ذات مساءٍ بارد من نهايات القرن السابع عشر، كان كتاب صغير يرحل من جزيرة مبلّلة بالضباب إلى قلب أوروبا. لم يكن يحمل بارودًا، ولا بيانًا سياسيًا، بل كان محض تأملٍ في ماهيّة الفهم البشري. كتبه رجل يدعى “جون لوك”، وقد أراد أن يقول فيه: إن الإنسان لا يولد حاملًا شيئًا، بل هو صفحة بيضاء، كلّ ما فيها يُكتَب لاحقًا، بحبر التجربة وحدها. وهذا هو المبدأ المركزي في فلسفته التجريبية.
لكن حين وصلت هذه الصفحات إلى “ليبنتز”، الفيلسوف الألماني الذي كان عقله لا يهدأ، لم يمرّ عليها مرور العابر. أحسّ أن في الكلمات ما يدعو إلى الريبة، وأن بين السطور صمتًا يستفزه. بعث ليبنتز برسالة إلى صاحب الكتاب، أورد فيها ملاحظاته واعتراضاته، على أمل أن يتلقى ردًا يفتح حوارًا فكريًا عابرًا للحدود.
لكنّ الردّ لم يأتِ في وقته. وحين ألحّ ليبنتز برسالة ثانية، جاءه الجواب من بريطانيا بعبارة لاذعة:
“إننا في راحة تامة مع السادة الألمان جيراننا، لسببٍ واحد: نحن لا نقرأ ما يكتبون، وهم لا يفهمون ما نكتب.”
كان ذلك كافيًا لإشعال فتيل معركة صامتة، لكنها هادرة في جوهرها. لم يرفع ليبنتز صوته، بل رفع قلمه، وكتب كتابًا كاملًا ردّ فيه على كلّ فقرة من فقرات لوك، وأسماه: “محاولات جديدة في الفهم البشري”.
هكذا، دون أن يتصافحا، خاض الفيلسوفان معركة نادرة، لم تقع في الساحات، بل في الممرات الخفيّة للفكر. معركة بين من يرى أن العقل وليد التجربة، ومن يؤمن أنه مسبوق بأصداء أزلية، بومضات فطرية خفية.
حين يكون العقل صفحةً بيضاء
حين أمسك جون لوك قلمه، لم يكن يطمح إلى كتابة يقين، بل إلى تحرير العقل من أوهامه الأولى. نظر إلى الإنسان في لحظة ولادته، فرآه بلا ميراثٍ عقلي، بلا أصداء موروثة، فقط فراغ شاسع ينتظر أن تكتبه التجربة.
قال: العقل ليس أكثر من صفحة بيضاء، تُخطّ فوقها الحياة ما تشاء. أو بعبارة أدق، “العقل عند الولادة ليس إلا صفحة بيضاء، يُكتب فيها كل ما نعرفه بالتجربة.”
في كتابه “مقال في الفهم البشري” (1690)، أعلن جون لوك القطيعة مع ما رآه “أساطير العقل الفطري”. رفضَ فكرة أن يكون فينا شيءٌ سابقٌ على الإحساس، وذهب إلى أن كل فكرة، كل معرفة، كل فهم، إنما تولد من نافذتين لا ثالث لهما: الحس الخارجي والتأمل الداخلي. وما دون ذلك؟ مجرّد افتراضات تتجمّل بلغة الفلاسفة ولا تحمل أثرًا في الوعي الحقيقي.
وإن ما ورد في كتاب “مقال في الفهم البشري” يمكن تلخيصه بالآتي:
يقف شخصان أمام باب مغلق: يقول أحدهما “معي المفتاح! أعرف أنهُ المفتاح الصحيح لأنني اختبرتهُ في القفل، وهو يعمل لفتح الباب.
يقول الشخص الآخر: لدي المفتاح أيضاً. لم أحاول فتح القفل به قط لكنني متأكد من أنهُ سينجح لأنني أشعر به.
وهنا يقف بعض الفلاسفة بين الاختبار والتجربة، كمحاولة إدخال المفتاح في القفل. بينما يذهب البعض الآخر إلى أن هاتين الوسيلتين هما الأنجع في فهم الجوانب المعقدة من العالم.
لم يكن جون لوك يهدم فقط، بل كان يعيد ترتيب المعمار الفكري بأدوات الواقع. أراد أن يعيد الفهم البشري إلى الأرض، بعد أن جعله العقلانيون يُحلّق في السماء. وما السماء في نظره، إلا وهمٌ جميل يسطع فوق أرض لم نلمسها بعد.
كانت أفكاره بمثابة ثورة هادئة، لكنها مشحونةٌ بما يكفي لتهزّ أركان المسلّمات. فالقول بأن العقل صفحة بيضاء، يعني نفيَ القداسة عن كل ما ظُنّ أنه فطريّ، فالعقل في النهاية ليس نبيًا، بل متعلّم متأخّر في مدرسة الحياة.
لكن، في مكانٍ آخر من أوروبا، كان هناك من يرى في هذا الطرح تقزيمًا للإنسان، خيانةً لما يسكنه من عمقٍ سابق للتجربة، أعمق من الحسّ وأدهى من التأمل. كان ذلك الشاب هو الفيلسوف غوتفريد لايبنتز، وكان عقله على وشك أن يشتعل.
عندما يتكلّم العقل من الداخل
حين قرأ ليبنتز كتاب لوك، لم يكتفِ بالدهشة، بل شعر أن شيئًا عميقًا في جوهر الإنسان قد أُغفل عمدًا. كيف يمكن للعقل أن يكون صفحة بيضاء، وهو يرى الأطفال يتعلمون أسرع مما تتّسع تجاربهم؟ كيف نفسّر، إذًا، ميلنا إلى المنطق قبل أن نتقنه؟ كيف نفسّر تلك المبادئ التي نحتكم إليها دون أن نختبرها أولًا؟
في صمت غرفته، بدأ ليبنتز يكتب. لم تكن ملاحظاته ردودًا عابرة، بل مشروعٌ كاملٌ سطر بعد سطر، في مواجهة كتاب لوك.
وهكذا ولد كتابه: “محاولات جديدة في الفهم البشري” (1765).
كان ليبنتز يرى أن التجربة وحدها لا تصنع الفهم. فالتجربة، في نظره، لا تعطي سوى الشرارة، أما النار فمخزونة في الداخل منذ البدء.
قال: “ليس في العقل شيءٌ لم يأتِ من التجربة… إلا العقل نفسه.”
في مقاربة ليبنتز، هناك مبادئ أولى، فطرية، تسبق أي معرفة مكتسبة. وهذه المقاربة مأخوذة من أستاذه الأول “سقراط” كما جاء في كتاب “جمهورية أفلاطون” للفيلسوف اليوناني أفلاطون.
حيث وقف سقراط وجهاً لوجه مع السفسطائيين متحدثاً عن النظرية الفطرية، وإن الكائن البشري يولد مزوداً بكل أدوات المعرفة، وما عليه سوى التذكر. وهنا لا أريد الخوض أكثر بما دار بين سقراط والسفسطائيين والعبد الذي لا يعرف شيئا، إلا أن برأيي يمكن تلخيص النظرية بـ التذكر معرفة و الجهل نسيان.
ليس الفهم البشري مجرد مرآة تنعكس فيها الصور، بل هو أشبه بغابة من الرموز، بعضها يوقظه الضوء، وبعضها ينتظر أن يُستفزّ ليتكلم.
لقد أعاد ليبنتز إلى العقل مكانته كقوّة كامنة، وليس مجرد مستقبل سلبي للانطباعات. قال إننا لا نولد فارغين، بل محمّلين بنماذج أولى، ببذورٍ نادرة تنمو حين تسقيها التجربة، لكنها لا تُخلق منها.
وإن كان جون لوك قد أراد أن يطهِّر الفهم من الخرافة، فإن ليبنتز أراد أن يخلّصه من الفقر.
حين يتصارع العقل والتجربة على رسم ملامح الإنسان
لم تكن المواجهة بين لوك وليبنتز مجرد اختلاف في الرأي، بل كانت وجهين لموقفين وجوديين:
من جهة، عقلٌ لا يعرف شيئًا إلا إذا مرّ به أولًا.
ومن جهة أخرى، عقلٌ يعرف لأنه يحمل سرًّا لا يأتي من الخارج.
جون لوك، ابن التجريبية الإنكليزية، أراد أن يعيد المعرفة إلى تماسّها الحقيقي بالحواس، بالواقع، بالعالم كما هو. لقد رأى أن كلّ فكرة عظيمة كانت ذات يوم أثرًا لحركة بسيطة: نورًا يضرب العين، صوتًا يوقظ الذاكرة، تجربة صغيرة تحفر معنى.
إنه عقلٌ لا يدّعي النبوءة، بل يتعلّم ببطء، كما تتعلم اليد أن تمسك بالقلم.
أما ليبنتز، فهو الابن الشرعي للعقلانية القارّية، وحفيد ديكارت في الإصرار على أن بعض الحقائق لا تحتاج إلى أن تُجَرَّب، لأنها تسكن داخلنا منذ البدء. إن فينا، كما كان يرى، مبادئَ أقدم من الوعي، أقرب إلى الصمت الأول الذي سبق اللغة.
هو لا ينكر التجربة، لكنه يعتبرها غير كافية وحدها لفهم ما هو كليّ، ولِمَ نحن مهيّؤون أصلًا للمعنى، قبل أن نعيشه.
هكذا، يتحوّل العقل في فلسفة جون لوك إلى مرآة، بينما في فلسفة ليبنتز هو ينبوع.
عند جون لوك، العقل لا يصدر إلا عما يُلقى عليه. “الرجال لا يولدون عارفين، بل يتعلمون.”
وعند ليبنتز، يصدر لأنه يفيض من ذاته، ويتذكّر ما لم يُقل. “العقل يشبه مرآة لا تعكس فقط، بل تحتوي على صور داخلية كامنة، تُثار بفعل التجربة”
وفي هذا الفارق الصغير، وُلدت نظرتان متباينتان للإنسان:
هل نحن نتاجُ ما نراه؟
أم أننا نحمل فينا ما لا يُرى؟
حين تتكلم الأفكار بعد موت أصحابها
رغم أن جون لوك وليبنتز لم يلتقيا قط، ولم يتحاورا وجهًا لوجه، إلا أن ما دار بينهما من سجال قد بقي حيًّا،يتجدّد بصور شتى، في كلّ مرة يُسأل فيها سؤالٌ بسيطٌ على ظاهره، عميقٌ في جوهره:
كيف نفهم؟ ومن أين تبدأ المعرفة؟
لقد أنجب فكر جون لوك جيلًا طويلًا من التجريبيين: هيوم، بيركلي، وجون ستيوارت ميل… كلّهم ساروا في درب التجربة، يرون فيها البداية والنهاية. ومن تلك البذور نشأ الحسّ الفلسفي للعلوم الحديثة، حيث لا شيء يُؤخذ ما لم يُختبر، ولا فرضية تُصدّق ما لم تُبرهن.
في المقابل، منح ليبنتز العقلانية الأوروبيّة بُعدها الأكثر عمقًا. انتقل صداه إلى كانط، ثم إلى هوسرل، فالمدارس القارية التي ما زالت تؤمن بأن ثمة شيئًا فينا لا يُختبر بالحواس وحدها. شيءٌ خفيٌّ، كأنه موسيقى داخلية لا يسمعها سوى من يصغي للعقل لا كأداة، بل ككائن له حدس.
وعلى “إيمانويل كانط” الفيلسوف الألماني فأنهُ قد كتب بعد ذلك كتاباً حاول فيه دمج التيار التجريبي مع التيار العقلاني وأسماه “نقد العقل المحض” ويعتبر هذا الكتاب إلى اليوم أدسم كتب الفلسفة وأكثرها تعقيداً. حيث قال عنه “مارتن هايدغر” إن كتاب نقد العقل المحض “صرخة قديمة تبحث عن سؤال جديد.”
حين فرغ لايبنتز من كتابة “محاولات جديدة في الفهم البشري”، حمله إلى المطبعة ليأخذه طريقه إلى النشر، وكأن المعركة قد بلغت تمامها. لكن في اللحظة نفسها، وصل إليه خبر وفاة جون لوك – 28 تشرين الأول 1704. توقّف. شعر أن الخصم الذي كان يحاوره بين السطور لم يعد موجودًا، وأن النزال فقد أحد وجهيه. أعاد المخطوطة إلى درج مكتبته، حيث بقيت هناك، صامتة، بلا قرّاء، حتى نُشرت بعد وفاته هو أيضًا 1716 بعد خمسين عاماً.
لم يكن ذلك تراجعًا، بل نوعٌ نادرٌ من الاحترام الفكري – أن لا تردّ على ميت، لأن الأفكار لا تموت، لكنها تعرف كيف تنتظر.
أما لوك، فقد كتب فكرته ومضى، وترك للعالم أن يختبرها في الزمن، لا في الجدال.
وما جرى بين هذين الرجلين، لم يكن خلافًا في نظرية المعرفة، بل نزالٌ بين نبوءتين: إحداهما تقول إننا نولد فراغًا. والأخرى تقول إننا نولد كنزًا مغلقًا. وبينهما يمشي الإنسان، يكتب تجربته كما لو كان يسترجع ذاكرة لم يعشها.لقد كتب جون لوك ليعلّمنا أن نرى، وكتب لايبنتز ليعلّمنا أن نتذكّر. وها نحن، بعد قرون، لا نزال نحمل في أفكارنا ظلّ تلك المعركة: حين نثق بالحواس وحدها، فنحن أبناء جون لوك.
وحين نصغي لشيءٍ غامض فينا، لا نعرف من أين أتى، فنحن على خطى لايبنتز.


