ليس العراق في الوجدان الشيعي بقعةً من الجغرافيا فحسب، بل هو موضع آثار النبوة، ومهوى أفئدة المحبين،
ومرقد الأئمة الأطهار عليهم السلام، ومسرح التضحيات التي تعاقبت فيها دموع الولاء مع دماء الشهادة.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تترسخ في روحه العامة عقيدة الانتظار، لا بوصفها فكرةً ذهنية تُتلى في المحافل،
بل بوصفها شعورًا عميقًا ينساب في ضمير الناس، ويمنحهم القدرة على الصبر والثبات، ويجعلهم أكثر التصاقًا بالوعد الإلهي،
وأكثر فهمًا لمعنى أن يكون الإنسان من أهل التمهيد لدولة العدل الإلهي.
الانتظار في مدرسة أهل البيت
فالانتظار في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ليس جمودًا، وليس تواكلًا، وليس انصرافًا عن مسؤوليات الحياة،
بل هو حضور دائم للحق في القلب، واستعداد مستمر لأن يكون المؤمن على مستوى الانتماء إلى الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف.
ومن هنا، فإن المجتمع الذي يحمل في وجدانه هذا الارتباط الحي بإمام زمانه، لا ينظر إلى البلاء على أنه نهاية الطريق،
ولا يتعامل مع المحن على أنها سقوط المعنى، بل يقرأها في سياق الامتحان الإلهي،
وفي سياق المسؤولية التي تقتضي من المؤمن أن يزداد بصيرة كلما اشتدت الفتن، وأن يزداد ثباتًا كلما تكاثفت أسباب الوهن والانكسار.
العراق وتجربة الصبر التاريخي
والعراق من أكثر المجتمعات التي عاشت هذا المعنى بعمق. فهذا البلد لم يمرّ عليه زمن يسير خاليًا من الجراح؛
فقد تعاقبت عليه الحروب، واشتدت فيه المحن، وتعرض أبناؤه لألوان من القهر والحرمان والتهجير والقتل،
حتى صار الألم فيه جزءًا من الذاكرة العامة، وصار الصبر فيه ليس خُلُقًا فرديًا فحسب، بل حالة جمعية كاملة.
ومع ذلك، لم ينقطع هذا الشعب عن منابع الرجاء، لأنه شعب رضع من كربلاء معنى الثبات،
وتعلّم من أئمته عليهم السلام أن الفرج لا يولد من الفراغ،
بل من الصبر الواعي، ومن الثبات على الولاية، ومن لزوم طريق الحق وإن كثرت الخسائر واشتدت الغربة.
التمهيد بوصفه سلوكًا لا شعارًا
وحين يُذكر الانتظار في العراق، فإن الذهن الشيعي لا ينصرف إلى حالة من التمني البعيد، بل إلى معنى أقدس من ذلك وأشد حضورًا،
وهو أن يكون الإنسان في سلوكه وأخلاقه وموقفه ووعيه جزءًا من التمهيد.
فالتمهيد ليس شعارًا يُرفع، بل بناء للنفس على التقوى، وحفظ للسان، وصيانة لليد، وورع عن الحرام، ووفاء للناس،
ورحمة بالضعفاء، وثبات عند مواقع الشبهة، واستقامة في السر والعلانية.
ومن هنا كان الانتظار في حقيقته مشروع إصلاح داخلي قبل أن يكون خطابًا عن المستقبل،
لأن المنتظر الصادق لا يكتفي بأن يحب الظهور المبارك،
بل يسعى إلى أن يكون منسجمًا مع مقتضياته، متأدبًا بأخلاقه، مهيئًا لنفسه ومجتمعه بما يقرّبه من مرضاة الله تعالى.
الولاية في الوجدان العراقي
ولعل أعظم ما يُلحظ في الواقع العراقي أن هذه العقيدة لم تبقَ حبيسة الكتب والخطب،
بل تجلّت في وجدان الناس وسلوكهم الجمعي.
فهذه الملايين التي تتحرك في الزيارات والمواسم، وهذه المواكب التي تبذل ما عندها في سبيل خدمة الزائرين،
وهذه الروح التي تجعل الفقير يبذل قبل الغني، والبعيد يحضر قبل القريب،
إنما تكشف عن حقيقة جوهرية في المجتمع العراقي،
وهي أن الولاية عنده ليست مفهومًا نظريًا، بل حياة كاملة.
وقد أصبحت هذه المشاهد في مناسبات أهل البيت عليهم السلام من أبرز دلائل التماسك الاجتماعي،
حتى غدت موضع تأمل عند كثير من الدارسين؛ إذ كيف يستطيع مجتمع أثقلته المحن، وأرهقته الأزمات،
أن يُظهر هذا القدر من البذل والعطاء والانضباط العفوي والمحبة والخدمة؟
والجواب يكمن في هذا الرصيد الإيماني الهائل الذي تغذيه عقيدة الولاء، وتحييه ذكرى المظلومية الحسينية،
ويمنحه الانتظار المهدوي أفقه الأعلى ومعناه الأبعد.
الانتظار والتقوى الاجتماعية
غير أن قيمة الانتظار لا تكتمل إذا بقيت محصورة في الانفعال العاطفي وحده.
فمن الوفاء للإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف أن يتحول هذا الارتباط إلى تقوى اجتماعية، وأن تنعكس المحبة في الصدق،
والأمانة، وحسن المعاملة، وإتقان العمل، ونظافة اليد، وتعظيم حقوق الناس.
ليس المطلوب من المؤمن أن يرفع لواء الانتظار بلسانه فقط، بل أن يجعل من حياته شاهدًا على صدق هذا الانتظار.
فما معنى أن ينتسب الإنسان إلى إمام العدل وهو يظلم؟ وما معنى أن يعلن الشوق إلى دولة الحق وهو يتهاون في حقوق الخلق؟
وما معنى أن يتغنى بالولاء لأهل البيت عليهم السلام ثم لا يظهر أثر هذا الولاء في سلوكه مع الناس، وفي مسؤوليته في الأسرة، وفي نزاهته في العمل، وفي رحمته بالمحتاجين؟
العراق وحاجة المجتمع إلى تدين مسؤول
إن العراق اليوم أحوج ما يكون إلى هذا المعنى من التدين؛ تدين يزداد فيه حضور الإمام في الضمير، فتزداد معه المراقبة،
ويقوى معه الحياء من المعصية، ويعظم معه الشعور بأن المؤمن ليس متروكًا لنفسه، بل هو دائم الصلة بحجة الله في أرضه، ودائم المحاسبة لنفسه على قدر هذا الانتماء.
وهذا الفهم هو الذي يمنع الانتظار من أن يتحول إلى حالة وجدانية مجردة، ويجعله بدل ذلك مسؤولية أخلاقية وتكليفًا إيمانيًا.
فالمؤمن المنتظر هو الذي يرى أن إصلاح بيته، وتربية أولاده، وحفظ دينه، وخدمة مجتمعه،
وصيانة لسانه، وأداء وظيفته بأمانة، كلها من شؤون التمهيد، وكلها داخلة في الوفاء لصاحب العصر والزمان أرواحنا له الفداء.
بين عاشوراء والانتظار
ومن خصوصية العراق أن الوجدان الشيعي فيه قد تشكل على تلازم شديد بين الحسين والمهدي عليهما السلام.
فالحسين عليه السلام هو مدرسة التضحية والرفض والوفاء، والمهدي عجل الله فرجه الشريف هو أفق العدالة الكاملة والوعد الإلهي الموعود.
وبين عاشوراء والانتظار خيط روحي عميق يربط الوجع بالأمل، والشهادة بالمستقبل، والدمعة بالموقف، والولاء بالفعل.
ولذلك فإن العراقي حين يعيش هذه العقيدة بصدق، لا يعيشها هروبًا من الواقع، بل يحملها معه إلى صميم الواقع،
فتمنحه بصيرة عند الفتن، وطمأنينة عند الاضطراب، وقوة في وجه محاولات الإذلال والتيئيس.
الشباب العراقي ومسؤولية التمهيد
وليس خافيًا أن العراق يملك طاقة شبابية واسعة، وهذه الطاقة إن أُحسن توجيهها على أساس ديني رصين، يمكن أن تكون من أعظم عناصر النهوض.
فالشباب حين يفهمون الانتظار على أنه تزكية للنفس، وحفظ للهوية، واستعداد لخدمة الدين والمجتمع،
يصبحون أكثر قدرة على مقاومة الانحراف، وأشد وعيًا في مواجهة حملات التفريغ الروحي والأخلاقي.
إن الشاب الذي يشعر بأنه منتسب إلى مشروع إلهي عظيم، وبأنه يعيش تحت راية إمام غائب حاضر في ضمير المؤمنين،
لا تكون نظرته إلى نفسه عابرة، ولا تكون علاقته بالحياة مفصولة عن المسؤولية، بل يرى أن لكل موقف وزنًا، ولكل كلمة أثرًا،
ولكل استقامة قيمة عند الله تعالى وفي ميزان التمهيد.
دور الخطاب الديني في تعميق معنى الانتظار
ومن هنا، فإن الخطاب الديني في العراق مدعو إلى أن يعمّق هذا المعنى،
وأن يربط الناس بالإمام المنتظر ربطًا يثمر صلاحًا وتقوى وبصيرة، لا مجرد حرارة عاطفية تنطفئ بانتهاء المناسبة.
نحن بحاجة إلى أن يُفهم الانتظار على أنه دوام الاستعداد للحق، وتربية النفس على أن تكون أهلًا لنصرة الإمام،
ورفض داخلي لكل ما يناقض مشروع العدل الإلهي من ظلم أو فساد أو خيانة أو استهانة بحقوق الناس.
فكلما ازداد المجتمع قربًا من هذه المعاني، ازداد أهلية لأن يكون مجتمعًا ممهِّدًا، لا بالادعاء، بل بحقيقة السلوك ونقاء المقصد.
العراق ميدان اليقظة الإيمانية
إن العراق، بما فيه من مراقد، وحوزات، ومواكب، وذاكرة شهادة، ليس بلدًا عاديًا في وجدان المؤمنين،
بل هو أرض مرشحة دائمًا لأن تكون ميدانًا من ميادين اليقظة الإيمانية.
وإذا كان هذا البلد قد ابتُلي كثيرًا، فإن في ابتلائه سرًا من أسرار صقله وتهيئته، شرط أن يقرأ أهله المحنة بعين البصيرة، لا بعين القنوط.
فما أكثر ما تنكسر الأمم حين تضعف صلتها بالسماء، أما العراق، فرغم ما أصابه، لا يزال يحمل في أعماقه ذلك الخيط النوراني الذي يشده إلى الله تعالى،
وإلى رسوله وأهل بيته، وإلى وعده الحق الذي لا يتخلف.
خاتمة
وفي خاتمة الأمر، فإن الانتظار المهدوي في العراق ينبغي أن يُفهم بوصفه عبادة قلب، واستقامة سلوك، وثبات موقف،
وخدمة مجتمع، وصبرًا على البلاء، وتمسكًا بالولاية، وتهيئة دائمة للنفس والأهل والناس لليوم الذي يظهر فيه الحق بتمامه.
وليس أجمل من أن يعيش المؤمن العراقي هذه الحقيقة وهو يشعر أن كل إخلاص يقدمه، وكل ورع يلتزمه، وكل حق يؤديه،
وكل خدمة يبذلها، إنما يضع بها لبنة في طريق التمهيد، ويجدد بها عهده مع إمام زمانه.
وبذلك يبرهن العراق، رغم جراحه، أنه ما زال أرضًا للوفاء، ومهدًا للولاء، وموطنًا للرجال الذين لا تنقطع صلتهم بوعد الله،
ولا تضعف قلوبهم ما داموا على طريق أهل البيت عليهم السلام.


