بينما كان أطفال غزة يركضون في الأزقة الضيقة هرباً من القصف ثم يتوقفون فجأة ليبحثوا عن آبائهم و أمهاتهم تحت الركام، كانت في نيويورك قاعة مجلس الأمن مكتظة بالدبلوماسيين على طاولة أنيقة ووسط كلمات منمقة عن السلام والعدالة، ارتفعت يدٌ واحدة لتعطل قراراً بوقف إطلاق النار، يدٌ رفعت حق النقض لا لإنقاذهم، بل كانت لإدامة مأساتهم بكل أسف، وهكذا صار “الفيتو” أكثر فتكاً من القذائف نفسها، لأنه يمدّ الحرب بعمرٍ جديد ويشرعن الجوع والحصار.
منذ تأسيسه عام 1945، وُصف مجلس الأمن بأنه حارس السلام العالمي، وأنه الضامن لعدم تكرار ويلات الحربين العالميتين، لكن الواقع أثبت أن المجلس لا يمنع الحروب بقدر ما يديرها ويطيل أمدها، فالدول الخمس دائمة العضوية [ الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وبريطانيا، وفرنسا ] تمتلك حق النقض كأداة سياسية تحمي مصالحها قبل أي اعتبار إنساني، وبينما يتحدث ميثاق الأمم المتحدة عن السلم والأمن الدوليين !
كثيراً ما تحوّل هذا الحق إلى سلاح قاتل لتعطيل القرارات التي تنصف الشعوب المقهورة.
القضية الفلسطينية الضحية الأبرز
القضية الفلسطينية تمثل المثال الأبرز لهذا الانحراف، على مدار عقود، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض عشرات المرات لإفشال أي مشروع قرار يطالب بإنهاء الاحتلال أو وقف الاستيطان أو حماية المدنيين، وفي كل مرة كانت يد واشنطن تُرفع في القاعة، بينما تُدفن آمال الفلسطينيين تحت الركام، الفيتو الأخير بشأن غزة لم يكن استثناءً، بل كان استمراراً لسلسلة طويلة من النقوض التي تحوّلت إلى طوق نجاة لإسرائيل وخنجرُ مسموم للفلسطينيين المنكوبين.
الفيتو وجه آخر للحرب
إن عبارة “حق النقض من فوق الأنقاض” تعبّر عن هذا الواقع القاسي، فحين يُعطل قرار وقف الحرب على غزة، فإن ذلك لا يعني فقط استمرار القصف، بل يعني أيضاً مصادرة الحق في الحياة نفسها، فلم يعد الفيتو مجرد إجراء قانوني، بل صار رصاصة سياسية تُطلق من قاعة مجلس الأمن لتكمل ما لم تفعله الطائرات والصواريخ، إن الفيتو هنا هو الوجه الآخر لآلة الحرب.
اللافت أن الولايات المتحدة، التي تتغنى بالليبرالية وبقدسية حياة الفرد وحقوق الإنسان، هي ذاتها التي تمنع العالم من إنقاذ مئات الآلاف من المدنيين المحاصرين في غزة، هذا التناقض يفضح زيف الشعارات الغربية؛ فالقيم التي تُرفع في الكتب والمحاضرات تسقط عند أول اختبار سياسي، يبدو أن الليبرالية لا ترى الفلسطيني إنساناً يستحق الحياة الكريمة، وأن الحرية التي تدافع عنها مقصورة على من يخدم مصالحها أو ينتمي إلى دائرتها الحضارية.
إن ما يجري في غزة لا يُعتبر مأساة إنسانية، بل هو أيضاً فضيحة أخلاقية للنظام الدولي بأسره. كيف يمكن لمجلس الأمن أن يزعم أنه حامي السلام بينما يقف عاجزاً أمام الجرائم، بل ويسمح بتواصلها عبر آلية “النقض”؟ وكيف يمكن لضمير إنساني أن يقبل مشهد أم تحتضن طفلها الميت، بينما تُرفع يد في نيويورك لتعطيل قرار كان يمكن أن يوقف نزيف الدماء؟
الفيلسوف الفرنسي فولتير قال يوما: “حرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حرية الآخر” لكن ما يحدث اليوم هو العكس تماماً؛ حرية القوى الكبرى لا تنتهي، حتى وإن سحقت حرية الآخرين وحقهم في الحياة، فالحق في الحياة صار مشروطاً بالفيتو، والكرامة الإنسانية باتت مرهونة بمصالح الدول الخمس الكبرى.
في الختام، يمكن القول إن ما يسقط في غزة ليس فقط البيوت والأرواح، بل يسقط معه وهم العدالة الدولية، فحين يُستخدم حق النقض فوق أنقاض مدينة محاصرة، فإنه لا يقتل قراراً أممياً فحسب، بل يهدم الشرعية الأخلاقية لمجلس الأمن ذاته، وإذا استمر هذا المسار، فسيجد العالم نفسه أمام سؤال مرير: إذا كان مجلس الأمن لا ينقذ الضحايا، ولا يحمي الضعفاء، فهل وُجد أصلًا إلا لتكريس الحروب لا لإنهائها؟
إن النقض اليوم لم يعد لنص قرار، بل صار نقضا ونقيضاً لجوهر الإنسانية نفسها.

