العراق أمام الصدمة الاقتصادية: بين إدارة الأزمة وضرورة الإصلاح

الصدمة الاقتصادية في العراق بين إدارة الأزمة وضرورة الإصلاح
قراءة في حساسية الاقتصاد العراقي أمام الصدمات، بين استنزاف الاحتياطي، وسعر الصرف، والإنفاق العام، والحاجة إلى صندوق ثروة سيادي...

الصدمة الاقتصادية وحساسية الاقتصاد العراقي

يمر الاقتصاد العراقي بمرحلة شديدة الحساسية، فرضتها التطورات الجيوسياسية الإقليمية وما يمكن أن تتركه اضطرابات المنطقة من آثار مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد العراقي.

وتزداد خطورة الصدمة الاقتصادية في ظل اعتماد المالية العامة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية.

وتظهر البيانات الفعلية لعام 2024 حجم هذه الحساسية بوضوح؛ إذ بلغت الإيرادات العامة نحو 140.8 تريليون دينار، منها 125.3 تريليون دينار من الإيرادات النفطية والثروات المعدنية، أي ما يقارب 88.9% من إجمالي الإيرادات. وفي المقابل، بلغت النفقات العامة نحو 150.5 تريليون دينار، أي بفجوة تقارب 9.8 تريليون دينار.

كما قدّر صندوق النقد الدولي أن سعر النفط اللازم لتحقيق التوازن المالي ارتفع إلى نحو 84 دولاراً للبرميل في 2024، مقابل 54 دولاراً في 2020.

أمام هذه الظروف، يجد العراق نفسه أمام مفترق طرق حقيقي.

فإما أن يستمر في إدارة الأزمة بالاعتماد على السيولة والهوامش المالية المتاحة، أو ينتقل إلى إجراءات مالية واقتصادية أكثر صعوبة، تهدف إلى تقليل الإنفاق غير الضروري وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة الصدمات المستقبلية.

استنزاف الاحتياطي النقدي ليس حلاً

قد تتمكن الحكومة من تجاوز فترة قصيرة من الضغوط المالية من خلال استخدام السيولة المتاحة وأدوات التمويل.

إلا أن هذا الخيار لا يمكن أن يتحول إلى سياسة دائمة، خصوصاً إذا أدى تمويل العجز إلى استنزاف الأصول الأجنبية أو زيادة الضغوط على البنك المركزي.

فالاحتياطيات النقدية ليست مورداً متجدداً يمكن الاعتماد عليه إلى ما لا نهاية، بل تمثل أحد أهم أدوات الاستقرار المالي والنقدي في البلاد.

وقد تراجعت الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي العراقي بنهاية 2024 بنحو 10.3% إلى 130.3 تريليون دينار.

وقدّرها صندوق النقد الدولي بنحو 100.3 مليار دولار، بما يغطي أكثر من 11 شهراً من واردات السلع والخدمات.

وهذا مستوى مريح نسبياً، لكنه لا يعني أن الاحتياطي يمكن التعامل معه بوصفه مورداً لتمويل الإنفاق الجاري.

وتزداد خطورة هذه المسألة عندما يكون الجزء الأكبر من الإنفاق موجهاً نحو الرواتب والأجور والنفقات التشغيلية. فهذه الالتزامات تتكرر شهرياً، بينما لا يمكن زيادة الإيرادات النفطية بالسرعة نفسها التي يمكن أن يرتفع بها الإنفاق.

سعر الصرف والصدمة الاقتصادية

من الخيارات التي قد تلجأ إليها الدولة تعديل سعر الصرف، خصوصاً أن الإيرادات النفطية تتحقق بالدولار، بينما يتم الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي بالدينار.

فعند ارتفاع سعر الدولار مقابل الدينار، يمكن أن تحصل الحكومة على عدد أكبر من الدنانير عند تحويل الإيرادات النفطية الدولارية.

لكن هذه الزيادة في الإيرادات الدينارية لا تعني بالضرورة خلق ثروة جديدة للاقتصاد.

على العكس، فإن انخفاض قيمة الدينار قد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة السلع والخدمات المستوردة، وبالتالي ظهور الآثار التضخمية على المواطنين، خصوصاً أن الاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد.

ففي عام 2024 بلغت قيمة الاستيرادات نحو 87.4 مليار دولار، بزيادة 32.8% عن عام 2023.

كما ارتفعت نسبة الانكشاف الاقتصادي على الخارج إلى 67.4%، وهو ما يوضح حجم حساسية الأسعار المحلية لأي تغير في كلفة الاستيراد أو سعر الصرف.

الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنفاق العام

إذا أرادت الدولة مواجهة الصدمات الاقتصادية بصورة مستدامة، فعليها أن تبدأ من داخل المالية العامة نفسها.

وهذا يتطلب مراجعة شاملة للإنفاق الحكومي، تبدأ من الامتيازات والمخصصات المرتبطة بالمناصب العليا، مروراً بالإنفاق الإداري، وانتهاءً بالتوسع غير المدروس في التوظيف الحكومي.

ولا يعني ذلك تحميل الموظف البسيط مسؤولية الأزمة، بل يعني إعادة النظر في هيكل الإنفاق الحكومي بالكامل.

كما يعني التمييز بين الإنفاق الضروري الذي تحتاجه الدولة لتقديم الخدمات، والإنفاق الذي يمكن تخفيضه أو إعادة تنظيمه.

والأرقام توضح طبيعة المشكلة؛ فمن أصل 150.5 تريليون دينار من النفقات الفعلية في 2024، بلغت النفقات الجارية 125.2 تريليون دينار، أي 83.2% من إجمالي الإنفاق، مقابل 25.3 تريليون دينار فقط للنفقات الاستثمارية. كما بلغت تعويضات الموظفين نحو 60.1 تريليون دينار، وشكلت 48% من النفقات الجارية.

كما أن استمرار التوسع في التعيينات الحكومية دون دراسة قدرة الدولة على تمويل الرواتب مستقبلاً يمثل مشكلة هيكلية.

فكل تعيين جديد لا يعني راتباً لشهر واحد فقط، بل التزاماً مالياً يمتد لسنوات طويلة.

العراق بحاجة إلى صندوق ثروة سيادي

من أهم الخطوات التي يمكن للعراق التفكير بها إنشاء صندوق ثروة سيادي حقيقي، لا يكون مجرد حساب مالي آخر تابع للحكومة، وإنما مؤسسة استثمارية ذات حوكمة واستقلالية واضحة.

يمكن تمويل الصندوق من خلال تخصيص نسبة محددة من الإيرادات النفطية، مع وضع قواعد قانونية صارمة تحدد متى وكيف يمكن السحب من أمواله.

ومن الأفضل أن ترتبط عملية الادخار بقاعدة مالية واضحة، مثل تحويل جزء من الفوائض النفطية التي تتحقق عندما تتجاوز الإيرادات مستوىً مرجعياً محدداً، بدل أن يبقى الادخار خاضعاً للقرار السياسي السنوي.

ويجب أن تدار أصول الصندوق من قبل متخصصين في الاستثمار وإدارة المخاطر والاقتصاد، بعيداً عن التغييرات السياسية والحكومات المتعاقبة.

الهدف من الصندوق ليس فقط تحقيق أرباح استثمارية، وإنما تحويل جزء من الثروة النفطية الحالية إلى أصول مالية واستثمارات يمكن أن يستفيد منها العراق في المستقبل، خصوصاً عندما تنخفض أسعار النفط أو تتراجع الإيرادات النفطية.

فالثروة النفطية مورد ناضب، أما الأصول التي يتم تكوينها من هذه الثروة فيمكن أن تتحول إلى مصدر دخل للأجيال القادمة.

مكافحة الهدر في مواجهة الصدمة الاقتصادية

مكافحة الهدر تبدأ من العقود والمشتريات الحكومية.

فالإصلاح المالي لا يمكن أن ينجح من دون رقابة حقيقية على الإنفاق العام.

وهنا يجب تعزيز دور المؤسسات الرقابية، وفي مقدمتها ديوان الرقابة المالية الاتحادي وهيئة النزاهة، مع تطوير آليات التدقيق في العقود الحكومية والمشتريات.

ويجب ألا تقتصر الرقابة على اكتشاف المخالفة بعد إتمام العقد، بل يجب أن تبدأ من مراحل الإحالة والتعاقد والشراء.

كما ينبغي استخدام أدوات تحليل البيانات لمقارنة الأسعار والكميات والعقود المتشابهة، واكتشاف حالات التلاعب أو تضخيم الأسعار.

وتزداد أهمية ذلك في ظل استمرار تحديات الحوكمة؛ إذ حصل العراق على 28 نقطة من 100 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، وجاء في المرتبة 136 من أصل 182 دولة.

كما أن تعزيز الشفافية في العقود الحكومية وإتاحة أكبر قدر ممكن من المعلومات للجمهور سيجعل عملية الرقابة أكثر فاعلية، ويقلل من فرص استغلال المال العام.

ويمكن أن تكون رقمنة دورة المشتريات، من الإعلان والإحالة إلى التنفيذ والدفع، أداة عملية للحد من التلاعب ورفع قابلية العقود للمراجعة والمقارنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *