حينَ شيع القمر في العراق

حين شُيّع القمر في العراق وارتدت دجلة والفرات ثوب الحزن
نص أدبي وشعري يصور الحزن في العراق وإيران، ويجعل من الغياب مرآة للذاكرة والأثر الإنساني العابر للموت...

حين ارتدى الغياب اسماً

حين شُيّع القمر في العراق، لم يكن للموت باب. بل كان نافذة تطل منها الأزمنة على هشاشتها.

وفي ذلك النهار المتخيّل، لم تكن الأرض تحمل المشيّعين. بل كان المشيّعون يحملون الأرض كي لا تنكسر.

كانت المدن تتقدّم نحو نعشها الداخلي. وكانت السماء تعيد ترتيب غيومها.

وكأنها تخجل من زرقة لا تليق بالحزن.

لم تكن إيران جغرافيا. بل كانت قلباً خرج من ضلوعه ومشى بين الناس.

صار كل شارع نهراً من الوجوه. وصارت كل نافذة مئذنة تبكي.

وكان كل حجر يسأل الريح:

كيف يستطيع الإنسان أن يودّع ظلاله؟

العراق الذي لم يقف خلف الحدود

أما العراق، فلم يقف خلف الحدود. فالحزن لا يعترف بالخرائط.

كان الفرات يكتب على مائه صلاة طويلة. وكان دجلة يخلع مياهه ويرتدي السواد.

وكانت المدن، من بغداد إلى النجف، تفتح أبوابها لذاكرة مثقلة.

إنها ذاكرة لا تعرف كيف تغلق أبواب الفقد.

ما أكثر الذين يرحلون. وما أقل الذين يأخذون معهم جزءاً من لغة العالم.

حين يغيب الرمز

حين يغيب رجل تحوّل في وعي محبيه إلى رمز، لا يبكي الناس جسداً فقط.

إنهم يبكون المرآة التي كانوا يرون فيها يقينهم.

كما يبكون الأسئلة التي كانت تجد عنده مأوى.

ثم عادت تلك الأسئلة يتيمة. وصارت تمشي في شوارع الروح بلا عصا.

كان النعش يمضي. لكن شيئاً آخر كان يُشيّع في الحقيقة.

كان زمناً كاملاً.

وكان صوتاً كاملاً.

وكان صورة كاملة سكنت ملايين القلوب.

ثم خرجت منها دفعة واحدة. حتى صار الفراغ أكبر من المدن.

أيها الغياب

أيها الغياب، كم أنت بارع في إعادة تشكيل الوجوه.

أنت تجعل الدموع لغة. وتجعل الصمت وطناً.

كما تجعل الذاكرة شجرة تنبت في صدر الليل.

هناك، اختلطت الأكف بالدعاء.

ولم يعد أحد يعرف من كان يبكي.

هل كان يبكي الراحل؟ أم كان يبكي نفسه؟

فالفقد لا يسرق الذين نحبهم فقط.

بل يسرق النسخة التي كنا عليها بقربهم.

أحلام تمشي في آخر الموكب

في آخر الموكب، لم يكن الناس يسيرون وحدهم.

كانت الأحلام تسير أيضاً. وكانت تتكئ على عصا الغياب.

كما كانت تبحث عن نافذة جديدة تطل منها على المستقبل.

لعل الموت لا ينتصر.

ولعل المنتصر أخيراً هو الأثر الخفي الذي يتركه الإنسان في قلوب الآخرين.

إنه أثر لا تستطيع النار إحراقه.

ولا تستطيع الريح تبديده.

كما لا يستطيع الزمن محوه.

الطريق الذي يبدأ من جديد

ظل الطريق طويلاً.

ولم يكن ذلك بسبب بُعد المقبرة.

بل لأن الحزن يقترب من نهايته، ثم يكتشف أنه يبدأ من جديد.

نشيد الغياب

ودّعي الصمت واصرخي يا رياح
واستفيقي لتشهقي يا رماح

إن نهر الدماء كان حياتي
يا عيون البلاد أين الجراح؟

أمسكي ياقة الممات وصيحي
أيها الخوف غاب عنك الصياح

كشّر الليل عن رحيل النوايا
حينما ضلّل الوصول الصباح

أي درب سنحفر اليوم فينا؟
فالمواعيد عاث فيها الجماح

فوهة للغياب تزداد وسعاً
كاتساع الفضاء حين يباح

فاعلاتن مستفعلن ليس تجدي
فالمدى النص والرقاب انزياح

أي بحر سيدرك اليوم عمقي؟
إن ضغط الوجود ليس يزاح

والملاذات حين غابت كُشفنا
وجهنا الشك والجباه افتضاح

يا سراب الوصول مهما اقتربنا
فخطى العمر غاب عنها الطماح

والأغاني التي ارتأت أن ترانا
كنشاز ولم يخنها النباح

حذفت نغمة المريدين منها
ورمتنا لمن أتوا ثم راحوا

عجلات الرحيل داست علينا
فتساوت وجوهنا والبطاح

هرّمتنا الكفوف مذ أنكرتنا
فكبرنا وليس للعمر راح

فهوينا نحو الفراغ وتهنا
والمجرات وجهها مستباح

رفضت خطونا الجهات فصحنا
يا سجون الحياة أين الفساح؟

طائراً كنت في خضم احتراقي
فنأى الجو واستقال الجناح

جهّزي للرحيل ألف حصان
واستعدّي لمقتلي يا رياح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *