في القرن الواحد والعشرين ستكون الثقافة العربية بحاجة الى تنقية اصطلاح المثقف مما علق به من تمظهر اجتماعي واسقاطات نفسية ارتكبها بعض المصابين بتورم الذات من ذوي الجاه والسلطة وبعض المصابين بنقص المناعة المعرفية .. هي أمراض تصيب جزء الشخصية المسؤول عن التوازن بين الفكرة والتطبيق وبين الأعتقاد والسلوك . ظهرت هذه الأمراض أو الأعراض مع إنتشار ثقافة العالم الجديد القائم على ثنائية المال والأعمال ، بما ترتب على ذلك من سوق عالمية ، وإتصال مفتوح ، ومساحات افتراضية واسعة للتنقل والتجول والتحول ، لا تأبه كثيراً للحدود الجغرافية مثلما تأبه للعلاقات الجيوسياسية والعلاقات الاقتصادية . الأمر الذي يفرض على ثقافة النخبة وهي تفكر بالواقع الجديد ، ان تأخذ بعين الإعتبار الثقافة الشعبية الناشئة في ظل الظروف الحالية للعصر.
لم تعد هناك إرشادات مؤثّرة في ثقافة النخبة ، فقول: اقرأ كثيراً تصبح قديراً ، ينافسه قول: اعمل كثيراً تكسب كثيراً . لهذا القول مقبولية اكثر في الثقافة الشعبية من القول الأول . اذ ان الثقافة الشعبية كونتها ظروف المرحلة . المرحلة التي لم تعد فيها حياة العربي المعاصر مستقرة ، فهو يعيش حاضراً لم تتمكن فيه الثقافة من حسم مشكلة التراث والمعاصرة ، فأضحى في عصر التقنية الرقمية الذكية مضطرباً متحيراً بسبب غياب المنطقة المشتركة بين الماضي والحاضر ، وهو ما جعل الحاضر في الفهم التلقائي لكثيرين لا معنى ثقافياً له ، فاكثر الناس يعيشون لأنهم وجدوا انفسهم في هذه الحياة ، وليس لأن عليهم ان يصنعوا حياتهم ، لذا فالمستقبل عندهم هو مصير مجهول بعد ان وجدوا انهم يفقدون ويفتقدون القدرة الذاتية على تحديد المصير بسبب ظهور ادوات جديدة للنظام العالمي مختلفة عما كانت عليه في السابق .. لذا لم يعد كثير من الناس يجدون في حياتهم الجديدة ما يستحق ان يحافظوا عليه كمنجز له قيمة بالمفهوم المتعارف عليه أدبياً ، فالتسوق ليس منجزاً ، لكنه أضحى كذلك عندما ساهم كنشاط بارز في إظهار ثقافة الفرد ، فاقتناء موبايل حديث بتقنية ذكية صار مؤشراً على ثقافة المستهلك او المستخدم .. وصار تقليد سلوكيات الغرب من علامات التمدن والتحضر والثقافة .. يدرك الجيل الجديد ان كل هذه الاشياء ليس فيها ما يستحق الإحتفاظ به كمنجز يبرز هويته الثقافية.
شخصية ثقافية ناجحة
لم تعد فكرة ان تكون ذا شخصية ثقافية ناجحة أو فاشلة يشكل أهمية في إعتقاد كثيرين الا من خلال السوق ، فالنجاح والفشل في الإستهلاك ، وإجادة التظاهر بالتحضر اضحت مقاييس مرحلة زمنية ظهر فيها مستثمرون ثقافيون يعرضون مبنى (القشلة) في شارع المتنبي للاستثمار ، ومستثمرون أعادوا تأهيل شارع المتنبي في بغداد حتى كثر رواده من الجيل الجديد ، وازداد عدد المطاعم وتنوعت الأكلات الشعبية ، وكثرت محلات بيع القرطاسية والهدايا والأعمال اليدوية ، كأنشطة اكثر حضورا من الكتاب الذي اخذ يتراجع بشكل لافت ، فأكثر روّاد شارع المتنبي يلتقطون الصور ويأكلون (الساندوج) ويشربون الشاي في احد المقاهي ، وقد لا تقع عينك على أحد يحمل كتاباً أو يشتري كتاباً . هذا الى جانب أمور كثيرة حصلت منذ بداية القرن الجديد تفسّر ندرة ظهور أفكار وانجازات فكرية وثقافية عظيمة ذات صلة بالواقع يمكن أن يكون لها شأن في تغيير هذا الواقع الى ما ينبغي ان يكون عليه مجتمع ورث حضارات عظيمة كالمجتمع العراقي .
شخص يستحق الاهتمام
كيف تصبح شخصاً يستحق الاهتمام ، سؤال يراود تفكير كثيرين ، لكنّه لم يعد يحتمل إجابات عدّة بعد ان اعطى الجمهور لزيادة الدخل المالي أعلى نسبة قياساً ببقية الإختيارات التي من بينها زيادة الدخل الثقافي وزيادة التحصيل العلمي .
السؤال الأهم الان : ما هو الشيء الخاص الذي سينتجه المجتمع العربي في القرن الواحد والعشرين وقد اصبح التعليم فيه تعليماً تلقينياً لا تعليماً ثقافياً ، فالمدرسة والجامعة فقدتا قيمتهما الثقافية ، والمتحف لم يعد مصدراً لحفظ ونقل الثقافات ، انه اليوم مكان يحفظ مقتنيات قديمة . والمجتمع لم يعد قادراً على تطوير طريقة حياة افراده . والفردانية تشغل إهتمام كثيرين في زمن ضعف الثقة .
لقد فشل المجتمع العربي المعاصر في إحراز تقدّم يليق بالتفوّق الحضاري التاريخي للمنطقة العربية . ليس هذا وحسب بل فشل في الإحتفاظ بذلك التفوق الحضاري . ان واقع المجتمع العربي اليوم ينذر بخروج مخيّب من تاريخ الحضارة العربية .. لدينا اليوم مخاوف حقيقية من فشل المجتمع المعاصر في مواجهة العنف الاسري والجريمة والإدمان والإنتحار . ان إقتصار مهمّة مواجهة هذه الأخطار على الدولة يُنذر باستمرارها وتزايدها ، هذا الاستمرار والتزايد ينذران بإنهيار المجتمع ، وإنهيار المجتمع هو بمثابة إعلان واضح عن خروج المجتمع عن الخدمة ، عند ذاك لن يعود مجتمعاً بل سيتحوّل الى تجمّعات بشرية تفتقد الى روح المجمع والانسان والعدالة .
يحاول الجيل الجديد ان يأخذ من تراث الاجيال السابقة مؤشرات وتوجيهات يضبطون عليها اتجاهات بوصلة حاضرهم ، لكن المشكلة ان مؤشر البوصلة لا يشير دائماً الى الوجهة الصحيحة المضبوطة على وفق معايير تلك الإرشادات القديمة ، ذلك لأن السبل والطرق قد تغيّرت فما عاد بمقدور مؤشر البوصلة ضبط الإتجاه ، مما جعل الجيل الجديد في حيرة من أمره ، فهو ملزم بمواصلة المسير بحكم حبّ البقاء ورغبة المواصلة ، لكنه لم يعثر في بيئته على ما يبدّد قلقه بشأن تحديد وجهته وتقرير مصيره ، فأضطر غالباً الى إستعارة بوصلة جيل آخر من بيئة مختلفة اجادت تحديد وجهتها ووصلت بالمجتمع الغربي الى اعلى درجات المدنية والتطور العلمي والنشاط الاقتصادي . لكن مشكلة الثقافة العربية اليوم هي ان استعارة الجيل الجديد لبوصلة جيل آخر من مجتمع آخر حفّز في هذا الجيل اكتساب مهارات وثقافات تلك المجتمعات ، لأن البوصلة الغربية المستعارة تشير الى اتجاهات لا تتوافق غالباً مع طبيعة المجتمعات العربية ، مما اعطى مساحة اكبر لنشوء الثقافة الشعبية الجديدة على حساب ثقافة النخبة وتراث الماضي الغني بكنوز الحكمة والمعرفة التي كان لها دور بارز في يوم ما في توجيه بوصلة اجيال المجتمع الغربي .
اعتقد اننا في ظل التطور الهائل في وسائل الإتصالات والتعليم والطباعة والنشر سنكون بحاجة الى سوق خاص بالأعمال الإبداعية الفنية والأدبية والعلمية وكل مجالات العلوم الإنسانية . هذه السوق ستحتضن الثقافة الشعبية الناشئة وستوفر منطقة اشتراك معقولة ومقبولة مع ثقافة النخبة التي لا يزال روّادها يبدعون ويقدّمون أعمالاً فكرية رائعة ورائدة ، بذلك سيمكننا أن نقدّم خدمتنا الكبرى للمجتمع في جعل الثقافة شأنا عاماً ، ولا اضنني أغالي اذا ما قلت اننا سننجح في إنقاذ مجتمعاتنا من واقعها الراهن المكتظ بالمشاكل والأزمات .
الوقت يعني المال
برغم السماحية العالية التي يعطيها العالم الافتراضي لمستخدميه في الحصول على مصادر معرفية متنوعة وكثيرة ، لم يفلح كثير من المستخدمين في صناعة وعيهم الثقافي ، لأن الوقت اصبح يعني المال ، واستثمار الوقت اصبح يعني التفكير بكسب المال وانفاقه ، وهو ما دفع العقل الاستهلاكي الى التفكير المادي ، بحيث قلّت فرص وحظوظ الجانب الروحي ، وثقافة الاعتبارات الأخلاقية ، بحيث لم يعد المُنتَج مهماً لذاته ، المهم هو شراء المنتج لأجل عملية الشراء فقط ، فكثير من الناس يشترون حاجيات ليسوا مضطرين لها ، لكنهم بحاجة الى الشعور بالارتياح النفسي الذي تحققه عملية الشراء هذه .
الإستعداد النفسي
في القرن الواحد والعشرين دخل المجتمع العربي عصر التقنية الذكية وهو غير مستعد نفسياً لتوقع وتقبّل ما سيترتب على تلك التقنية من تغييرات في حياتهم ، لذا ظهرت المشاكل الاجتماعية التي ترجع أسباب اغلبها الى القلق والإضطراب العام الذي يعيشه جيل القرن الحالي ، مضافاً الى ذلك ان المجتمع فقدَ جزءاً من وظيفته ، فقد كان في السابق يشخّص أسباب المشكلة الاجتماعية ويوفّر لها العلاج ، بينما هو اليوم يشخّص المشكلة لكنه لم يعد قادراً على توفير العلاج ، لأن أدوات المجتمع لم تعد فاعلة في عصر التقنية الرقمية الذي وفّر اداوت جديدة جذبت الجيل الجديد واغرته بدقتها وسرعتها وفاعليتها ، فنتج عن هذا الخلل الاجتماعي في التشخيص والعلاج ، ظهور مذهب جديد يجيز اعتبار المرض النفسي والشذوذ الأخلاقي والتطرف الفكري ، نوعاً من أنواع الحرية الشخصية التي ينبغي باسم المدنية والتطور العلمي احترامها وتوفير الظروف المناسبة لنموها وممارستها ، ومن ذلك ما صرنا نراه ونسمعه عن المثليين وعن المتطرفين و …
مزيداً من التعب النفسي
لذا يشعر الجيل الجديد بالتعب النفسي ويشكو استمرار هذا التعب ، الأمر الذي جعل بعض الشباب يستخدمون اجسامهم لتحقيق الإرتياح النفسي ، فصرنا نرى شبّاناً وشاباّت بأشكال مريبة ، وملابس غريبة ، وسلوكيات عجيبة .. ما يحملني على عدم وصف كثير منهم بالشواذ هو اني وجّدتهم لا يفتقرون الى روح العمل الإنساني في المجتمع ، لكنهم يفتقرون الى الراحة النفسية ، وبسبب اختلاف واختلال معنى الراحة النفسية وكيفية تحققها لجأ بعض الشباب الى الظهور في الشارع بـ (البرمودا) وبشعر رأس طويل ورسم ووشم على الذراع والكتف والساق ، وظهور شابّات بعمليات تجميل فاقدة لمعنى الجمال ، بملابس تظهر ما امكن اظهاره من أجزاء الجسم وتجسيم الباقي بقماش فاقد لمعنى استخدامه .
ان عدم ايجاد علاج ثقافي للإرتياح النفسي سيرفع من قيمة لغة الجسم البشري في سوق الإستهلاك الحياتي المادي بحيث يعتاد المجتمع العربي على تقبل رؤية العربي في الخليج بالدشداشة والعقال الى جانب زوجته ببنطال الجينز ، ورؤية الشاب العراقي بالبرمودا في شارع المتنبي والاماكن الرسمية ، ويظهر الرجل المصري بالجلابية مع زوجته بتنورة قصيرة فوق الركبة.
الشاشة الملونة
هناك عامل مهم وجب الوقوف عنده الى جانب العوامل التي ذكرناها ، وهو ان تعقيداً في حياة الجيل الجديد الاجتماعية قد رافق دخوله عصر التطور التقني الرقمي ، ففي السابق كان الناس يظهرون أمام بعضهم عفويين على طبيعتهم ، وعندما دخلت الكاميرا ، أصيبت تلك العفوية بشيء من التكلف ، هو التزام اكثر منه تمثيلاً ، فالشخص امام الكاميرا يريد ان يظهر على افضل حالة ، ويتكلم افضل الكلام . بعد ان تطورت صناعة الكاميرات وظهرت الشاشات الملونة ، وبعد ان اصبح هذا التطور متاحاً للجميع ، دخلت العلاقات الاجتماعية مرحلة التمثيل ، هذا التدرج من العفوية الى التقيد الى التمثيل ، شغل الناس بالمظهر اكثر مما كانوا عليه في السابق منشغلين بالجوهر ، ومن نتائج ذلك جاءت المجاملات على حساب النقد ، وجاءت الابتسامات المتكلفة على حساب الانفعالات الحقيقية ، الأمر الذي جعل الشخص مضطراً للظهور امام الناس بشخصية تكاد تكون مختلفة عن طبيعتها ، وهو ما اصطلح عليه بالازدواجية في الشخصية ، او النفاق الاجتماعي ، او فن الأتكيت . الصعوبة في ذلك ان مشروعنا في تمكين المجتمع ثقافياً لكي ينجح سيحتاج الى حثّ الفرد والمجتمع الى العودة الى الطبيعة لكي يدرك ان وجود الكاميرا او الشاشة ليسا مدعاة للتظاهر او للتمثيل على حساب الواقع ، وانما هما من اداوت رصد الواقع وتوصيفه كاحداث حقيقية وليست مشاهد تمثيلية ، هذا الإدراك سيسهّل عملية التفكير بالواقع ، لدعم الوصول الى نتائج عملية لحل مشاكل الناس ، ولتطوير طريقة حياتهم .
مكانة المثقف الاجتماعية
اما المكانة الإجتماعية التي يحظى بها المثقف بين عامة الناس فتأتي من كونه الأقدرعلى التعبير عن همومهم وتطلعاتهم و رغباتهم وحاجاتهم. لذا فكثيراً ما يكون المثقف موضع احترام الناس اكثر منه موضع التزامهم بأفكاره . لعل هذا يفسّر كثرة هموم ومشاكل الناس مقابل كثرة ارشادات وحكم ووصايا العارفين والعلماء والمفكرين . يضاف الى ذلك التغيير الكبير المتسارع الحاصل في التكنلوجيا حول العالم ، ما جعل ثقافة النخبة تصاب بالوهن أمام ثقافة الشاشة التي اخذت تصنع ثقافة المستخدمين التلقائيين بحيث اصبحت مصدر معرفتهم الوحيد تقريباً.
ثم ان هناك مسألة مهمة ينبغي الوقوف عندها وهي تعريف الثقافة في ظل التطور المتسارع للتقنية الذكية . هل هي الاستعداد النفسي للشخص في الانفتاح على ثقافات العالم وتخطي الايدولوجيا السائدة في المجتمع . ام هي الاستعداد الفكري لمناقشة القضايا العميقة ذات الصلة باعتقادات الناس وثقافتهم الشعبية التي تنشأ في ظل هذه المتغيرات العالمية الكبيرة .
ام الثقافة مجرد حرية تعبير تجيزها السلطات الناتجة عن الانعطاف غير المدروس للحكم من الدكتاتورية الى الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية المعاصرة .
ام الثقافة فهي ابحار في تيارات النشاطات الابداعية المألوف في مجال الفن والادب والعلم بعيدا عن الدين والسياسة كما يفضل بعض المشتغلين في الثقافة طلبا للعافية من تبعات نقد الدولة والدين في مجتمع تخضع حياته بشكل كامل تقريبا لقوة الدين وقوة الدولة .
يعيش المثقف العراقي قلقاً لافتاً حيال توتر العلاقة بين مضامين القوانين العامة وبين رغبات السلطة المسؤولة عن حفظ ورعاية وتطبيق القانون ، فقد نجد المسؤول العراقي يستقل موكباً من السيارات الحديثة المضللة ويضرب اشارة المرور ، واحيانا يعتدي بالضرب على رجل المرور ، وقد نجد في حيازة كل مسؤول تقريباً مقاعد مضمونة للحج خارج نظام القرعة الذي تفوّج به هيئة الحج قاصدي بيت الله ، وقد نجد المسؤول العراقي يستملك من عقارات الدولة بسعر رمزي لا يتناسب اطلاقاً مع سعر السوق ، بينما يستحيل فعل ذلك على المواطن الإعتيادي ، وقد نجد رئيس الحكومة يرتكب اكثر من ٦٠ خطأ لغوياً في خطاب مباشر مداه حوالي عشر دقائق ، ثم يقتضي الواجب الوظيفي حضوره في معرض بغداد الدولي للكتاب ليقص شريط افتتاحه. تشغل هذه التناقضات تفكير المثقف النخبوي في العراق بين من يعتبرها خطراً وبين من يراها اخطاءً شائعةً لا تضرّ الثقافة ، كون شخص الرئيس يمارس اهتماماً روتينياً بالثقافة لا يضرّ بدوره الرئاسي ولا بدور الثقافة ، لكن لا يبدو توقعهم صائباً اذ ان خيبة الحكومة الثقافية تنعكس سلباً على هيبة الشأن الثقافي ، ولعل هذا ما يفسر التناقض الواضح جداً بين عدد أفكار المثقفين المدونّة في كثرة الكتب المطبوعة وبين عدد المشاكل الإجتماعية والسياسية والإدارية والاقتصادية .
حمل هذا الحال كثيراً من المثقفين على تمرير سوء واقعهم لتعذر اصلاحه حتى انهم اصيبوا باليأس من اية عملية تغيير ايجابية محتملة.
حين تقع رعاية تطبيق القانون العام بيد الفاشلين في السلطة الحاكمة يصبح هذا القانون مبرراً لكثرة الجريمة والمشاكل الإجتماعية ، ذلك لأن هذا القانون سيفتقر الى العدالة في التطبيق ، فقد رأينا كيف حكمت محكمة على طفل سرق علب ورق تنظيف بالحبس عدّة اشهر ، وحكمت على مسؤول حكومي فاسد سرق مبلغاً كبيراً من المال العام بالحبس شهرين مع ايقاف التنفيذ مع دفع غرامة مالية بسيطة . لا يقف الأمر عند هذا الحدّ بل يبلغ حداً اخطر يتمثل في التحايل على فقرات القانون لتأتي صيغته النظرية لصالح هذا المجرم وذاك السارق مقابل مبالغ مالية يتقاضاها محامون يمتهنون تجارة القانون ، وقد كشف بعض القضاة انهم حكموا بالظلم اضطراراً على اشخاص متهمين ، لأن اوراق قضاياهم تدينهم ، بينما يدرك القاضي بحسّ العدالة في ضميره ان هذا المتهم بريء ، لكن ذلك يحتاج الى اثبات مادي غير متوفر. هذا الواقع يهدّد الثقافة ويؤرق المثقف النخبوي حتى ان بعضم اختار العزلة هرباً من هول ما يرى ويسمع ، وبعضهم الاخر يرى انّ عليه ان ينتقد الواقع من دون ان يطاله الظلم والباطل ، نفر قليل اختار حدّة المواجهة والمكاشفة ، هؤلاء كان مصيرهم التغييب أو التشويش أو تشويه السمعة ، يعلم الوسط الثقافي بذلك في جانبيه النخبوي والشعبي ، لكن غاية ما يستطيعه تظاهرة هنا تطالب بالافراج عن صحفي او كاتب ، وتظاهرة هناك تطالب بالكشف عن مصير الكاتب الفلاني ، في حين لم يكشف الواقع عن نتائج واضحة وحاسمة في هكذا قضايا .


