الابتزاز الأميركي الرخيص وثبات الانحياز لإسرائيل
الابتزاز الأميركي الرخيص لا يمكن قراءته بمعزل عن الثابت الاستراتيجي في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل. فمهما ظهرت مواقف متفرقة داخل الإدارة الأمريكية تنتقد هذه الخطوة أو تلك من حكومة بنيامين نتنياهو، فإن ذلك لا يغير حقيقة جوهرية: واشنطن ما زالت تقف، في العمق، خلف إسرائيل في لحظات الحرب والسلم، وفي أوقات التصعيد والتهدئة، وفي الملفات العسكرية والسياسية والدبلوماسية.
وقد ظل هذا الانحياز الأمريكي عاملاً مركزياً في استمرار المشروع الإسرائيلي، وفي توفير الغطاء السياسي والعسكري له، وفي حماية ممارساته داخل فلسطين والمنطقة. ومن ثم، فإن أي خلاف أمريكي ـ إسرائيلي محدود لا ينبغي أن يحجب طبيعة العلاقة البنيوية بين الطرفين، ولا الدور الأمريكي الطويل في حماية إسرائيل من المساءلة الدولية.
إسرائيل كأداة استراتيجية أمريكية
منذ نشأة إسرائيل، لم تكن علاقتها بالغرب علاقة عادية بين دولة وحلفاء، بل علاقة وظيفية ترتبط بمصالح استراتيجية أوسع. فقد شكلت إسرائيل، في القراءة العربية النقدية، أداة متقدمة للنفوذ الغربي في المنطقة، وحاجزاً سياسياً وعسكرياً أمام أي مشروع استقلال إقليمي حقيقي.
وما كان لهذا الكيان أن يحافظ على تفوقه العسكري والدبلوماسي لولا الدعم الغربي المستمر، وعلى رأسه الدعم الأمريكي. فقد وفر هذا الدعم السلاح، والمال، والحماية السياسية، والغطاء في المؤسسات الدولية، وسمح لإسرائيل بمواصلة سياساتها تجاه الشعب الفلسطيني والعرب عموماً.
لذلك، فإن المواقف الأمريكية الجزئية التي تبدو أحياناً متمايزة عن حكومة نتنياهو لا تعني تحولاً في جوهر السياسة الأمريكية، بل تعكس في الغالب خلافاً على التوقيت أو الأسلوب أو إدارة الكلفة، لا على الهدف الاستراتيجي الأعمق.
الحرب على إيران ومحاولة توريط العرب
في خضم الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، التي بدأت وفق هذا السياق في 28 شباط/فبراير 2026، سعت واشنطن وتل أبيب إلى دفع الدول العربية، ولا سيما دول الخليج، نحو الانخراط في دوامة التصعيد. غير أن معظم هذه الدول رفضت الانجرار إلى هذا الخيار، وفضلت النأي بالنفس عن مواجهة قد تحرق المنطقة اقتصادياً وأمنياً.
وقد أكدت التجربة، في نظر كثير من المراقبين العرب، أن القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة لم توفر حماية حقيقية للدول المضيفة. فهي، من جهة، لم تتمكن دائماً من حماية نفسها من احتمالات الاستهداف، ومن جهة أخرى تحولت إلى عبء سياسي وأمني واقتصادي على الدول التي تستضيفها.
وبذلك، أصبحت بعض الدول العربية أكثر وعياً بأن الوجود العسكري الأمريكي لا يعني بالضرورة ضمان الأمن، بل قد يجعل أراضيها جزءاً من بنك أهداف أي مواجهة إقليمية واسعة.
سياسة النأي بالنفس والوساطة العمانية
لهذا السبب، انتهجت معظم الدول العربية سياسة النأي بالنفس عن خيار الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية، وسعت بعض العواصم إلى لعب دور الوسيط الإيجابي لوقف التصعيد بين واشنطن وطهران. وقد برزت سلطنة عُمان، كالعادة، في هذا الدور الدبلوماسي الهادئ.
غير أن المشكلة، بحسب هذه القراءة، أن قرار الحرب كان قد اتُّخذ مسبقاً،
وأن المسار التفاوضي الذي سبق التصعيد لم يكن سوى محطة قصيرة لتخفيف الضغط أو تضليل الطرف الآخر.
فقد كان وزير الخارجية العماني حاضراً في مسار وساطة بين الطرفين الأمريكي والإيراني في جنيف،
قبل ساعات من اندلاع الحرب، وسط حديث عن اختراق إيجابي.
لكن الوقائع اللاحقة أظهرت أن قرار الحرب الأمريكي ـ الإسرائيلي كان قد سبق المفاوضات،
وأن الدبلوماسية استُخدمت كغطاء مؤقت لا كمسار جاد لتجنب الانفجار.
واشنطن بين الحرب والتطبيع
رغم تركيز البيت الأبيض على الجبهة الإيرانية،
لم تغفل إدارة دونالد ترامب عن ملف آخر شديد الحساسية: توسيع اتفاقيات التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل، تحت عنوان ما يسمى “اتفاقيات أبراهام”.
ففي لحظة كانت المنطقة تعيش فيها تصعيداً خطيراً،
وملفات ساخنة تمتد من فلسطين وقطاع غزة إلى أوكرانيا وتايوان وأمريكا اللاتينية،
ظلت واشنطن تضغط باتجاه إدخال مزيد من الدول العربية في مسار التطبيع.
وهذا يكشف أن الحرب والضغط والتطبيع ليست ملفات منفصلة في السياسة الأمريكية،
بل أدوات متداخلة لإعادة ترتيب المنطقة بما يخدم إسرائيل ويحد من استقلال القرار العربي.
الضغط على السعودية واتفاقيات أبراهام
عشية إعلان الحرب على طهران، دعا السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام السعودية ودولاً عربية أخرى إلى الانضمام لاتفاقيات أبراهام،
وذهب إلى مهاجمة الموقف السعودي بسبب تمسكه بشروط سياسية تتعلق بالقضية الفلسطينية.
ثم عاد غراهام، لاحقاً، إلى تصعيد لهجته تجاه القيادة السعودية ودول عربية أخرى،
متحدثاً عن عواقب وتداعيات خطيرة إذا لم تنضم إلى مسار التطبيع مع إسرائيل.
لكن المملكة العربية السعودية لم تطرح موقفاً رافضاً للسلام من حيث المبدأ،
بل أكدت مراراً أن أي اتفاق مع إسرائيل يجب أن يمر عبر الالتزام بحل الدولتين،
وقيام الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967.
وهذا الموقف لا يمثل مطلباً سعودياً فقط، بل يستند إلى مرجعيات عربية ودولية متكررة.
مؤتمر نيويورك وخيار الدولة الفلسطينية
لم يكن بإمكان السعودية إدارة الظهر لدورها في قيادة مؤتمر نيويورك الدولي لدعم خيار حل الدولتين،
الذي عُقد عشية انعقاد الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة بالشراكة مع فرنسا.
فهذا المسار منح الموقف السعودي غطاءً دولياً إضافياً، وأكد أن التطبيع لا يمكن أن يتحول إلى جائزة مجانية لإسرائيل،
من دون التزام واضح بحقوق الشعب الفلسطيني واستحقاق الدولة المستقلة.
ومن هنا، جاء الرد السعودي على التهديدات الأمريكية متمسكاً بضرورة إلزام إسرائيل بالإقرار بوجود الدولة الفلسطينية،
والالتزام بمخرجات المسار الدولي الداعم لحل الدولتين.
الابتزاز الأمريكي ضد الحلفاء العرب
اللافت أن واشنطن لا تمارس ضغطها على خصومها فقط، بل تمارسه أيضاً على حلفائها العرب.
فهي تتعامل مع بعض الدول العربية باعتبارها الحلقة الأضعف في الإقليم،
وتعتقد أن التهديد بالعقوبات أو العزل أو الضغط السياسي يكفي لدفعها إلى تغيير مواقفها.
هذا الأسلوب لا يعكس شراكة حقيقية، بل يعكس منطق ابتزاز سياسي. فالحليف، في الرؤية الأمريكية،
يصبح مطالباً بالانضمام إلى خيارات واشنطن حتى عندما تتعارض مع مصالحه الوطنية أو مع استقرار منطقته أو مع التزاماته العربية والإسلامية تجاه فلسطين.
وهنا تظهر مفارقة واضحة: واشنطن تفاوض طهران وحزب الله بصورة مباشرة أو غير مباشرة،
لكنها في الوقت نفسه تضغط على الدول العربية كي تقطع علاقاتها أو تنخرط في مواجهة مفتوحة معها.
التهديدات الأمريكية لسلطنة عُمان
لم يقتصر الضغط على السعودية. فقد تعرضت سلطنة عُمان، وفق تقارير صحفية أمريكية،
لتهديدات من الرئيس دونالد ترامب ووزير خزانته، بذريعة موقفها من إيران ودورها في ملف مضيق هرمز.
ووفق تلك التقارير، فإن واشنطن فسرت الحياد العماني وقنوات التواصل مع طهران بوصفهما موقفاً عدائياً تجاه الولايات المتحدة،
رغم أن مسقط أكدت مراراً استعدادها للعمل مع واشنطن وجميع الشركاء المسؤولين لتعزيز الاستقرار وردع الاضطرابات وحماية المصالح الاستراتيجية المشتركة.
إن تهديد دولة مثل عُمان، المعروفة بدبلوماسيتها الهادئة ودورها الوسيط،
يكشف حجم التوتر في السلوك الأمريكي عندما لا تنخرط العواصم العربية بالكامل في الأجندة الأمريكية.
مضيق هرمز وحساسية المصالح الدولية
تتصل هذه الأزمة أيضاً بمضيق هرمز، بوصفه أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم.
فالحديث عن رسوم أو ترتيبات تتعلق بالملاحة في المضيق يثير حساسية كبرى لدى واشنطن،
لأنه يمس أمن الطاقة العالمي ومصالح الحلفاء والأسواق الدولية.
لكن معالجة هذه الحساسية لا تكون بالتهديد والابتزاز، بل بالدبلوماسية والتفاهمات الإقليمية.
فالمضيق ليس مجرد نقطة بحرية، بل عقدة مصالح دولية وإقليمية، وأي تصعيد حوله قد يفتح الباب أمام اضطرابات لا تخدم أحداً.
ومن هنا، فإن الدور العماني كان يمكن أن يُقرأ باعتباره جسراً للتهدئة، لا ذريعة للتهديد.
سياسة “إما معنا أو ضدنا”
تكشف التهديدات الأمريكية المتكررة عن منطق قديم في السياسة الأمريكية: إما أن تكون الدولة مع واشنطن بالكامل،
أو تُصنف ضمن خانة الخصوم. وهذا منطق لا يراعي تعقيدات المنطقة، ولا حق الدول في إدارة مصالحها،
ولا حاجة العواصم العربية إلى تجنب الحروب المفتوحة.
فالدول العربية ليست مجرد ملحقات في الاستراتيجية الأمريكية، بل دول لها مصالحها وحساباتها وأمنها القومي.
ومن حقها أن ترفض التورط في مواجهة لا تخدم شعوبها، وأن تدعم حل الدولتين، وأن تحافظ على قنوات تواصل تمنع الانفجار.
أما تحويل كل موقف مستقل إلى عداء، فهو ما يجعل السياسة الأمريكية تبدو أكثر توتراً وأقل قدرة على بناء شراكات محترمة.
العرب لا يخشون التهديد عندما يمتلكون موقفاً واضحاً
رغم التهديدات، أظهرت مواقف بعض الدول العربية درجة من الثبات والمسؤولية. فقد رفضت الانخراط في الحرب،
وتمسكت بخيار التهدئة، ودافعت عن موقفها في دعم الدولة الفلسطينية، ولم تتراجع أمام الخطاب الأمريكي التصعيدي.
وهذا الثبات مهم، لأنه يكشف أن الضغط الأمريكي لم يعد قادراً دائماً على فرض النتائج التي يريدها.
فالدول العربية التي دفعت أثماناً باهظة من الحروب والأزمات باتت أكثر حذراً من الانجرار وراء مغامرات لا تملك قرار نهايتها.
كما أن الرأي العام العربي لم يعد يقبل تطبيعاً مجانياً مع إسرائيل في ظل استمرار الاعتداءات على الفلسطينيين وغياب أي أفق جدي للدولة الفلسطينية.
التفاوض مع الخصوم والضغط على الحلفاء
المفارقة الأعمق أن واشنطن تستخدم التفاوض مع خصومها والضغط على حلفائها في الوقت نفسه.
فهي تفتح قنوات مباشرة أو غير مباشرة مع إيران وحزب الله عندما تحتاج إلى إدارة الأزمة،
لكنها تطالب العرب باتخاذ مواقف أكثر صرامة مما تلتزم به هي نفسها.
هذا السلوك يضعف الثقة بالسياسة الأمريكية، لأنه يكشف أن واشنطن لا تعترض على التفاوض من حيث المبدأ،
لكنها تريد احتكار حق التفاوض لنفسها، وحرمان الآخرين من استخدامه لحماية مصالحهم.
وهذا ما يجعل الابتزاز الأمريكي مكشوفاً ورخيصاً: فهو لا يستند إلى مبدأ ثابت، بل إلى مصلحة متغيرة.
القضية الفلسطينية معيار الموقف العربي
تبقى القضية الفلسطينية هي المعيار الأوضح لاختبار صدقية أي مسار سياسي في المنطقة.
فلا يمكن الحديث عن سلام إقليمي حقيقي بينما تستمر إسرائيل في رفض الدولة الفلسطينية،
ومواصلة سياسات الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، وفرض الوقائع بالقوة.
ومن هنا، فإن التمسك العربي بحل الدولتين ليس موقفاً شكلياً، بل ضرورة سياسية وأخلاقية واستراتيجية.
فالتطبيع من دون أفق فلسطيني واضح لا ينتج سلاماً، بل ينتج اختلالاً جديداً في التوازن ويمنح إسرائيل مزيداً من الوقت لتكريس الأمر الواقع.
لذلك، فإن أي ضغط أمريكي لتجاوز فلسطين سيبقى ضغطاً فاقداً للشرعية السياسية والأخلاقية.
خاتمة: حين يتحول الحليف إلى هدف للضغط
في المحصلة، يكشف الابتزاز الأميركي الرخيص عن أزمة عميقة في طريقة تعامل واشنطن مع المنطقة.
فهي تدعم إسرائيل بلا حدود، وتضغط على العرب للانخراط في التطبيع والحرب،
وتهدد الحلفاء إذا اختاروا الوساطة أو الحياد أو الدفاع عن الدولة الفلسطينية.
لكن هذه السياسة لم تعد تمر بلا مقاومة سياسية.
فالدول العربية التي اختبرت كلفة الحروب باتت أكثر إدراكاً لمخاطر الانجرار،
وأكثر تمسكاً بحقها في تحديد مصالحها بعيداً عن الإملاءات.
إن الشراكة الحقيقية لا تُبنى بالتهديد، والسلام لا يُفرض بالابتزاز،
والاستقرار لا يتحقق عبر تجاهل فلسطين أو تحويل العرب إلى أدوات في صراعات الآخرين.
ومن هنا، فإن الموقف العربي الأكثر مسؤولية هو الذي يرفض الحرب، ويتمسك بالدولة الفلسطينية،
ويحافظ على استقلال القرار الوطني أمام الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.


