اليوم التالي للحرب والتحدي الاستراتيجي لأميركا ودول المنطقة

اليوم التالي للحرب والتحدي الاستراتيجي لأميركا ودول المنطقة
يرى الطرح أن إيران حققت انتصاراً استراتيجياً بإفشال أهداف واشنطن، فيما تسعى الأخيرة إلى تقليص مكاسبه عبر الضغط في هرمز وساحات المقاومة والداخل الإيراني، محذراً من تصعيد إقليمي واسع إذا استمرت دول المنطقة في دعم السياسات الأمريكية...

لاشك أن كل الأحكام المستندة إلى علم سياسي واستراتيجي تتضافر وتصب في حكم واحد مفاده انتصار إيران في هذه المعركة التي لاتزال مستمرة على هيئة نمط حربي يسمى حالة “اللا حرب واللا سلم”، بينما حددت نتيجتها مسبقا بهزيمة استراتيجية أمريكية، مما يجعل استمرار الحالة الراهنة عملا تحت سقف تحسين شروط الهزيمة الأمريكية، أو محاولة تفريغ الانتصار الإيراني من مكتسباته الاستراتيجية.

وحتى لايكون الكلام مرسلا، أو دربا من دروب التحليل بالتمني، فإن العلوم العسكرية والاستراتيجية تجمع على أنهفي حال الصراع بين قوة كبرى وقوة أصغر منها “وفقا للتسليح والتكنولوجيا والإمكانات الاقتصادية”، فإن إفشال أهداف القوة الكبرى هو انتصار استراتيجي للقوة الصغرى وهزيمة استراتيجية للقوة الكبرى، بمعزل عن تقييم الخسائر.

وواقع الأمر يقول أن مجرد بقاء نظام الثورة الإسلامية والتفاف الشعب الإيراني بأغلبيته الساحقة حوله، هو إفشال لهدف إسقاط النظام وخلق ثورة ملونة تأتي بنظام تابع لأميركا.

فما بالنا بفشل الأهداف الجزئية الأخرى مثل القضاء على المشروع الصاروخي، وانتزاع الحق السيادي الإيراني في إدارة مشروع نووي، وفض التحالف المقدس بين إيران وجبهات المقاومة الإقليمية.

ولعل الضربة الكبرى، هو خروج إيران بمكسب استراتيجي من العيار الثقيل، وهو السيطرة على مضيق هرمز، وهو ما جعله مكسبا استراتيجيا دوليا وليس فقط مكسبا على مستوى الإقليم.

وبالتالي فإن التحدي الاستراتيجي الراهن لأميركا وذيولها بالإقليم يتمثل في اليوم التالي لنهاية الحرب، والمسار التكتيكي لمعالجة هذا التحدي يتمثل في تفريغ الانتصار من مضمونه وهو ما نراه موزعا على الجبهات والملفات باختصار شديد كما يلي:

أولا: على مستوى ورقة مضيق هرمز

تحاول أميركا نزع السيطرة الإيرانية عبر الضغوط السياسية والتلويح بنجدد العدوان لانتزاع بالسياسة مافشلت به بالحرب، ليقين أمريكي عسكري باستحالة تحرير المضيق من يد إيران بالقوة، وعلى قاعدة أن طائرة مسيرة واحدة من مكان بعيد في إيران يمكنها غلق المضيق وإفشال حركة الشحن البحري مع افتقاد عامل الأمن.

وهذه المراوحات الأمريكية بين الحرب والسلم تهدف لتنازل إيران عن هذه الورقة.

ثانيا: على مستوى جبهات المقاومة

تحاول أميركا وأذنابها بالإقليم فصل ملف الحرب الأمريكية الإيرانية عن ملفات جبهات المقاومة، وانتزاع مكتسب وحدة الساحات باعتباره منجزا استراتيجيا وازنا، وهو ما نراه بوضوح وبتشابه كبير في لبنان والعراق.

ولعل التشابه في مقاربة الملف العراقي والليناني يعود لتكليف توم براك بالإشراف على الملفين، وهو ما يعتمد على مقايضة بين فك الحصار عن الدولة ووعود بإنعاش اقتصادي مقابل نزع سلاح حركات المقاومة وفك أي ارتباط بإيران والتحول التدريجي نحو المهادنة ثم السلام مع العدو الإسرائيلي والانضمام لاحقا لمسار التطبيع “الإبراهيمي”.

وللأسف فإن سلوك الحكومات والضعف أمام وكلاء أميركا بالمنطقة وعلى رأسهم النظام السعودي، يحرز تقدما في هذا الملف لصالح أميركا و”اسرائيل”.

ثالثا: على مستوى إضعاف النظام وبث الفتن

تستخدم أميركا منطق الحصار وعقد التكتلات المعادية لإيران والتلكؤ في رفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة، والوقيعة بين ايران وجوارها في العراق وباكستان وتركيا، لخلق أزمات اقتصادية وسياسية لإعادة المحاولة للوقيعة بين الشعب والنظام ومحاولات بث فتن وثولاات ملونة جديدة.

كما تسهر أميركا حثيثا للإيحاء بوجود خلافات وتمايزات بين أجنحة نظام الثورة الإسلامية، وهي أخطر المحاولات الأمريكية التي ينلغي تداركها.

وهذا المسار التكتيكي ينذر بما يلي:

كلما ازداد الصمود الإيراني وضاق هامش الوقت وانعدمت الخيارات الأمريكية فإن تكثيف الضغوط الأمريكية سيكون في المسارات البديلة المتعلقة بالمضيق وساحات المقاومة وبث الفتن الداخلية في دول المقاومة وفي الداخل الإيراني.

أي نتوقع تكثيف الضغوط على العراق ولبنان، وتجديد العدوان على اليمن، مع تعليق الملف الإيراني متراوحا بين الحرب والسلم لكسب الوقت في انهاء ملف وحدة الساحات وتعميق الازمات الاقتصادية والسياسية في الداخل الإيراني.

وقد تلجأ أميركا للخيار شمشون بعد يأسها، وهو خيار محتمل ولاينبغي استبعاده وقد نصح به بعض الاستراتيجيون كمخرج من الحرب، وهو يتمثل في ضربة كبرى انتقامية تعيد ايران لسنوات إلى الوراء وهو خيار لايعبأ بانتقام إيران من دول المنطقة التي ساعدت أميركا في العدوان، حيث يترتب على هذا الخيار انسحاب أميركا من المنطقة وترك أهلها يحاربون بعضهم بعضا…فلننتبه.

إن الخيار الآمن لهذه المنطقة هو المساعدة على خروج أميركا وانسحابها بوقفة سياسية شجاعة وايصال رسالة يأس لأميركا بالطريقة التي لا تعادي إيران، حتى يكون اليوم التالي هو يوم انتصار للمنطقة.

ةبألفاظ أكثر وضوحا، فإن أميركا ستنسحب من المنطقة، إما بالتعاون مع دول المنطقة ثم الفشل وهو ما يستتبع حربا انتقامية بين ايران وهذه الدول، أو تنسحب عندما تقرر هذه الدول عدم التعاون والاشتراك في طرد أميركا، وهو الخيار الآمن.

أما الرهان على انتصار أميركا فهو رهان خاسر ولن يقود المنطقة إلا إلى حروب بينية طويلة ومدمرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *