أهمية الحديث عن الدين في أي عصر ، وفي أي مجتمع ، تأتي من حقيقتين مهمتين : الأولى ، انه لا يوجد مجتمع الا وله دين ، أو هو يبحث له عن دين .
الحقيقة الثانية : انه ما من شخص الا وله شعور ديني ، يختلف هذا الشعور الديني من شخص الى اخر ، فقد يكون متذبذباً ، أو مخفياً ، أو متخذاً نمطاً معيناً ، وقد يظهر في فترة مبكرة او متأخرة من عمر الإنسان ..
يرى المؤرخ الفرنسي آرنست رينان ، المشهور بترجمته للكتاب المقدس ، والداعي الى نقد مصادر الدين نقداً علمياً ، وتاريخياً كي يتم التمييز بين ما هو تاريخي ، وما هو اسطوري ، مما ورد في الكتاب المقدس . يرى انه ” من الممكن أن يضمحل ويتلاشى كل شيء نحبه ، وكل شيء نعدّه من ملاذ الحياة ونعيمها ، ومن الممكن أن تبطل حرية إستعمال العقل ، والعلم ، والصناعة ، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين ، أو يتلاشى ، بل سيبقى أبد الآباد ، حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي” . ويقول كارل غوستاف يونغ، الطبيب ، وعالم النفس السويسري ، مؤسس علم النفس التحليلي: ” من بين جميع المرضى الذين تعاملت معهم في النصف الثاني من حياتي لم أجد مريضاً واحداً لم تنته مشكلته في نهاية المطاف الى مشكلة العثور على رؤية للحياة ، ويمكن القول بكل ثقة ان هؤلاء جميعاً إنما شعروا بالمرض بسبب فقدانهم الشيء الذي تقدّمه الأديان الحيّة في كل عصر لأتباعها ولم يتماثل أي واحد منهم للشفاء الحقيقي قبل أن يعثر على رؤيته الدينية ” ..
في القرن الواحد والعشرين
المرحلة الحياتية التي نعيشها اليوم في مجتمعاتنا العربية ، هي المرحلة الأخطر التي يمرّ بها الدين في حالة إضطراب ثقافي في الفهم التلقائي للناس . وهي الحالة التي يؤدي تفاقمها الى ظهور اعراض تلف في جهاز الدين الحركي في الحياة الاجتماعية والأسرية والشخصية . فبوجود أنظمة سياسية دون مستوى حمل المسؤولية الأخلاقية والإنسانية في السلطة ، ووجود قوى عالمية متحكمة في صناعة قرارات دول منطقة الشرق الأوسط ووجود مجتمعات منهكة وجدانياً غير متمكنة ثقافياً . فإن الدين يتعرض لنوبة من الغربة في الأمة على أيدي بعض المعممين ، وكلما طال وقت التعرض لهكذا نوبة ، دخل الدين في حالة موت سريري في تفاصيل حياة الناس ، وهي الحالة التي يكون فيها الدين موجوداً ، لكنه غير قادر على الحركة . وهذا ما يتيح لوعاظ السلاطين تسويق اقوالهم للناس على انها من الدين . بمرور الوقت ينتج عن ذلك خروج الناس من الدين ، سواء بشكل واضح أو خفي . الخطر الكبير في ذلك ان الدين قد ينتهي كرسالة حياتية فاعلة ويعود غريباً كما بدأ .
المؤسسة الدينية والثقافة
حين رأت المؤسسات الدينية حاجتها الى توسيع نطاق التقائها بمثقفين ، حفاظاً على بقاء ونقاء الجو الديني للجماهير في علاقتها بالمؤسسة الدينية . تواصلت مع اكاديميين ، ودعتهم الى العمل ضمن انشطتها الثقافية ، فنتج عن ذلك مؤتمرات وندوات ثقافية ومهرجانات تقدّم في أغلب الأحيان ما يريده رجال دين على السنة رجال علم ، ممن وظّفوا شهاداتهم لخدمة اجندات دينية ، ففتحوا قنوات تواصل بين المعمّم والطالب في الحرم الجامعي ، وصدرت مطبوعات متقنة فنياً من حيث جودة الطباعة وبريق الألوان وكثرة الصور ، تتولى توثيق أنشطة المؤسسة الدينية وتتطرق لبعض مجالات المعرفة المتنوعة في مجال الأسرة والمجتمع .
النصّ المقدّس
اشتغل العقل العربي على النص الديني المقدس فاعتنى بحفظه والحفاظ عليه ، من حيث سلامة مضمونه كما أنزل ، وسلامة نطقه وسلامة تلاوته .. ثم اشتغل على دراسة النص المقدس في إطار الوحي من خلال احداث حياة الأنبياء والمرسلين وما ترتب على ذلك ، فجاء حديث ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ليندرج ضمن إطار الوحي ، جاءت علوم الدين لتبحث في التفسير والمعاني على وفق ما يترتب عليه ذلك الإطار الديني ، وترك للبعد الروحي في الجانب الديني مهمة تفعيل مضامين النصوص المقدسة وتحويلها الى طرق تفكير ومناهج سلوك .. هنا تبدأ المشكلة .. فالعقل الديني يدعو الى تقوى الله ( اوصيكم عباد الله بتقوى الله) ، وراح الخطيب الديني يعظ الناس بالتزام الحلال والابتعاد عن الحرام ، وحثّهم على التزام طاعة الله والتزام الصلاة والصيام كفرائض يرتضيها الله لعباده . ومضت المنابر في مشوار تفقيه الناس بالنصوص المقدّسة والأحاديث النبوية في الإطار الديني ، فالصدقة بعشرة امثالها ، والتجارة الرائجة تكون مع الله ، والربا حرام ، واكل الحقوق من العقوق . تقبل الناس هذه الطروحات لما يمليه الجو الروحي للحديث الديني من اثر حسن في القلب وامتاع وانطباع حسن في النفس . لكن هذا الحال لم يكن ليدم طويلاً ، ذلك ان الواقع يحرّكه الإطار العملي للبعد المادي الحياتي ، فلا تجارة مع الله في البنوك والمصارف ، ولا الصدقة تزيد من ارصدة المودعين في بنوك الدولة ، انما هي الفوائد المالية فقط .. البنك يبحث عن فائدة مالية للقروض التي يقدّمها للناس ، انها عملية حسابية ، ولا يوجد في دساتير الحكومات نصّ ( ما كان لله ينمو) ، مشاريع الحكومة غايتها البقاء في السلطة لغرض السلطة ، وما انتفاع الناس الا تحصيل حاصل تلك النيّة ، ورغبة من الحكومة في استحصال اصوات الناس في العملية الانتخابية .. هنا اختفى التوازن في معادلة الروح والمادة التي ينبغي ان تكون فاعلة بنسب متساوية في حياة الكائن الانساني المدرك ، فأموال البلاد ومواردها الطبيعية بيد السلطة المسلمة الحاكمة ، ولكي يحصل المواطن على قرض من البنك عليه ان يقبل بتسديد الفوائد التي يراها المعمّم حراماً ، كما ان المواطن ليس حر التصرف بأمواله ، فإذا أراد ان يشتري عقاراً وجب عليه ان يدفع الضرائب للحكومة كإجراء إداري ، هنا ظهرت مشاعر الإحساس بالظلم . لم يتمكن العقل الديني بحكم اشتغاله على الجانب الروحي للدين فقط من تحريك العلاقة بين العبد وربه في سياق الحياة اليومية بحيث يجد تنسيقاً مقبولاً للتناقض الذي يعيشه المواطن بين إذعانه للنص المقدس في الخطاب الديني ، وبين إذعانه للقانون الوضعي للسلطة الحاكمة .
ومن مشكلات تفكير العقل العربي ، رؤيته لعلاقة العبد بربّه رؤية قائمة على علاقة السيد بالعبد في مفهومها المادي ، فجاءت فكرة ان الله يحبّ ان يرى في عبده الانكسار والتذلل مدخلاً لتهيئة الفرد للخضوع الى سلطة الحاكم المتسلط بصفته خليفة الله . هذا الفهم الخاطئ لمفهوم الخليفة فتح باباً واسعاً لا يمكن سدّه ، مكّن الحاكم من أمور الناس بمعية الوعاظ الخاضعين لتسلطه من جهة ، ومن جهة أخرى يخضعون الناس لهذا التسلط باسم الدين .
ان إقتصار الفهم الشعبي للدين على بعد واحد من أبعاد المعاني الأساسية المستخدمة في الحياة كالصبر والقناعة ، يعد من القضايا التي تحتاج الى التجديد في ثقافة العقل الديني الذي اقتصر في تناوله لمفهوم الصبر مثلاً على معنى التحمّل ، لا على معنى التأمّل. وجاء اهتمامه بمفهوم القناعة على معنى التبرير لا على معنى التغيير ، فكانت الحصيلة مجتمعات راكدة ، ساكتة ، وجدت السلطة الحاكمة في هذا الركود والسكوت منفذاً للتسلط على الناس ، ثم بقوّة السلاح المقنن تمكّنت السلطة من الإنتقال بالناس من حالة الركود والسكوت ، الى مرحلة الخضوع لإرادة الحاكم . كان سهلاً على الناس تقبّل ذلك ، حين ربط وعاظ السلاطين الأمر بالله ، كون الخضوع للسلطان هو ابتلاءٌ عليهم تحمّله ، وعليهم قبوله وتمريره بجرعات من الصبر المستخلص من نصوص مقدّسة . هكذا أصيبت حركة الدين في حياة الناس بالخمول والرتابة . أثّر هذا الخمول على نمو خلايا التفكير ، مما نتج عنه إصابات واضحة في إرادة التغيير ، فالناس يرون الظلم وهو يلحق بهم ، ويرون الفساد ينهش جسم البلاد ، ولسان حال اكثرهم يقول ( لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم) و ( انا لله وانا اليه راجعون )
يوم القيامة
ومن القضايا التي تستوجب إعادة النظر فيها في ثقافة العقل الديني ، ان السلف من رجال الدين قدّموا أدوات الخوف من يوم القيامة قبل ان يقدّموا ادوات العمل في الحياة . الخوف يهدد حرية العقل في التفكير ، عندما مرّت المجتمعات بالتغيير الذي نعيشه اليوم ، سواء في القرن العشرين او القرن الواحد والعشرين ، فقد وجد العقل العربي ضرورة التفكير في انتاج ثقافة جديدة تتلاءم مع متغيرات العصر ، ولأنه عقل مرّت عليه ادوات الخوف مئات السنين ، فقد خاف وهو يفكر ، مما نتج عنه ثقافة خائفة اسماها البعض بالحذر . ظهر جرّاء ذلك ثقافة تجميلية تكميلية في المجتمع ، اكثر منها ثقافة تحليلية . الفارق بينهما ان الثقافة التجميلية لا تقبل ان تكون ( نذوراً) اذا اقتضى تطوير المجتمع ذلك .
اننا بحاجة الى تجديد ثقافي يعالج القضايا معالجة جذرية ، لا تقصي الدين ، ولا تجعله ينغمس في الماضي . بل يعيش الدين من حيث هو رسالة حياة ، ليعيد تقديم أدوات العمل في الحياة قبل أدوات الخوف من الآخرة ، هكذا يصبح الموت جزءاً ضرورياً وحافزاً حياتياً لا يقلق المسلم المعاصر المثقف بقدر ما يدفعه الى العطاء الإيجابي الذي يمنحه عمراً أطول مما قُدّر له بيولوجياً ، هكذا تستمر الحياة . اما لماذا قدّم السلف أدوات خوف الآخرة قبل أدوات حُبّ الحياة ، فلستُ اميل الى انتقاد السلف ، بقدر ما اضع تبريراً لهم ، واحسبه كان ضرورياً لهم في ذلك الوقت لكي يسهل عليهم ضبط انفعالات الناس كي يتمكنوا من تحريكها . الخطأ الذي وقع ، كان في المرحلة التالية لتخويف الناس من يوم الحساب ، فقد دخلت السياسة على خط الحدث ، وراق لها ما وجدته من تحكم وسيطرة روحية للمعمّم على الناس ، فأرادته لها في مجال السيادة والحكم ، فصنعت وعاظاً يأخذون دور أولئك المعممين دون دراية أو انتباه من الناس . فقامت بخداعهم من اجل أهدافها ، فراح أولئك الوعاظ يسهبون في تفصيل نتائج الخوف من الآخرة ، وربطوه بالخوف من السلطة الحاكمة ، فجعلوا خلاص الناس مرهوناً برضا الحاكم عنهم ، وذلك من خلال طاعتهم له كونه خليفة الله وهو ولي الأمر واليه يرجع تدبير مصالح العباد والبلاد ، هكذا خضع العقل العربي لسلطة الحاكم بدفع من العقل الديني . هكذا مرّت على المجتمع العربي قرون من الزمن وهو على هذا الحال ، مع محاولات قام بها أصحاب وعي هنا وهناك لتدارك الخطأ القائم.
بين الحاجة والوهم
واقع حال كثير من الناس اليوم يمضي بهم في اتجاه شدّة تمسكهم بالدين ، لأنهم يعيشون إحساساً حقيقياً بعدم المساواة او الظلم او التهميش في مجتمعاتهم وبلدانهم . فمعاناتهم تزداد يوماً بعد يوم ، وأملهم في وجود أشخاص يمتلكون قدرة إنقاذهم من هذا الخراب هو أمل ضعيف جداً ، فقد تجدهم متمسكين بالدين لكنهم بعيدين عن وعيه وعياً عميقاً . حسّهم الديني يخفّف عنهم حجم الضغط النفسي المتزايد بسب تغيّر أحوال المجتمع ، وإرتباك أوضاعهم الخاصة .. قبل الوعي العميق ، يأتي الفقر في مقدمة عوامل تمسّك كثير من بسطاء الناس بالدين ، فتراهم يلوذون بمقامات الأولياء والصالحين ، ينذرون النذور من أجل قضاء حوائجهم التي كثيراً ما تكون مقتصرة على الشفاء من مرض ، أو تسهيل الزواج ، أو انتظار مولود ، أو الحصول على عمل.. انهم يعلمون بتقدّم الطب ، ويسمعون بوجود امكانات متطورة في علاج حالات مرضية صعبة أو مستعصية مثل الشلل والعمى وغيرها ، لكنهم لا يملكون المال لإجراء عملية جراحية في المستشفيات الأهلية ، ولا يجدون في مستشفيات الحكومة ما يداويهم. فيقصدون مقامات الأولياء والأئمة والصالحين ، يتضرعون بالدعاء الى الله ، كي يشفيهم من امراضهم ويحقق لهم ما يرجون .
استخف بعضهم عقول البسطاء ، وإستغلوا فقرهم المعرفي والمالي ، فاستثمروا ذلك في ابتداع مزارات وهمية ، روّجوا لها على ان أصاحبها من الأولياء والصالحين ، وأعدّوا مشجّر نسب يُرجع صاحب المقام الى أحد أئمة اهل بيت النبوة.
وروّجوا من خلال بعضهم لكرامات صاحب القبر وعلقّوا عشرات اللافتات المنسوبة لأشخاص يشكرون الله على ان حلّت في مريضهم كرامة صاحب المقام فشفي من مرضه . في لافتة أخرى يتحدّث صاحبها عن مشكلة عصفت به ، فجاء حلها بعد زيارته المقام . هكذا شاعت وانتشرت أساليب الخداع هذه في الناس ، فراحوا يقصدون صاحب المقام ويقدّمون لمقامه النذور والهدايا ، ويجمعون التبرعات المالية لتوسعة المقام وتجهيزه بالخدمات اللائقة .
هل تستطيع الأدلة العلمية أن تغيّر إعتقادات الناس ؟ لا يبدو ذلك . خصوصاً عند عوام الناس ممن اكتسبوا إعتقاداتهم بكرامة صاحب القبر الوهمي عن طريق التجربة التي تلازم وقوعها مع مشيئة القدر ، او من خلال ما سمعوه من أشخاص ثقاة تعرّضوا لمشكلة ، كان حلّها متزامناً مع زيارتهم ذلك المقام ..
حدثت هذه القناعات عند بعض الناس على الرغم من تصريح رجال دين وباحثين ثقاة ، وعلى الرغم من بيانات أصدرتها مكاتب بعض المراجع الدينية تصرّح بوضوح بأن صاحب ذلك المقام شخصية وهمية لم يثبت لهم وجودها في كتب التاريخ والمصادر المعتبرة ..
في معرض لبيع الأحجار الكريمة في أحد المزارات الدينية خلال العقد الماضي من السنين ، وضع العاملون صندوقين يحتويان على بقايا قطع مكسورة من السيراميك المستخدم في تعمير المرقد من الداخل . كتب على احد الصندوقين ( سعر القطعة 500 دينار) وعلى الصندوق الآخر ( سعر القطعة 1000 دينار) لأن قطع السيراميك في الصندوق الثاني كانت اكبر واكثر انتظاماً. كان الناس يشترون تلك القطع المكسّرة للتبرك بها ، كونها كانت في داخل ضريح الإمام . في مزار آخر عرضت إدارة المقام أمام الزائرين ، قطع سجاد مستهلكة ، عليها ورقة مكتوب فيها ان هذه السجادة كانت في طريق كربلاء وقد داستها أقدام الزائرين ، كان السعر المطلوب فيها 100 الف دينار ، وهو ما يعادل ثمن شراء اكثر من قطعة جديدة بنفس مقاساتها ..
دفعت ازمة الوعي العميق بكثيرين الى التزاحم على شيوخ وخطباء المنبر الديني من أجل الظفر بمصافحتهم ، أو لمس عباءة أحدهم للتبرك . وبسبب القصور الثقافي في تفكير العقل الديني ، يضع بعض المعممين الحطب قرب النار ظناً منه انه يحسن صنعاً ، جاء مثلاً على لسان أحد المعممين ان من حق الزوجة ان تطلب من زوجها مالاً مقابل كل عملية جماع يطلبها. في غياب الوعي الثقافي ، يصبح هكذا كلام بمثابة وضع الحطب قرب النار في مجتمع يشهد تغيراً خطيراً في نظامه الاجتماعي . فالمال اخذ يتحكم بكل تفاصيل حياة الفرد تقريباً ، وبدا انه يهدّد معنى الأسرة في عصر التقنية الرقمية المتطورة حين دخل الموبايل غرف الأولاد وانشغلوا بالاتصال والتواصل الافتراضي عن التواصل الحقيقي ، وكثر الإهتمام بتلبية الحاجات الى أبعد من الضروري منها ، دخل المجتمع مرحلة اللامعنى في الحياة .
بين التجربة الحياتية والتجربة الروحية
الدين في المجتمعات المقهورة والمتأخرة هو التجربة الحياتية للافراد ، وليس التجربة الروحية . ففي المجتمع الذي يغلب على مناخه جو الإعتقاد الديني والإستهلاك العلمي والتسلط السياسي ، تنشأ فكرة الدين في الثقافة الشعبية من خلال طريقة حياة الناس ، فالفرد بحكم تكوينه البيولوجي والسيكولوجي ، كائن إجتماعي ، تفرض عليه هذه الكينونة مراعاة طرق التعامل مع الآخرين . من تلك الطرق كسب رضا وثقة الناس الذين يتعامل معهم ، فالبائع يتصرف بخلق وسماحية ، لأن استمراره في عمله يتطلب ذلك ، وليس ايمانه بضرورة ذلك التصرف . لذا نجد في المجتمع الإسلامي ، وفي شهر رمضان المبارك ، من يرفع أسعار المواد الغذائية ، في حين هناك متاجر في لندن مثلاً تبيع الهدايا بسعر الكلفة في عيد الحب . التاجر المسلم لا يفرق بين سلعة اقترب تاريخ انتهاء صلاحيتها وأخرى ، إلا من حيث الخسارة المالية التي ستلحق به إذا لم يخفض سعر السلعة التي يوشك تاريخ صلاحية استعمالها على النفاذ . في حين تجد تاجراً في مجتمع غير إسلامي ، يصنف السلعة ذاتها الى قسمين وفقاً لقرب وبعد تاريخ الانتهاء . ان فهم الدين كتجربة حياتية بعيداً عن التجربة الروحية يؤدي الى التسلط والاستغلال والغش ، لذا فإن ما يبدو للبعض غريباً رؤية شخص مسلم متدين في مجتمع ديني وهو يمارس الغش والرشوة ، هو في الواقع نتاج تلك الرؤية الفقيرة للدين .


