الناخب العراقي بين علي الوردي وثلاثية نجيب محفوظ

الناخب العراقي بين علي الوردي وثلاثية نجيب محفوظ
يتناول النص الازدواجية في المجتمع العراقي بين القيم والشعارات والممارسات، ويؤكد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بثورة في الوعي الجمعي، لتجسير الفجوة بين الأقوال والأفعال وتحقيق ديمقراطية حقيقية تتجاوز المظاهر الشكلية....
عندما  نتأمل ثلاثية نجيب محفوظ، نصطدم بـشخصية السيد أحمد عبد الجواد، ذلك الأب المتسلط الذي يفرض على أسرته أخلاقاً صارمة داخل البيت، بينما يعيش خارجه حياةً نقيضا لما يدعو إليه داخل بيته،  فما بين التدين واللذة، والوجاهة الاجتماعية والممارسات السرية، يصوّر نجيب محفوظ الإنسان العربي في لحظة تمزّق بين قناعٍ اجتماعي ظاهر، وذاتٍ باطنة تتنفس نقيضها.

بعدها بسنوات، يأتي علي الوردي ليضع يده على الجرح ذاته، ولكن بلسان علم الاجتماع لا الرواية حين  يصف العراقي — وربما الإنسان الشرقي عموما — بأنه كائن يعيش ازدواجية دائمة بين قيم البداوة والحضارة، يؤمن بالحرية لكنه يخاف منها، يتغنى بالمبادئ الحديثة لكنه يتمسّك بالبنى التقليدية، يرفض الاستبداد السياسي لكنه يمارسه على من هو أدنى منه، يلعن الفساد وهو في الوقت نفسه يشارك فيه إن أُتيحت له فرصة صغيرة.

ازدواجية السلوك الانتخابي العراقي

وحين نعود إلى الانتخابات العراقية المعاصرة، نكتشف أن تلك الازدواجية لم تعد مجرد وصفٍ ثقافي أو تحليلٍ نفسي، بل تحوّلت إلى سلوكٍ سياسي يومي حيث أن  الناخب العراقي اليوم — إلا من رحم ربي — يعيش نسخة حديثة من أحمد عبد الجواد، فهو يتحدث عن الإصلاح والعدالة، ويصف السياسيين بالنصابين، لكنه ما إن تقترب الانتخابات حتى يبدأ بالتعامل مع أكثر من مرشح، يفاوض هذا ويأخذ من ذاك، ويبرر لنفسه بأن الجميع فاسد، فلماذا لا يستفيد هو أيضا؟

إن هذه الحالة من الانفصام الجمعي، لا تُنتج إصلاحا ولا ثورة حقيقية، بل دائرة مغلقة من السخط والتكرار،  وهنا تبرز عبقرية الوردي الذي أدرك أن مشكلة العراقي ليست في السياسي بقدر ما هي في البنية الاجتماعية التي تفرز السياسي نفسه؛ فالسياسي ابن بيئته، وهو مرآة لناخب لم يحسم بعد صراعه بين القيم القديمة والحلم الحديث.

نجيب محفوظ كتب الازدواجية في قالب أدبي، فجعلنا نراها في شخصيات تتنفس وتحب وتكذب وتخاف.

أما علي الوردي فقد فككها ببرود العالم الاجتماعي، وأرانا كيف تحكم المجتمع كله

إصلاح الوعي الجمعي

واليوم بعد عقود من سقوط الديكتاتورية، نعيد إنتاجها بوجهٍ جديد، ازدواجية انتخابية تُمزّق وعي المواطن، وتُبقي الديمقراطية في شكلها، لا في جوهرها.

إن ما تحتاجه العملية السياسية في العراق ليس فقط إصلاحا قانونيا أو تغييرا في النخبة، بل ثورة داخل الوعي الجمعي، تردم الفجوة بين ما نقوله وما نفعله، بين شعاراتنا وممارساتنا، بين الوردي الذي حللنا ومحفوظ الذي صورنا، وبين الإنسان العراقي الذي ما زال يبحث عن نفسه وسط صندوق الاقتراع.

ربما لا تبدأ الديمقراطية من قاعة البرلمان، بل من لحظة صدقٍ صغيرة داخل الناخب نفسه، حين يختار لا بدافع الخوف أو المصلحة، بل بدافع الإيمان بمستقبله، وحين تحدث تلك اللحظة، سنكتشف أن علي الوردي ونجيب محفوظ لم يكونا يكتبان عنا فقط… بل كانا ينتظران منا أن نُكمل الحكاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *