ربما يظن البعض أن زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي إلى طهران تندرج في إطار العلاقات الثنائية المعتادة. لكن القراءة الأعمق تفرض معيارا مختلفا، فنجاح أي زيارة خارجية لا يقاس بحجم التصريحات أو المجاملات ، بل ما تحققه من حماية للمصلحة الوطنية العراقية، في لحظة يعاد فيها رسم خرائط النفوذ، وتتسارع فيها المواجهة بين واشنطن وطهران، وتتحول الممرات البحرية وخطوط الطاقة إلى ساحات صراع لا تقل خطورة عن ميادين الحرب.
من هذا المنطلق، فإن تقييم زيارة طهران لا يبدأ من البيانات الرسمية،.. إنما من الإجابة عن ثلاثة أسئلة جوهرية: هل نجحت في حماية المصالح الاقتصادية للعراق؟ وهل عززت استقلال القرار العراقي؟ هل أسهمت في ترسيخ سيادة الدولة على السلاح والمال العام؟
في هذا السياق يبدو من الممكن القول :
اولا : لم تكن مفاجأة تداول معلومات متضاربة عن وساطة عراقية بين واشنطن وطهران، كما لم تكن مفاجأة الحديث عن استمرار الخلاف بشأن سلاح الفصائل الحزبية المسلحة، أو تداول آراء تربط بين مكافحة الفساد واستقرار العملية السياسية. فهذه الملفات أصبحت العناوين الدائمة لأي حوار عراقي مع العاصمتين الأكثر تأثيرا في المشهد الإقليمي.
غير أن أهمية الزيارة لا تكمن في إعادة طرح هذه الملفات، وإنما في النتائج العملية التي يمكن أن تحققها للعراق.
ثانيا : في ظل احتمالات اتساع المواجهة الأمريكية الإيرانية، تصبح الأولوية العراقية واضحة؛ حماية الاقتصاد الوطني وضمان استمرار تدفق صادرات النفط، لأن أي اضطراب في حركة الناقلات عبر مضيق هرمز لا يمثل أزمة نفطية فحسب، بل تهديدا مباشرا لموارد الدولة، ورواتب المواطنين، والاستقرارين الاقتصادي والاجتماعي.
وحين تؤكد إيران، والكثير من القوى الفاعلة في تحالف إدارة الدولة والاطار التنسيقي ، باستمرار أن علاقات البلدين تاريخية وثقافية واقتصادية، فإن هذه العلاقة مطالبة اليوم بإنتاج حلول عملية، لا الاكتفاء بالشعارات السياسية. وأولى تلك الحلول توفير ضمانات واضحة وآمنة لاستمرار مرور ناقلات النفط العراقية عبر مضيق هرمز، بعيدا عن تداعيات أي مواجهة عسكرية أو سياسية في المنطقة.
لأن البديل عن ذلك لا يعني سوى إدخال العراق في أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، فالريع النفطي ما زال المصدر الرئيس لتمويل الدولة، وأي تهديد لصادراته سينعكس مباشرة على قدرة الحكومة في الوفاء بالتزاماتها المالية والخدمية. ومن يتحدث عن غير ذلك، يحتاج إلى مراجعة أوليات الاقتصاد السياسي قبل الخوض في حسابات الصراع الإقليمي.
ثالثا : إذا كان العراق يطمح إلى أداء دور الوسيط بين واشنطن وطهران، فإن هذا الدور لا يتحقق بالرغبة السياسية وحدها، بل يحتاج إلى دولة تمتلك رؤية استراتيجية موحدة، واستقلالا في القرار الوطني، وقدرة حقيقية على التأثير في أطراف النزاع.
فالعالم يشهد تحولات متسارعة بين اتجاه دولي يتبنى تعددية الأقطاب، تتقدم فيه الصين وروسيا اقتصاديا وسياسيا، وبين رؤية أمريكية تعيد تنظيم تحالفاتها الاقتصادية والعسكرية، ولا سيما مع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، بما يعكس مرحلة امبريالية جديدة في إعادة تشكيل النظام الدولي.
وسط هذه التحولات… السؤال الجوهري: هل يمتلك العراق مقومات الدولة القادرة على ممارسة وساطة مؤثرة، أم أنه ما زال يفتقد وحدة الرؤية التي تمكنه من تعريف العدو والصديق وفق معيار المصلحة الوطنية العراقية؟
رابعا : الإجابة الواقعية تشير إلى أن الحديث عن الحياد لا يكفي، ما لم يقترن بقدرة فعلية على حماية المصالح العراقية، وفي مقدمتها ضمان استمرار تصدير النفط، وتأمين المصالح الاقتصادية العليا للدولة.
ويفتح الدستور العراقي منافذ واقعية لتحقيق ذلك، حين يؤكد ألا تكون الأراضي العراقية مصدر تهديد لدول الجوار، مقابل احترام سيادة العراق ومصالحه الوطنية. ومن هنا، فإن الحصول على ضمانات لمرور آمن لناقلات النفط العراقية يجب أن يكون أولوية مشتركة، سواء في واشنطن أم في طهران، لأن البدائل المطروحة، كمد خطوط أنابيب جديدة أو إنشاء مسارات تصدير أخرى، وإن كانت ضرورية، فإنها تحتاج إلى سنوات، ولا تمثل حلولا عاجلة للأزمة.
السؤال المشروع الغائب عن برامج التوك شو ومنصات التواصل الاجتماعي : هل نجحت زيارتا واشنطن وطهران في الوصول إلى مثل هذه التفاهمات؟ وما طبيعة ردود الأفعال في العاصمتين تجاه هذه الأولويات العراقية؟
خامسا : لا يمكن لأي دولة أن تطالب الآخرين باحترام سيادتها، وهي عاجزة عن فرض سيادة القانون داخل حدودها.
حين يكون حصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد السياسي والمالي، قرارا سياديا وطنيا عراقيا، فإن أي حديث عن ربط هذين الملفين بإرادات خارجية، إنما يمثل انتقاصا من السيادة العراقية، قبل أن يكون خلافا سياسيا.
السؤال: ما مدى قدرة تحالف إدارة الدولة والإطار التنسيقي على التعامل مع الفصائل الحزبية المسلحة، التي رفعت شعارات مقدسة، لكنها انغمست في مفاسد المحاصصة، وأسهمت في إنتاج أمراء الإقطاع السياسي المتجدد؟ وهل يمتلك هذا التحالف الإرادة الكافية لفك الاشتباك بين متطلبات سيادة الدولة، وبين صراعات المحاور الإقليمية والدولية على الأرض العراقية؟
لن تتوفر الإجابة عن هذا السؤال في واشنطن ولا في طهران، وإنما تبدأ من بغداد، عبر شفافية الأداء الحكومي، وجرأة اتخاذ القرار، والالتزام العملي بما ورد في المنهاج الحكومي بشأن حصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد، وتطبيق القانون على الجميع بلا استثناء… فمحاسبة أي زعامات تثبت عليها تهم الفساد لن تسقط العملية السياسية، كما يروج البعض، بل ستكون خطوة ضرورية لتطهيرها من دنس الأبواب الدوارة التي أنجبت أمراء الإقطاع السياسي، وأضعفت ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها.
في ضوء كلما تقدم… ما بعد زيارة طهران، لم يعد السؤال يدور حول طبيعة العلاقات العراقية الإيرانية، بل حول قدرة الدولة العراقية على تحويل تلك العلاقات إلى مكاسب وطنية ملموسة. فالعراقيون لا ينتظرون بيانات دبلوماسية، بل ينتظرون حماية صادراتهم النفطية، وصيانة سيادتهم، واستعادة هيبة دولتهم، وتجفيف منابع الفساد، وحصر السلاح بيد المؤسسات الدستورية.
أما غير ذلك، فلن يكون سوى تدوير جديد للأزمات نفسها، في منطقة لم تعد تمنح أحدا ترف إضاعة الوقت… على وقع طبول الحرب!!
ويبقى من القول… لله في خلقه شؤون.


