الدولة الفلسطينية وحل الدولتين
تواجه الدولة الفلسطينية وحل الدولتين تحديات متزايدة بسبب الموقف الأمريكي المنحاز إلى إسرائيل.
ووفق المعطيات الواردة، تعترف نحو 160 دولة بالدولة الفلسطينية. وتشمل هذه الدول أربع دول دائمة العضوية في مجلس الأمن.
كما تتمتع فلسطين بصفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة.
ومع ذلك، ما زالت الولايات المتحدة تتعامل مع فلسطين بمستوى يقل عن هذا الاعتراف الدولي.
بل تضغط واشنطن على القيادة الفلسطينية لتقديم تنازلات تمس الهوية الوطنية والالتزامات الاجتماعية.
وتشمل هذه الضغوط مسؤوليات الدولة تجاه أسر الشهداء والأسرى.
كذلك تحاول الإدارة الأمريكية فرض خيارات سياسية تتعارض مع المصالح الوطنية والقومية الفلسطينية.
ازدواجية المعايير الأمريكية
في المقابل، لم تطالب واشنطن إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية.
وقد تجاهلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة قرارات دولية كثيرة خلال عقود الاحتلال.
كما تواصل إسرائيل فرض وقائع أحادية على الأرض بصورة يومية.
وتستهدف هذه الإجراءات مكانة الكيان الفلسطيني وحقوق الشعب الوطنية.
فالشعب الفلسطيني هو صاحب الأرض والتاريخ والموروث الحضاري.
ومع ذلك، تواصل إسرائيل جرائم الحرب والتهجير القسري والتطهير العرقي.
كما ارتكبت جرائم واسعة في قطاع غزة وفي بقية الأراضي الفلسطينية.
ومن هنا، تظهر علامة استفهام كبيرة حول جدية واشنطن في دعم السلام.
كما تزداد الشكوك حول التزامها بحل الدولتين على حدود عام 1967.
التناقض مع الموقف الدولي
يكشف الموقف الأمريكي تناقضاً واضحاً مع غالبية دول العالم.
كما يتعارض مع المكانة التي منحتها الأمم المتحدة للدولة الفلسطينية.
ويعكس هذا التناقض توجهاً أمريكياً سلبياً تجاه الحقوق الوطنية الفلسطينية.
بل يرى كثيرون أن هذا التوجه يعادي المصالح الفلسطينية بصورة مباشرة.
كذلك يثير هذا الموقف الشك في أهداف السياسة الأمريكية المعلنة.
فواشنطن تتحدث عن السلام، لكنها توفر غطاءً واسعاً للسياسات الإسرائيلية.
ومن ثم، يبدو التواطؤ الأمريكي مع إسرائيل شبه كامل في عدة ملفات.
مرونة القيادة الفلسطينية
تدرك قيادة منظمة التحرير الفلسطينية خلفيات سياسة إدارة دونالد ترامب.
كما تدرك طبيعة النهج الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية.
ومع ذلك، تعاملت القيادة الفلسطينية بمرونة عالية مع واشنطن.
فهي تدرك تعقيد المعادلة السياسية واختلال موازين القوى.
كما تعرف أن الولايات المتحدة ما زالت تملك تأثيراً كبيراً في السياسة الدولية.
ومع أن مكانتها العالمية تراجعت نسبياً، فإنها تحتفظ بأدوات ضغط واسعة.
ولذلك، حاولت القيادة الفلسطينية تجنب القطيعة الكاملة مع البيت الأبيض.
كما سعت إلى فتح مساحة للتفاهم ضمن الحدود الوطنية المقبولة.
خطوات الإصلاح الفلسطينية
خطت منظمة التحرير والدولة الفلسطينية خطوات جادة في الإصلاح.
وشملت هذه الخطوات الجوانب الهيكلية والإدارية والمالية والتربوية.
كما استجابت القيادة لمطالب عربية ودولية متعددة.
وجاءت هذه المطالب من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى.
وأرادت القيادة من هذه الخطوات اختراق جدار الاستعصاء الأمريكي.
كما سعت إلى الوصول لتفاهمات مقبولة مع الإدارة الأمريكية.
لكن واشنطن واصلت الضغط للحصول على مزيد من التنازلات.
ومن هنا، تحولت الإصلاحات إلى بوابة لمطالب إضافية لا تنتهي.
أموال المقاصة ومجلس السلام
يتمثل أحد المطالب الأمريكية في اقتطاع مليار دولار من أموال المقاصة الفلسطينية.
وتحتجز وزارة المالية الإسرائيلية هذه الأموال بصورة غير قانونية.
وتريد واشنطن تحويل المبلغ إلى ما يسمى مجلس السلام.
كما تريد تخصيصه للجنة التنفيذية التابعة للمجلس ولجنة إدارة غزة التكنوقراطية.
وقد وافقت الحكومة الفلسطينية على تخصيص المبلغ ضمن شروط واضحة.
واشترطت أن تنفق الأموال وفق الخطة الوطنية الفلسطينية.
كما طلبت توجيهها لخدمة الشعب الفلسطيني عموماً وقطاع غزة خصوصاً.
لكن الإدارة الأمريكية تحاول فرض رؤيتها على طريقة الإنفاق.
وهذا الأمر يمس حق الفلسطينيين في إدارة أموالهم وأولوياتهم.
أسر الشهداء والأسرى
تضغط واشنطن وتل أبيب لوقف المساعدات المخصصة لأسر الشهداء والأسرى.
وتطالبان القيادة الفلسطينية بالتخلي الكامل عن هذه العائلات.
ومع ذلك، نفذت الحكومة الفلسطينية إصلاحات واسعة في هذا الملف.
كما أنشأت نظاماً مالياً مختلفاً عن النظام السابق.
لكن واشنطن ما زالت تشكك في مصداقية التوجه الفلسطيني.
وتواصل الضغط لقطع أي دعم عن العائلات المتضررة.
وقد فقدت هذه العائلات أبناءها بسبب القتل أو الاغتيال أو الأسر.
ولذلك، لا تستطيع القيادة تجاهل مسؤولياتها الاجتماعية والأخلاقية تجاههم.
كما لا ينسجم التخلي الكامل عنهم مع الحد الأدنى من الموقف الوطني.
إصلاح النظام التعليمي
أخضعت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية المناهج لعملية إصلاح كبيرة.
كما راعت معايير المؤسسات الدولية المختصة، ومنها منظمة اليونسكو.
ومع ذلك، تطالب واشنطن بإفراغ التعليم من بعده الوطني.
وتريد فصل الأجيال الفلسطينية عن تاريخها وحقوقها وهويتها.
وفي المقابل، تتجاهل واشنطن النظام التعليمي الإسرائيلي.
ويحمل هذا النظام مضامين عنصرية وتحريضية ضد الشعب الفلسطيني.
كما يبرر القتل والتهجير والتطهير العرقي في بعض مواده وخطاباته.
ومن هنا، تظهر ازدواجية المعايير بصورة واضحة.
فالإدارة الأمريكية تضغط على الضحية، بينما تتجاهل خطاب المحتل.
فرض السلام الإبراهيمي
تصر الولايات المتحدة على فرض ما يسمى السلام الإبراهيمي على القيادة الفلسطينية.
لكن هذا المشروع يتعارض مع أسس عملية السلام الحقيقية.
كما يتناقض مع خيار حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية.
ويتعارض أيضاً مع مخرجات مؤتمر نيويورك الدولي لعام 2025.
وتحاول واشنطن من خلاله إفراغ النظام الفلسطيني من هويته الوطنية.
كما تريد تحويله إلى نظام وظيفي يخدم المصالح الإسرائيلية.
وهذا التصور لا ينسجم مع الحد الأدنى من الرؤية الوطنية الفلسطينية.
فأي سلام يتجاهل الاحتلال والحقوق لن يحقق استقراراً دائماً.
فتح صفحة جديدة مع واشنطن
تريد قيادة الدولة الفلسطينية فتح صفحة إيجابية مع إدارة ترامب.
وترى في ذلك خطوة ممكنة على طريق صناعة السلام.
لكنها تشترط حماية المصالح والحقوق الوطنية الفلسطينية.
كما تطالب بإلزام إسرائيل بإنهاء الاحتلال الكامل.
ويشمل ذلك الانسحاب من قطاع غزة والضفة الغربية.
كما يشمل الانسحاب من القدس الشرقية، عاصمة الدولة الفلسطينية المنشودة.
ومن دون هذا الانسحاب، لن يمتلك أي اتفاق أساساً قانونياً أو سياسياً ثابتاً.
وقف التهجير والتطهير العرقي
تطالب القيادة الفلسطينية بوقف التهجير القسري والتطهير العرقي.
كما تطالب بوقف الاعتداءات الإسرائيلية على المدنيين.
وتدعو إلى إدخال المساعدات الإنسانية بكل أشكالها إلى قطاع غزة.
كذلك تطالب ببدء عملية إعادة إعمار شاملة.
فلا يمكن الحديث عن السلام مع استمرار تدمير المنازل والمدن.
كما لا يمكن بناء الاستقرار مع منع النازحين من العودة.
ولذلك، تمثل حماية السكان وحقوقهم شرطاً أساسياً لأي تسوية.
وقف الاستيطان وإعادة الأموال
يجب أن توقف إسرائيل جميع أشكال الاستيطان الاستعماري.
فالاستيطان يقوض حل الدولتين ويمزق وحدة الأراضي الفلسطينية.
كما يفرض وقائع دائمة تخدم مشروع الضم الإسرائيلي.
إضافة إلى ذلك، يجب أن تعيد إسرائيل أموال المقاصة الفلسطينية.
فهذه الأموال ملك للشعب الفلسطيني وموازنة دولته.
ولا تملك إسرائيل حق استخدامها كأداة ابتزاز سياسي.
كما يضع احتجازها المؤسسات الفلسطينية أمام أزمات مالية متكررة.
شروط السلام الممكن
يحتاج السلام المقبول إلى تطبيق خيار الدولتين على حدود عام 1967.
كما يحتاج إلى إنهاء الاحتلال وضمان الحقوق الفلسطينية.
ولا يكفي أن تطالب واشنطن الفلسطينيين بالإصلاح والتنازل.
بل يجب أن تلزم إسرائيل بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
كما يجب أن توقف الدعم غير المشروط للسياسات الإسرائيلية.
وعندها فقط، يمكن بناء سلام يخدم الفلسطينيين والإسرائيليين والمنطقة.
أما السلام القائم على الإملاءات، فلن يصمد أمام الواقع.
التمثيل الفلسطيني في واشنطن
يجب أن تتفهم الإدارة الأمريكية المصالح السياسية والقانونية الفلسطينية.
كما ينبغي أن تعيد فتح الممثلية الفلسطينية في واشنطن.
فإغلاق الممثلية أضعف قنوات الحوار المباشر بين الطرفين.
كذلك ينبغي إعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس.
وقد خدمت هذه القنصلية المصالح الأمريكية والفلسطينية المشتركة.
كما وفرت قناة سياسية ودبلوماسية مستقلة للتواصل مع الفلسطينيين.
ومن ثم، يشكل إعادة فتحها خطوة عملية نحو تحسين العلاقات.
خطوة على الطريق
لا تعني المرونة الفلسطينية التنازل عن الحقوق الأساسية.
كما لا تعني الإصلاحات قبول تحويل الدولة إلى أداة وظيفية.
بل تسعى القيادة إلى استخدام الحوار كخطوة على طريق السلام.
لكن هذا الطريق يحتاج إلى توازن وعدالة والتزام بالقانون الدولي.
كما يحتاج إلى إنهاء الاحتلال، لا إدارة آثاره فقط.
ويجب أن تحترم واشنطن الهوية الوطنية الفلسطينية.
كذلك يجب أن تدرك أن الضغط المستمر لن يصنع شريكاً مستقراً.
خاتمة: السلام يبدأ بإنهاء الاحتلال
في المحصلة، ترغب القيادة الفلسطينية في فتح مسار إيجابي مع واشنطن.
لكنها تريد مساراً يحفظ الحقوق والمصالح الوطنية.
وتحتاج هذه الخطوة إلى موقف أمريكي أكثر توازناً وعدالة.
كما تحتاج إلى إلزام إسرائيل بوقف الاحتلال والاستيطان والتهجير.
ويجب أن يحصل الفلسطينيون على أموالهم وحقهم في إعادة الإعمار.
كذلك يجب أن تقوم الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967.
وعندها فقط، تصبح الإصلاحات والحوار خطوة حقيقية على طريق السلام.
أما دون ذلك، فستبقى المبادرات مجرد محاولات لإدارة الصراع وإطالة الاحتلال.


