علاقة الفلسفة بالثقافة في عصر الذكاء الاصطناعي

علاقة الفلسفة بالثقافة في عصر الذكاء الاصطناعي
تبحث العلاقة بين الفلسفة والثقافة من منظور إنساني، مؤكدةً تكاملهما في فهم الواقع وتطويره، وضرورة توظيف الذكاء الاصطناعي بوعي فلسفي يحفظ الهوية والقيم، ويمنع تحوّل التقنية إلى قوة مهيمنة على الإنسان والثقافة...

يعدّ موضوع الإنسانية أعمق فكرة اشتغل عليها العقل البشري منذ بواكير وعيه بوجود الإنسان ، وبعلاقته بالمجتمع والطبيعة .

نتج عن هذه الفكرة العميقة ، إستفهامات كثيرة ودقيقة ، ارتبطت بكل ما له علاقة بطبيعة الإنسان . وأمام هذه الإستفهامات كان لا بد من إجابات يطمئن اليها الإنسان كي يستمر في حياته ، وفي رغبته وعطائه . هكذا بدأت علاقة الإنسان بالمعرفة والبحث والتأمل ، ثم مر الزمن على ثلاثية المعرفة والبحث والتأمل لتظهر الخبرة كلون أساسي يسهم في رسم صورة مطابقة للواقع ، أو هي أقرب ما تكون لطبيعة الواقع . وفي رحلة التأمل والإستفهام والمعرفة والخبرة هذه ، ظهرت الفلسفة .

يختلف الفلاسفة على تحديد الزمن الذي بدأت فيه عملية التفلسف ، لكنهم يتفقون على ان هدف الفلسفة هو الانسان .. واذا أخذنا في نظر الاعتبار ان هدف الثقافة هو الإنسان أيضاً ، أمكننا ربط الفلسفة بالثقافة من خلال علم الانسان – الانثروبولوجيا – الذي يعنى بدراسة كل ما له علاقة بطبيعة الانسان وعصره وثقافة ذلك العصر .

إذن العلاقة بين الفلسفة والثقافة علاقة مترابطة ، محورها الإنسان والطبيعة . فإذا كانت الثقافة بحكم اسبقيتها التاريخية على الفلسفة ، قد بدأت مع حياة الإنسان الطبيعية ، فيمكن القول ان الفلسفة بدأت مع حياة الانسان المعرفية .. واذا كان للثقافة نصيبها الكبير في التعبير عن الواقع ، فإن للفلسفة نصيب كبير في تغيير ذلك الواقع . فالثقافة تهيئ للفلسفة أدوات عملها ، والفلسفة بدورها تطور اداوت الثقافة . ولعلي استطيع القول ان الفيلسوف مثقف بالضرورة ، والمثقف فيلسوف بالصيرورة .

يشهد العالم منذ بدايات القرن الواحد والعشرين تسارعاً مذهلاً لتطور العلم والتكنلوجيا ، فهناك سيارات ذاتية القيادة ، واجهزة كهربائية منزلية ذكية . وهناك روبوت عالي الدقة ، يتوقع له الخبراء في مجال الذكاء الإصطناعي أن يفوق قدرة العقل البشري في العقود القادمة الى الحد الذي يصعب أو يتعذر فيه التمييز بين العقل البشري والعقل الآلي . لذا على الثقافة اليوم إعادة النظر في حركتها، واعادة توجيهها بما يمضي بالحياة  في إتجاه لا يرغم المجتمع على الإبتعاد عن هويته الانسانية ، الأخلاقية و الإسلامية ، ولا يعرّض أفراده للتهجين الثقافي .

لا تخلو خطوات التجديد الثقافي من صعوبات جمّة ، ومعوّقات كثيرة  ، وتحديات كبيرة . لكن الإعتقاد بصحة فلسفة الفكرة يمنح أصحابها الإصرار على المضي في طريق التجديد وسيوظفون خدمات التقنية المتطورة لهذا الغرض ، وسيوفرون سبلاً آمنة تبتعد بالناس عن الإصابة بالأعراض الجانبية لسوء إستخدام التقنية الذكية . لذا سنكون بحاجة الى وجود الفلسفة كنمط حياتي يعيشه كل شخص ، يعطيه الشعور بأنه كائن متفوق ، لا يزال قادراً على العطاء والابداع بوصفه فيلسوفاً بالقدر الذي تمليه عليه معرفته ودرجة تعليمه ومدى فهمه لحياته وتصوراته للواقع . فالفلسفة تحث صاحبها على الاستفهام والاستعلام ، وادوات التقنية تساعده في الحصول على نتائج الاستعلام . ومن مزج الاستفهام بالاستعلام سيتمكن المستخدم من تكوين تصور ولو بسيط عن مكانه على خارطة العالم اليوم ، واتجاه حركته فيها ، لكي يتمكن من توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة وعيه ، وان لا يخضع لهذه التقنية المتطورة كونها حل سهل متوفر ومقبول . وبوجود الاستفهامات التي يطرحها علم الانثروبولوجيا وهو يدرس ثقافة عصر الانسان ، سيتمكن المستخدم العربي من رؤية حاضره رؤية مستقبلية متواصلة مع الماضي . لا من حيث التقليد ، ولا من حيث التقييد . ولكن من حيث إعادة بناء الزمن لتغيير النفوس من اجل تحريرها من قبضة القوة المهيمنة على المشهد الحياتي في حاضره التي ربما تكون قوة غير صديقة للانسان والبيئة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *