع القوى الحزبية أو المسلحة التابعة لمكونات عراقية أخرى، فإن شعار «حصر السلاح بيد الدولة» قد يُفسَّر باعتباره سياسة انتقائية متأثرة بموازين الضغط الخارجي، بدلاً من كونه مشروعاً سيادياً وطنياً شاملاً.

ومن شأن مثل هذا التصور أن يزيد من مقاومة الجماعات الشيعية، وأن يخلق في الوقت نفسه انقسامات داخل الإطار التنسيقي ذاته.

وعليه، فإن التحدي الذي يواجه حكومة الزيدي لا يتمثل في نزع سلاح الحشد الشعبي فحسب، بل في صياغة قاعدة موحدة تنطبق على العراق بأكمله. ولا يمكن لحصر السلاح أن يؤدي إلى تعزيز سيادة الدولة إلا إذا كان المعيار المعتمد لا يرتبط بالانتماء الطائفي أو السياسي لأي جماعة، بل بمدى خضوعها الحقيقي للقانون والموازنة الرسمية وسلسلة القيادة الحكومية.

وبخلاف ذلك، قد تتحول سياسة نزع السلاح، بدلاً من أن تكون أداة لتعزيز الدولة، إلى مصدر جديد لأزمة داخلية خطيرة في العراق.

مكافحة الفساد وإشكالية البنية

تمثل مكافحة الفساد اختباراً آخر للحكومة الجديدة. وقد تحمل اعتقالات عدد من المسؤولين والسياسيين على خلفية قضايا فساد دلالة سياسية مهمة، غير أن معيار نجاح الحكومة لا ينبغي أن يكون عدد المعتقلين أو حجم الحملات القضائية، وإنما قدرتها على إصلاح الآليات التي تنتج الفساد وتعيد إنتاجه بصورة مستمرة.

فإصلاح النظام الجمركي، وتعزيز شفافية العقود الحكومية، وفرض رقابة فعالة على المصارف، والحد من نشاط الشركات الواجهة، ورقمنة المدفوعات، وتقليص الاستخدام السياسي للتوظيف والمناقصات العامة، جميعها إجراءات أكثر أهمية من المعالجات الظرفية والمتقطعة.

فالفساد في العراق لا يمثل مجرد سلوك فردي منحرف؛ بل أصبح، في كثير من الحالات، جزءاً من آليات توزيع السلطة والموارد داخل الشبكات الحزبية.

الولايات المتحدة وعنق الزجاجة الدولاري

يمثل اعتماد البنية المالية العراقية على الولايات المتحدة أحد أهم أبعاد الاقتصاد السياسي في البلاد. وهو اعتماد منح واشنطن، على مدى العقدين الماضيين، قدرة على استخدام النظام الدولاري بوصفه أداة فعالة للضغط السياسي والاقتصادي على بغداد.

فعلى الرغم من أن الإيرادات النفطية العراقية تعود، من الناحية القانونية، إلى الدولة العراقية، فإن جزءاً مهماً من هذه الإيرادات يُحتفظ به ويُسوّى عبر حسابات البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. ونتيجة لذلك، وبرغم امتلاك العراق للنفط وإيراداته، فإنه يظل معتمداً في الوصول السلس إلى جانب مهم من موارده بالعملة الأجنبية على بنية مالية تخضع لنفوذ أمريكي واسع.

وتعود جذور هذه الآلية إلى الترتيبات المالية التي تشكلت بعد احتلال العراق عام 2003. وقد صدر الأمر التنفيذي رقم 13303 في السياق ذاته. ورغم أن هدفه الرسمي تمثل في حماية أصول العراق وإيراداته النفطية من الدعاوى القضائية وإجراءات الحجز، فإن البنية المالية التي نشأت في تلك المرحلة ربطت عملياً الإيرادات النفطية العراقية بالنظام المالي الأمريكي.

ومن هنا، فإن القضية الأساسية لا تتعلق حصراً بالملكية القانونية للموارد، بل بمدى ما تملكه بغداد فعلياً من استقلالية في الوصول إلى إيراداتها ونقلها واستخدامها.

وتتجلى أهمية هذا الاعتماد بصورة أوضح عندما تستخدم واشنطن القيود المصرفية، والتحكم في تدفقات الدولار، وتشديد الرقابة على التحويلات الخارجية، كأدوات للضغط. ففرض قيود على وصول المصارف العراقية إلى الدولار، أو التهديد بعرقلة القنوات المالية، يمكن أن ينعكس مباشرة على سعر الصرف والاستيراد ونشاط الجهاز المصرفي وقدرة الحكومة على تمويل النفقات العامة.

وبهذا المعنى، تستطيع الولايات المتحدة، من دون الاستحواذ الرسمي على الإيرادات النفطية العراقية، أن ترفع كلفة الخيارات السياسية لبغداد من خلال التحكم في نقاط الاختناق المالية.

كما يمثل هذا الوضع أحد القيود المهمة على السياسة الخارجية العراقية. فبغداد ترتبط، من جهة، بعلاقات اقتصادية وسياسية واسعة مع إيران، بينما تعتمد، من جهة أخرى، في الوصول إلى النظام المالي الدولي على آلية تتمتع فيها الولايات المتحدة بموقع مهيمن. ونتيجة لذلك، يؤدي تصاعد الخلاف بين طهران وواشنطن بصورة مباشرة إلى تضييق هامش الخيارات المتاحة أمام العراق.

وبالنسبة إلى حكومة علي الزيدي، ينبغي أن يكون خفض هذه الهشاشة جزءاً من مفهوم السيادة الاقتصادية. ويتطلب ذلك تنويع العلاقات المالية، وتعزيز النظام المصرفي المحلي، وزيادة استخدام العملات البديلة في التجارة الخارجية، وتقليص اعتماد الموازنة العامة على النفط.

فالاستقلال الاقتصادي العراقي لن يتحقق فعلياً إلا عندما تصبح بغداد قادرة على اتخاذ قراراتها الاقتصادية والخارجية من دون خشية مستمرة من تعرض قنواتها المالية للضغط أو التعطيل.

ثلاثة سيناريوهات أمام حكومة علي الزيدي

يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية أمام حكومة الزيدي.

في السيناريو الأول، قد يؤدي تراجع التوتر الإقليمي، واستعادة صادرات البصرة لمستوياتها الطبيعية، وزيادة طاقة مسار التصدير عبر تركيا، إلى جانب تحقيق تقدم نسبي في برنامج ضبط السلاح، إلى انتقال الحكومة نحو مرحلة من الاستقرار النسبي. وفي هذه الحالة، يمكن أن ترتفع الإيرادات النفطية، وتحصل الحكومة على هامش أوسع لتنظيم دفع الرواتب وتنفيذ إصلاحات محدودة.

أما في السيناريو الثاني، فتستمر القيود المفروضة على الصادرات، ويتواصل الاعتماد على الاقتراض الداخلي، وتتأخر الرواتب، وتنخفض النفقات الاستثمارية. ولا يقود هذا المسار بالضرورة إلى انهيار الدولة، إلا أنه سيؤدي تدريجياً إلى استنزاف قدرتها على الحكم وتقديم الخدمات، كما سيرفع مستويات السخط الاجتماعي.

ويتبلور السيناريو الثالث إذا تزامنت الأزمة المالية مع تصاعد الحرب الإقليمية وزيادة نشاط الجماعات المسلحة. ففي مثل هذه الظروف، قد يؤدي انخفاض الإيرادات النفطية والهجمات الخارجية والانقسامات السياسية وعجز الدولة عن توفير الخدمات إلى تحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة شاملة في سلطة الدولة وقدرتها على ممارسة السيادة.

الاختبار الحقيقي لحكومة علي الزيدي

في المحصلة، تواجه حكومة علي الزيدي تحدياً يتجاوز كونها حكومة معنية بالإصلاحات الاقتصادية. فهي تقف أمام ضرورة إدارة انتقال تاريخي بعيداً عن النموذج السياسي ـ الاقتصادي الذي ترسخ في العراق منذ عام 2003. وقد قام هذا النموذج على أربع ركائز أساسية: النفط، والمحاصصة، والتوظيف الحكومي، والموازنة بين إيران والولايات المتحدة. واليوم، تتعرض هذه الركائز الأربع للضغط في آن واحد.

إن نزع سلاح الجماعات المسلحة، ومكافحة الفساد، وإصلاح الموازنة، وتنويع مسارات تصدير النفط، ليست في حقيقتها أربعة ملفات منفصلة. بل هي جميعاً أجزاء مترابطة من قضية واحدة، تتمثل في إعادة بناء سيادة الدولة العراقية.

فإذا عززت الحكومة سيطرتها على السلاح، لكنها أبقت الشبكات المالية الحزبية من دون تغيير، فستظل الإصلاحات منقوصة. وإذا استهدفت الفساد مع الإبقاء على نظام التوظيف الريعي، فإن أزمة الموازنة ستُعاد إنتاجها من جديد. وإذا نجحت في تنويع طرق تصدير النفط، لكن القسم الأكبر من إيرادات الدولة ظل معتمداً على النفط، فإن أي صدمة إقليمية جديدة ستكون قادرة على إعادة إنتاج الأزمة ذاتها.

إن أكبر تهديد يواجه حكومة الزيدي لا يتمثل فقط في إغلاق مضيق هرمز، أو الضغوط الأمريكية، أو الفساد. بل يتمثل في بنية اقتصادية ـ سياسية أصبحت فيها نفقات الدولة داخلية وثابتة ومستمرة، بينما تظل إيراداتها خارجية المصدر، نفطية الطابع، وشديدة الارتهان للتقلبات الجيوسياسية.

وعليه، فإن نجاح الحكومة الجديدة سيتوقف على قدرتها على تغيير هذه المعادلة: أي بناء دولة لا يتوقف بقاؤها على مرور كل برميل نفط عبر مضيق واحد، ولا على رضا قوة خارجية، ولا على استمرار ولاء الشبكات المسلحة. بل تستند إلى قدرة داخلية حقيقية على توليد الإيرادات، وتقديم الخدمات، وفرض السيادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *