عبثية التفاوض وصوابية خيار المقاومة
يؤكّد العدو الإسرائيلي، بتوحّشه ونكثه للعهود والاتفاقات وحربه المستمرة قبل وبعد اتفاقات إطلاق النار الدولية والثنائية والثلاثية، أن قرارات وقف إطلاق النار أحد أساليب حربه الذكية لتقليل خسائره.
فهي تؤمّن تقييد المقاومين مقابل حرية جيشه في التحرك، لتنفيذ ما عجز عنه في الحرب بسبب تصدّي المقاومين له.
وهنا تظهر عبثية التفاوض حين يستمر العدو بالتوغّل والتفجير وتفجير البيوت والمؤسسات التجارية بعد نهبها، وإحراق الأحراج وتدمير منابع وآبار المياه لقتل الحياة أو تأخير إعادة الإعمار بعد انسحابه الذي سيكون حتمياً.
يتعرّض المقاومون للمظلومية والعتاب، ويُحمَّلون مسؤولية استدراج الاحتلال، فيضطرون إلى كظم غيظهم والمبالغة في الالتزام بوقف النار وعدم الرد، بينما هم تحت القصف والغارات وكل أنواع القتل.
ويفعلون ذلك حرصاً على عدم تهجير أهلهم، وللإثبات بدمائهم أنهم لا يريدون الحرب وملتزمون بوقف إطلاق النار، وإفساحاً للمجال أمام المفاوضات العبثية التي تقوم بها الحكومة اللبنانية، والتي أدّت بدلاً من تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي إلى إقرار «تنظيف» الجنوب وتحريره من المقاومين بالتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي.
تاريخ العدو الإسرائيلي وعبثية التفاوض معه
يؤكّد تاريخ العدو الإسرائيلي أنه لا يلتزم الاتفاقات والقرارات الدولية، ولا يخضع إلا لمفهوم القوة التي تجبره على الانسحاب أو وقف إطلاق النار.
فهو كيان بُني وتأسّس على القوة، لا على القانون أو الحق الإنساني، ولذلك لا يفهم إلا بالقوة.
ولهذا، عندما كانت المقاومة تمتلك القوة، أجبرته على الانسحاب من الجنوب بعدما عجز القرار الدولي 425 طيلة 22 عاماً عن طرده، ومع وجود القوات الدولية التي لم تنفع لبنان بشيء، بل كانت عوناً للعدو الإسرائيلي.
وعندما كانت المقاومة تمتلك القوة أيضاً، ألزمت العدو الإسرائيلي طوال 23 عاماً بعدم تجاوز الحدود اللبنانية أو الاعتداء أو الاغتيال.
كما أجبرته على القبول بقسمة «قبر العباد» إلى نصفين، وصار المدني والضابط اللبناني يقفان بوجه الجيش الإسرائيلي والجرّافة الإسرائيلية وحيدين، ويتراجع المحتل.
اتفاق تشرين واتفاق الإطار
نكث العدو الإسرائيلي اتفاق تشرين عام 2024، الذي نصّ على تعهّد الحكومة اللبنانية بمنع المقاومة من أي عمليات عسكرية مقابل التزام إسرائيل بعدم الاعتداء.
فالتزمت المقاومة طوعياً طوال 15 شهراً، وقدّمت أكثر من 1000 شهيد وجريح، وتعرّضت منشآتها وأنفاقها للقصف ولم ترد.
ومع ذلك، استمر العدو بحربه التي لا تزال مستمرة.
ورغم ذلك، وصفت الحكومة اللبنانية الحرب الإسرائيلية على لبنان بأنها ردّة فعل على ما قامت به المقاومة، فشكرها نتنياهو.
أما ممثلو المقاومة، وهم جزء منها، فيؤمّنون الغطاء السياسي والميثاقية والشرعية، بحجة منع الفتنة، وطمعاً ببعض العطاءات والتوظيفات والمصالح.
التزمت المقاومة باتفاق وقف إطلاق النار الذي وقّعته الحكومة اللبنانية مع إسرائيل، بما عُرف بـ«اتفاق الإطار»، الذي يعتبره البعض غير موجود، وهو يذبح المقاومة وأهلها.
لكن إسرائيل لم تلتزم به، ولا تزال تفجّر وتقتل وتقصف وتُهجّر، وترسم للجيش اللبناني حدود حركته وتطرده عندما تشاء.
ثم تُلزم الجميع بتصديق خدعتها والترويج لها بما سُمّي «المناطق التجريبية»، التي ادّعت أنها انسحبت منها مع أنها لم تكن محتلة، ولا تزال تحتلها بمسيّراتها وشروطها، التي تحاول تثبيت منظومة «التحرير الوهمي» وتحويل الجنوب إلى نسخة عن الضفة الغربية، وتثبيت منظومة التنسيق الأمني مع السلطة.
الحكومة اللبنانية ومسار التفاوض
تقدّم إسرائيل الدليل تلو الدليل على عبثية التفاوض معها، فهو لن يرد للبنان أي حق مسلوب، ولن يقدّم ضماناً بعدم الاعتداء أو الانسحاب.
لكن الحكومة اللبنانية وأغلب القوى السياسية والطائفية والإعلامية تقول عكس ذلك، وتتهم المقاومة بأنها السبب في خراب لبنان واستدراج الاحتلال وتقويض السلطة اللبنانية، التي تمرّغ إسرائيل كرامتها كل يوم وتهينها وتستهزئ بها، حتى اضطُر رئيس الجمهورية للشكوى بأنه لم يستطع تصليح «قسطل مياه» لقرية مسيحية في الجنوب.
لقد باعت الحكومة سيادتها وكرامتها وشرفها، وأعطت كل ما تملك من أوراق، بما فيها رأس المقاومة، ولم يعطِها العدو الإسرائيلي شيئاً.
والغريب أن يستمر ممثلو المقاومة بمنحها الوقت المفتوح والغطاء السياسي للمسار التفاوضي الذي يُشرعن اغتصاب العدو الإسرائيلي للبنان، مع إعلان من يؤيّد هذا المسار تشاؤمه وعدم رهانه على تحصيل أي شيء. فما هو المبرر لحمايته وتأييده للمسار ومنع أي حراك لإسقاطه؟
خيار المقاومة في مواجهة عبثية التفاوض
أيها المتخاذلون والمستسلمون والخائنون والمخادعون والمحايدون المؤيدون للتوحّش الإسرائيلي، صدّقوا عدوكم الذي أنتم معجبون به وهو يقول لكم: «لا تنتظروا أن أُعطيكم بالتفاوض شيئاً». وانحازوا إلى خيار المقاومة، وإن لم تؤيدوها، فلا تطعنوها بخناجركم، ولا تكونوا عوناً لعدوكم وسلاماً له.
﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾.


