حين يتمرد الجنود… ماذا يحدث داخل الجيش الإسرائيلي؟

الجيش الإسرائيلي وتمرد الجنود في سديه تيمان
قراءة في تمرد جنود سديه تيمان داخل الجيش الإسرائيلي، ودلالاته النفسية والمؤسسية على الانضباط والثقة والإنهاك القتالي...

الجيش الإسرائيلي وتمرد الجنود في سديه تيمان

حين يغادر أكثر من مئة جندي وقائد قاعدة سديه تيمان العسكرية دون إذن من قياداتهم، فإن المسألة لا تعود مجرد مخالفة انضباطية يمكن احتواؤها بإجراء عقابي عابر. بل تتحول إلى نافذة نطل منها على الحالة النفسية العميقة التي بلغها الجيش الإسرائيلي، بعد أن خاض ثلاث سنوات متصلة من القتال دون أن يمنح نفسه فرصة الالتقاط أو المراجعة. فالجنود الذين غادروا ينتمون إلى كتيبة قتالية من الوحدات الضاربة، وقد تركوا أسلحتهم داخل مهاجعهم قبل أن يغادروا حاملين مقتنياتهم الشخصية فقط، وسط هتافات غاضبة ضد الضباط، في مشهد وصفته أوساط عسكرية إسرائيلية نفسها بأنه غير مسبوق. وقد أدى ذلك إلى إخراج الكتيبة بأكملها من الجاهزية العملياتية، رغم أنها كانت على أعتاب الدخول في عمليات جديدة داخل قطاع غزة.

وقد جاءت الشرارة الأولى لهذا الانفجار من واقعة تبدو في ظاهرها بسيطة، حين أقدم قائد الكتيبة على تحطيم لوحات معدنية معلقة داخل مقرها، تحمل شعارات ورموزاً متوارثة بين الأجيال المتعاقبة من مقاتليها، وترمز إلى الانتماء والروح القتالية التي رافقتهم في معارك غزة ولبنان. بدا هذا التصرف لبعض الجنود إهانة مباشرة لتقاليد وحدتهم وهويتها الجمعية، فتطورت المشادة إلى مواجهة مفتوحة انتهت بانسحاب جماعي من القاعدة. كما كشفت مصادر عسكرية إسرائيلية أن جذر الأزمة يعود في الأصل إلى محاولة فرضتها فئة من المقاتلين القدامى على زملائهم الجدد من أعراف وسلوكيات داخلية، ما فجر خلافاً لم يعد بين الجندي وقيادته العليا فحسب، بل تسرب إلى الهرم الداخلي للوحدة ذاتها بين جيل وجيل من مقاتليها، وهو ما ينذر بتصدع أعمق من مجرد أزمة انضباط طارئة.

أزمة الانضباط داخل الجيش الإسرائيلي

الأخطر في هذا الحدث ليس فعل المغادرة بحد ذاته، بل دلالته المؤسسية. إذ تكشف تقارير من داخل الجيش الإسرائيلي أن قيادته بدأت فعلاً في إعداد ما يشبه وثيقة مبادئ جديدة، بعد أن رصدت تراجعاً حاداً وملموساً في مستوى الانضباط داخل صفوف جنودها. وهذا بحد ذاته إقرار ضمني من المؤسسة العسكرية بأن ما جرى في سديه تيمان ليس حادثاً معزولاً، بل عرض من أعراض حالة أعم بدأت تتسلل إلى بنية الجيش بعد سنوات من الاستنزاف المتواصل.

ومن الناحية السيكولوجية، يمكن قراءة هذا السلوك في ضوء ما يعرفه علم النفس العسكري بالإصابة الأخلاقية. وهي حالة نفسية تصيب المقاتل حين يشعر أن القيم التي خاض من أجلها المعارك جرى انتهاكها من داخل مؤسسته، لا من عدوه. فحين يحطم القائد رمزاً تحمل له الكتيبة معنى وجدانياً، فإنه لا يكسر معدناً، بل يكسر عقداً ضمنياً قائماً بين الجندي وقيادته. هذا العقد يقوم عليه الانضباط العسكري برمته، ويفترض أن الطاعة تقابلها قيادة تحافظ على كرامة الجندي ومعناه الرمزي. فإذا سقط هذا الشرط، فقد الانضباط أساسه النفسي، مهما بقيت القوانين العقابية قائمة شكلياً.

الإرهاق القتالي والإصابة الأخلاقية

كما أن تراكم الضغط القتالي المستمر لأكثر من ثلاث سنوات يفضي، في علم النفس العسكري، إلى ما يعرف بإرهاق القرار الأخلاقي. ففي هذه الحالة، يفقد الجندي تدريجياً قدرته على تحمل أي شعور إضافي بالظلم أو الإهانة، مهما كان صغيراً، لأن مخزونه النفسي من الصبر قد استُنفد فعلاً في جبهات القتال. لذلك تتحول حادثة رمزية بسيطة إلى شرارة تفجر غضباً متراكماً، لم يكن أصلاً متعلقاً باللوحة المعدنية، بل بكل ما سبقها من فقدان الرفاق، وطول الخدمة الاحتياطية، والشعور بأن التضحيات لا تقابلها قيادة سياسية أو عسكرية تستحقها.

وحين يقدم الجندي على مغادرة قاعدته تاركاً سلاحه، فإن هذا الفعل يحمل في لغة علم النفس الجمعي دلالة مزدوجة. فهو من جهة إعلان احتجاج سلمي متعمد، إذ إن ترك السلاح رسالة تقول: إننا لسنا متمردين مسلحين، بل جنود مهانون. ومن جهة أخرى، هو مؤشر على انهيار الثقة بجدوى الاستمرار في القتال تحت قيادة فقدت، في نظرهم، شرعيتها الأخلاقية ولو للحظة. وهذا بالضبط ما يفسر انتشار السلوك جماعياً. فالانسحاب الجماعي في علم النفس العسكري يحدث حين يتحول الشعور الفردي بالظلم إلى هوية جمعية يتقاسمها أفراد الوحدة، فيتحرك الجميع بمنطق القطيع الأخلاقي، لا بقرار فردي محسوب.

تآكل الثقة داخل الجيش الإسرائيلي

إن الجيوش تاريخياً لا تنهار دفعة واحدة، بل تتآكل من الداخل عبر سلسلة من المؤشرات الصغيرة. يبدأ أولها غالباً بفقدان الثقة بالقيادة الميدانية، قبل أن يتسع إلى فقدان الثقة بالمؤسسة العسكرية كلها، ثم بجدوى الحرب ذاتها. وما جرى في سديه تيمان قد لا يكون بداية هذا المسار، لكنه بالتأكيد حلقة أخرى في سلسلة طويلة من علامات الإنهاك التي بدأت تظهر في أكثر من وحدة قتالية إسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة. ولذلك، فإن تأكيد الجيش الإسرائيلي أن ما جرى لا ينسجم مع قيمه يبدو أقرب إلى محاولة احتواء إعلامي، لا إلى معالجة فعلية لجذر الأزمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *