مقدمة
في كل حرب، بين النار والدمار، يشكل الصحفيون جسراً بين ساحة المعركة وضمير العالم. فهم بكاميراتهم وأقلامهم يروون حقائق غالباً ما تختفي وسط غبار الحرب. تعترف القوانين الدولية بوضوح بالصحفيين كمدنيين ذوي وضع خاص وتحظر أي هجوم متعمد ضدهم. ومع ذلك، أظهرت الحرب الأخيرة على غزة أن هذه المكانة والحماية أصبحت هشة وغير فعالة أمام إرادة بعض الأطراف المتورطة، وخاصة الكيان الصهيوني. حادثة استشهاد أنس شريف، مراسل قناة الجزيرة، مساء العاشر من أغسطس 2025، واحدة من أبرز الأمثلة على هذه الحقيقة المؤلمة. فقد استشهد مع أربعة من زملائه في هجوم جوي مباشر على خيمة الصحفيين بالقرب من مستشفى الشفاء. كان مكان الحادث محدداً بوضوح بعلامات PRESS وكان موقعاً لتجهيزات إعلامية. حول انفجار الصاروخ الموجه الخيمة وكل من فيها من الصحفيين ومعداتهم إلى كومة من الأنقاض. هذا الحدث ليس مجرد حادث، بل هو جزء من نمط متكرر في سلوك الجيش الإسرائيلي تجاه الصحفيين؛ نمط استمر لسنوات وبلغ الآن ذروته في غزة.
عداء مع الحقيقة
شهادة أنس شريف ليست سوى حالة واحدة من مئات حالات الانتهاك الصارخ للقوانين الدولية ضد الصحفيين في فلسطين. ووفقاً للإحصاءات المتوفرة، فقد قُتل أكثر من 234 صحفي وناشط إعلامي فلسطيني منذ بداية حرب غزة في أكتوبر 2023 حتى أغسطس 2025، بينما تشير بعض المصادر إلى أن هذا الرقم يتجاوز 237 شخصاً. هذه الخسائر غير مسبوقة مقارنة بالحروب الكبرى في القرن الحادي والعشرين؛ ففي العراق، وخلال ثماني سنوات من الحرب، قُتل حوالي 230 صحفياً، وفي سوريا، وخلال ما يقرب من عقد من الزمان، لقي حوالي 407 صحفي مصرعهم. أما غزة فقد سجلت هذه الأرقام في أقل من عامين.
تاريخ استهداف الصحفيين من قبل الجيش الإسرائيلي طويل. فمن الهجوم على برج الجلاء في مايو 2021، الذي دمر مكاتب الجزيرة وأسوشيتد برس، إلى إطلاق النار المباشر على السيارات والفرق الإعلامية في الضفة الغربية وغزة، كانت هناك دائماً أدلة على تجاهل متعمد للمكانة الخاصة للصحفيين. وقد وقعت العديد من هذه الهجمات في ظروف كان الصحفيون يرتدون فيها ملابس ومعدات تحمل علامة PRESS. ويظهر هذا النمط أن الخطر الذي يواجهه الصحفيون في المناطق التي تتعرض لهجوم من قبل النظام الصهيوني هو جزء من واقع الحرب، وليس استثناءً.
من منظور القانون الإنساني، تُعد هذه الإجراءات انتهاكًا صريحًا لاتفاقية جنيف الرابعة وبروتوكولها الإضافي الأول، اللذين يُلزمان بحماية المدنيين، بمن فيهم الصحفيون. إن الهجمات المتعمدة على هذه الفئة، عندما لا يوجد هدف عسكري مشروع ومواقعهم واضحة تمامًا، تُعد جريمة حرب مكتملة الأركان. إن استخدام الصواريخ الموجهة في الهجوم على موقع أنس شريف وزملائه يُلغي أي احتمال للخطأ أو الهجوم العشوائي. هذا عداء مباشر للحقيقة؛ لأن الصحفيين في الخطوط الأمامية لا يواجهون بالسلاح، بل بالسرد والصورة، ويتحدون الرواية الرسمية للسلطة.
التداعيات القانونية والسياسية
إن نمط استهداف الصحفيين يخلّف تداعيات قانونية وسياسية واسعة. فمن الناحية القانونية، يجب أن تكون هذه الهجمات موضوع تحقيق وملاحقة دولية، إذ يمتلك المحكمة الجنائية الدولية الاختصاص للنظر في جرائم الحرب، ويُصنَّف استهداف الصحفيين – إذا كان متعمداً وخالياً من هدف عسكري مشروع – ضمن هذه الجرائم. غير أن التجارب السابقة تثبت أن غياب الإرادة السياسية القوية يجعل حتى أوضح القضايا بلا نتائج عملية.
أما من الناحية السياسية، فإن إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب يوجّه إلى العالم رسالة بالغة الخطورة: يمكن استهداف الصحفيين والنجاة من المساءلة. وهي رسالة لا تقتصر على الاحتلال، بل تصل إلى دول وجماعات مسلحة أخرى، فتفتح الباب لتكرار هذه الجرائم في مناطق نزاع مختلفة حول العالم.
وتجسد ردود الفعل الدولية على استشهاد أنس الشريف هذا الفارق بين الإدانة اللفظية والفعل العملي. فقد أدانت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدة حكومات الهجوم، لكن دون اتخاذ أي إجراء ملزم أو فعّال لمحاسبة الجناة. وبذلك استمر الإفلات من العقاب، وتفاقم مناخ انعدام الأمن بالنسبة للصحفيين. وعلى الصعيد الداخلي الفلسطيني، تخلف هذه الهجمات آثاراً نفسية وميدانية بالغة على المجتمع الصحفي. فالصحفيون المحليون، الذين غالباً ما يشكلون المصدر الوحيد للتغطية الميدانية، يعملون في ظروف تجعلهم هدفاً محتملاً في كل لحظة، ما يدفع إلى انتشار الرقابة الذاتية ويقوّض حرية تدفق المعلومات لصالح الروايات الرسمية أحادية الجانب.
خاتمة
إن استشهاد أنس الشريف وعشرات الصحفيين في غزة شهادة دامغة على الثمن الذي تدفعه الحقيقة في ميادين الحروب. هؤلاء اختاروا الكاميرا والقلم عن وعي وإدراك كامل بالمخاطر، وجعلوهما أداة مقاومة في مواجهة تحريف الواقع. واستهدافهم لا يزهق أرواحهم فحسب، بل يطفئ منارات الحقيقة ويحرم العالم من الرقابة المستقلة على أحداث الحرب.
ولمنع تكرار مثل هذه المآسي، تبرز ثلاثة إجراءات أساسية: أولاً، تشكيل لجان دولية مستقلة ذات صلاحيات قضائية للتحقيق في الهجمات على الصحفيين وإحالة القضايا إلى الجهات القضائية المختصة. ثانياً، فرض عقوبات وضغوط محددة على المسؤولين السياسيين والعسكريين عن هذه الجرائم. ثالثاً، توفير الدعم اللوجستي والفني للصحفيين في مناطق النزاع، بما يشمل المعدات الواقية، والتدريبات الأمنية، وتقنيات الاتصال الآمنة.
سيظل ذكر أنس الشريف رمزاً للشجاعة والالتزام بالحقيقة. وقد ينجح قتل صوته وأصوات زملائه في جعل الروايات الرسمية بلا منافس مؤقتاً، لكن كل صورة وكل تقرير تركوه خلفهم سيبقى وثيقة حيّة ضد النسيان والتحريف. وهذه الحقيقة ليست موجهة إلى فلسطين وحدها، بل إلى العالم بأسره: حماية الصحفيين هي، في جوهرها، حماية للحقيقة نفسها.


