يعدّ موضوع الإنسانية أعمق فكرة اشتغل عليها العقل البشري منذ بواكير وعيه بوجود الإنسان ، وبعلاقته بالمجتمع والطبيعة .
نتج عن هذه الفكرة العميقة ، إستفهامات كثيرة ودقيقة ، ارتبطت بكل ما له علاقة بطبيعة الإنسان . وأمام هذه الإستفهامات كان لا بد من إجابات يطمئن اليها الإنسان كي يستمر في حياته ، وفي رغبته وعطائه . هكذا بدأت علاقة الإنسان بالمعرفة والبحث والتأمل ، ثم مر الزمن على ثلاثية المعرفة والبحث والتأمل لتظهر الخبرة كلون أساسي يسهم في رسم صورة مطابقة للواقع ، أو هي أقرب ما تكون لطبيعة الواقع . وفي رحلة التأمل والإستفهام والمعرفة والخبرة هذه ، ظهرت الفلسفة .
يختلف الفلاسفة على تحديد الزمن الذي بدأت فيه عملية التفلسف ، لكنهم يتفقون على ان هدف الفلسفة هو الانسان .. واذا أخذنا في نظر الاعتبار ان هدف الثقافة هو الإنسان أيضاً ، أمكننا ربط الفلسفة بالثقافة من خلال علم الانسان – الانثروبولوجيا – الذي يعنى بدراسة كل ما له علاقة بطبيعة الانسان وعصره وثقافة ذلك العصر .
إذن العلاقة بين الفلسفة والثقافة علاقة مترابطة ، محورها الإنسان والطبيعة . فإذا كانت الثقافة بحكم اسبقيتها التاريخية على الفلسفة ، قد بدأت مع حياة الإنسان الطبيعية ، فيمكن القول ان الفلسفة بدأت مع حياة الانسان المعرفية .. واذا كان للثقافة نصيبها الكبير في التعبير عن الواقع ، فإن للفلسفة نصيب كبير في تغيير ذلك الواقع . فالثقافة تهيئ للفلسفة أدوات عملها ، والفلسفة بدورها تطور اداوت الثقافة . ولعلي استطيع القول ان الفيلسوف مثقف بالضرورة ، والمثقف فيلسوف بالصيرورة .
يشهد العالم منذ بدايات القرن الواحد والعشرين تسارعاً مذهلاً لتطور العلم والتكنلوجيا ، فهناك سيارات ذاتية القيادة ، واجهزة كهربائية منزلية ذكية . وهناك روبوت عالي الدقة ، يتوقع له الخبراء في مجال الذكاء الإصطناعي أن يفوق قدرة العقل البشري في العقود القادمة الى الحد الذي يصعب أو يتعذر فيه التمييز بين العقل البشري والعقل الآلي . لذا على الثقافة اليوم إعادة النظر في حركتها، واعادة توجيهها بما يمضي بالحياة في إتجاه لا يرغم المجتمع على الإبتعاد عن هويته الانسانية ، الأخلاقية و الإسلامية ، ولا يعرّض أفراده للتهجين الثقافي .
لا تخلو خطوات التجديد الثقافي من صعوبات جمّة ، ومعوّقات كثيرة ، وتحديات كبيرة . لكن الإعتقاد بصحة فلسفة الفكرة يمنح أصحابها الإصرار على المضي في طريق التجديد وسيوظفون خدمات التقنية المتطورة لهذا الغرض ، وسيوفرون سبلاً آمنة تبتعد بالناس عن الإصابة بالأعراض الجانبية لسوء إستخدام التقنية الذكية . لذا سنكون بحاجة الى وجود الفلسفة كنمط حياتي يعيشه كل شخص ، يعطيه الشعور بأنه كائن متفوق ، لا يزال قادراً على العطاء والابداع بوصفه فيلسوفاً بالقدر الذي تمليه عليه معرفته ودرجة تعليمه ومدى فهمه لحياته وتصوراته للواقع . فالفلسفة تحث صاحبها على الاستفهام والاستعلام ، وادوات التقنية تساعده في الحصول على نتائج الاستعلام . ومن مزج الاستفهام بالاستعلام سيتمكن المستخدم من تكوين تصور ولو بسيط عن مكانه على خارطة العالم اليوم ، واتجاه حركته فيها ، لكي يتمكن من توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة وعيه ، وان لا يخضع لهذه التقنية المتطورة كونها حل سهل متوفر ومقبول . وبوجود الاستفهامات التي يطرحها علم الانثروبولوجيا وهو يدرس ثقافة عصر الانسان ، سيتمكن المستخدم العربي من رؤية حاضره رؤية مستقبلية متواصلة مع الماضي . لا من حيث التقليد ، ولا من حيث التقييد . ولكن من حيث إعادة بناء الزمن لتغيير النفوس من اجل تحريرها من قبضة القوة المهيمنة على المشهد الحياتي في حاضره التي ربما تكون قوة غير صديقة للانسان والبيئة .


